.. وما إن وصلت إلى مكتبك إلا وترى ورقة على الطاولة تفيد بالاستغناء عنك، عندها تُهشم داخل روحك التفاؤل وانحصرت مساحته واتسع فراغ هائل من الخوف والخشية، شعرت بأنه تم خديعتك، وبأنك وحيد تكابد عناء اللحظة، ومفاجأة الوقت.
رجعت نحو منزلك تجر أذيال الهزيمة، فلا تجد زوجتك ولا طفلك، تتصل عليها، فترد بحدة: ذهبت نحو المستشفى بسبب الحمى وارتفاع حرارة الصغير. وعند عودتها، تبتسم تريد أن تلقي همك عليها، وأن تسمع كلمة تخفف عليك فداحة الخسارة، فما إن تراك إلا وتبدأ بالصراخ في وجهك لسلبيتك وبرودك، فتخرج ما يعتلج في قلبها منذ بعض الوقت بسبب عدم أخذها في رحلة أوروبية، أمام صمتك، لا تتوقف فتذهب نحو غرفتها وتبدأ في جمع ملابسها، تحاول أن تفهم منها سبباً لكل هذا الغضب، فلا ترد عليك سوى أن شقيقها في الطريق لأخذها، وتقسم الأيمان المغلظة بأنها لن تعود أليك وأنها ستطلب طلاقها.. عندما يحضر شقيقها، تسأله بكل عفوية، ماذا حدث؟ فيضحك باستهزاء ويجيبك بتهكم: تسألني؟ اسألها هي! ثم يحمل حقيبتها ويمضي وهي تغادر خلفه...
تعود للهدوء الذي يشبه الفراغ، لوهلة تشعر بالذهول، وتبدأ التفكير، تقول لنفسك: من تخدع بكل هذا الاستغراب؟ أما وظيفتك فكانت علامات طردهم لك تتراقص أمامك منذ عام، فتعثر الشركة وخسارتها المالية كان من الطبيعي أن تكون أنت وثلة من زملائك أول من سيتم الاستغناء عنهم بسببها. وأيضاً زوجتك، لا تدعي الدهشة من موقفها، لا تلق باللوم عليها، ولا تقل إنها سبب انهيار حياتكم الزوجية، فلو كان الحب الذي يجمعكما أكبر وأعظم لما تركتك بهذا الشكل المالح...
وضع رأسه وقد أحاطت به الهموم، وتقاذفته الأماني والأحزان، ينظر يميناً، لا أحد من أحبته، وينظر يساراً، لا أحد من أصدقائه، يفتقد أباه، ويشده الحنين نحو أمه، لكن الأموات لا يتعاطفون مع الأحياء، يتذكر القرية والركض بين الحقول، يتمتم، يا الله كم كنت خالياً في ذلك الزمن من الأحزان والمواجع.. يضع رأسه وينام !...
ينهض وقد خنقه الحزن، ينهض بقلب مكتوم مغلف بهالة من القلق، أما الروح فباتت حبيسة الهم، يخرج نحو الشارع فلا يشاهد سوى «السيارات» وهي تسير بسرعة، والناس مشغولة، لا أحد يلتفت، ولا يوجد حتى من يسلم، الضوضاء تملأ المكان، وعوادم المركبات تحيط بالجو، يعود لمنزله، فيطبق الصمت، كل شيء يلوذ بالهدوء الذي يشبه الهزيمة، ينظر مراراً نحو جواله، لا رسالة، لا رنين.. يبدأ في تصفح الأسماء المدونة ويستعرضها في جهازه الجوال، يمكن أن يجد من بينهم من يتصل عليه لزيارته، ليتحدث معه، يمر على القائمة مرة واثنتين وثلاث، لا شيء يشده، ولا شيء يجذبه، ولا يجد اسماً واحداً يمكن أن يركن إليه، وسط لجة من المخاوف والوحدة، وهواجس عديدة تتعلق بانهيار حياته على كافة الصعد، يسلي النفس أو يحاول أن ينسى، تناول «الرموت كنترول» وبدأ في التنقل بين القنوات الفضائية بعفوية واعتيادية، يتوقف أمام شاشة واحدة من تلك القنوات، كان يتعالى منها صوت عذب رقيق لترتيل من القرآن الكريم: (وفي السماء رزقكم وما توعدون) نبعت من بين ثنايا النفس المحطمة القلقة مشاعر من التفاؤل والطمأنينة، ثم أخذت في التوسع واكتساح المساحات الهرمة الذابلة داخل روحه، ولم يصل مساء ذلك اليوم، إلا وروحه مستبشرة بغدٍ أجمل.. عندما وضع رأسه للنوم، كان يتوسد الأمل ويتدثر بوعد الله الذي لم يخلفه قط...
* كاتبة إماراتية