قليلة هي المراجع الأجنبية المترجمة باللغة العربية في مجال الصحافة، لكن الأشد ندرة هي المراجع العربية المكتوبة باللغة العربية تأليفا. في كتاب "صحافة البيانات" الصارد عن دار العربي للنشر والتوزيع، يدخل الصحفي عمرو العراقي إلى مساحة نادرة المراجع باللغة العربية، ويخوض مغامرة التوثيق والتدريب في آن معاً، من خلال تجربة امتدت لأكثر من عشرة سنوات في المجال الإعلامي مع عدد من كبرى مؤسسات الصحافة في العالم العربي، مضافاً إليها التدريب الذي خاضه في أكثر من مؤسسة عالمية.
ينقل عمرو المصري تجربته ومغامرته بتأسيس شركة تعنى بنوع محدد من المنتجات الصحفية هو «الانفوغرافيك»، وهو أحد الأنواع الذي يحصد اهتماما لافتا من المؤسسات التي تدعم الإعلام الجديد، باعتباره من الأدوات التي تحارب في زمن عسر القراءة.
رغم أن هنالك الكثير من الحكايات المرتبطة بالأرقام في حياتنا كأن يتفاءل الصينيون بالرقم 8 ويصبح كل ما له علاقة بالسعادة مرتبطاً بهذا الرقم، أو أن يتشاءم البعض من الرقم 13، إلا أن الأرقام تكاد تسيطر على حياتنا، وفي خضم حياتنا السريعة المليئة بالأخبار والحاجة إلى الدقة، فإن لها دوراً بارزاً في ظل بحث القارئ عن المعلومة السريعة الدقيقة، وهنا تبرز «صحافة البيانات» كواحدة من أبرز الأدوات الصحفية التي تتعامل مع الأرقام وتقدمها كوجبة خبرية سريعة بطريقة مصورة جذابة.
يبدأ كتاب «صحافة البيانات» مع نشأة هذا ولمحة تاريخية عنها، ويتناول العراقي (المصري الجنسية والمولد) آلية التعامل معها في صحف غربية دخل مطبخ تحرير بعضها، ويعرف لعدد من تعاريفها، من أبرزها أن صحافة البيانات هي: "تحويل كم فوضوي من البيانات لا قيمة لها إلى قصة صحفية بصرية يمكن ان تختزل العديد من المعلومات المهمة والمفيدة، بمساعدة الكمبيوتر لجمع وتنظيم أو لتحليل البيانات وتصميمها في أشكال ورسوم بيانية وعرضها للقارئ في صورة جذابة".
تعود جذور صحافة البيانات إلى القرن التاسع عشر وتحديداً إلى المهندس الاسكتلندي ويليام بلايفر (1759- 1823) الذي كان أول من استخدم الرسم البياني الإحصائي في كتابه «أطلس التجارة والسياسة» الذي نشر عام 1786، كما كان أول من استخدم الرسم البياني الدائري في كتابه «الأدعية الإحصائية» الذي نشر في لندن عام 1801، وصار أكثر الأشكال الإحصائية شهرة ولم يتغير كثيراً منذ 200 عام.
فيما يحسب للرسم التوضيحي (الانفوغرافيك) الذي وضعته الممرضة البريطانية «فلورانس نايتنجايل» إنقاذه أرواح الجنود البريطانيين الذين أصيبوا في ساحة المعركة ولم يتلقوا العلاج المناسب، حيث أشارت في مخطط بياني تقدمت به إلى البرلمان البريطاني أن ارتفاع عدد القتلى سببه تدهور الرعاية الصحية في أرض المعركة ما أدى إلى ارتفاع عدد الوفيات بسبب انتشار الأوبئة، فيما تغير هذا الوضع عندما تغيرت شروط الرعاية الصحية، مما دفع البرلمان لاتخاذ قرارات سريعة تغير من الوضع الموجود على الأرض في زمن أسرع وإنقاذ المزيد من الجنود.
من الأرقام اللافتة في الكتاب أن قراء الصحافة الورقي 1.7 مليار فيما هناك 3 مليارات شخص يتعاملون مع الانترنت، وفي التدفق الكثيف للبيانات وصل حجم البيانات الى 2.7 زيتا بايت وهو ما يعادل 500 ضعف حجم البيانات منذ بدء التاريخ وحتى عام 2012، الأمر الذي ادى إلى تغير القارئ الذي كان يستقطع ساعات على الشرفة للقراءة، واختلفت بالتالي طريقة التعامل مع الاعلام، وبرزت الحاجة لرؤية الخفايا من خلال تحليل البيانات.
حيث تجد أن الصحفي ستيف دوويغ عمل على تحليل بيانات أندرو الذي ضرب ولاية فلوريدا عام 1992، واستنتج أن الأضرار كانت أكبر في المناطق التي بنيت حديثا ما يعني غياب الرقابة على عمليات البناء وهو ما تسبب في المزيد من الأضرار.
ومن أشهر نماذج «الانفوغرافيك» ما نشرته بي بي سي تحت عنوان «العالم به 7 مليارات شخص .. ما هو رقمك بينهم؟». حيث يدخل الشخص تاريخ ميلاده ليظهر رقمه المتسلسل من بين سكان العالم، وكانت الأكثر انتشارا على التواصل الاجتماعي عام 2011.
أما عن صحفي البيانات فأبرز صفاته هي أن يكون ملماً بالرياضيات والاحصاء، وأن يبدأ من برنامج اكسل الذي يتوفر فيه معادلات جاهزة تساعد على التحليل بطريقة أكثر عمقا، وان يكون إلى جانب فريق عمل يتضمن إضافة إلى المحرر الصحفي مطور البرمجيات ومصمم البيانات ليكون العمل متكاملاً.
لا يكتفي الكتاب بالعرض واستعراض الشهير من الأمثلة، في فصله الأول إنما يدخل في فصله الثاني إلى مفهوم تنظيف البيانات وجمعها وتحليلها، ويفرق بين البيانات والمعلومات، وكيف تصل بالبيانات إلى قصة صحفية، إنما الأبرز في الكتاب هو تناوله في الفصل الثالث لكيفية عرض وتصميم البيانات فيما يمكن اعتباره دورة مصغرة لصحفي البيانات، او لأي راغب في دخول هذا العالم الرحب، مع تبيان بعض الممارسات الخاطئة وانواع الأشكال البيانية، دون أن ينسى عمرو العراقي الباب مفتوحاً –عن عمد- في عصر المعلومات المفتوح لمن يرغب بالمزيد، ويوفر لك عدداً من مواقع الانترنت المفيدة لتختار منها ما يزد من تجربتك في حال أردت المزيد.