كنت أتمدد فوق سريري، واضعة على الوسادة رأسي المثقل بالحديث عن آهات وأوجاع هذه الحياة التي يجدها كثيرون معقدة تفترس أحلامنا، وتشل رغباتنا. وخصوصاً حين ترمي بظلالها على رؤوسنا، لتخبرنا دائماً بأنها أقوى من كل محاولات البشر في العيش بسلام، وحتى خيوط الشر المتناثرة على جنبات الطريق لم تعد تتصيدنا.
أحملق في سقف البيت والمروحة العتيقة التي كنت ولا أزال أرسم من دورانها صوراً من خيالات لا تنقطع، هي تفاصيل صنعتها بنفسي حلماً تلو آخر، فأصبحت خليلة لذاتي، أجسد بها واقعي كعادة يومية.. عشتها وحدي.. لم أخبر بها أحداً، ولا أنكر أني حاولت أن أعيش بها مع غيري مثل العجوز «سلامة» تلك التي تعرفت عليها في مفترق طريق كنت عابرة فيه لأحقق حلماً من أحلامي الواسعة اتساع السماء.
كنت داخل سيارتي، في جانب الطريق الجبلي قريباً من منزلها، وفي غمرة الحيرة مسحت فجأة بأصابعها الباردة وجه مرآتي التائهة تحت غبار مكدس بفعل الزمن، بحثاً عن وجه جديد لي، لكن الوجه ذاته يطل عليها في كل مرة، الوجه الذي جاء من خلف ليالي السهر ودموع الانتظار التي لطالما ذرفتها كلما انطفأ الأمل، لا أنكر أنها كانت المتنفس الوحيد كلما تكالبت الأفكار لتخنقني، ورغم ذلك كنت أفتح من قلبي نافذة مطلة إلى تلك العجوز «سلامة» التي أصحبت عالقة بواقعي، فليس سهلاً كتابتها في قصة أو رواية.
خاصة عندما تجد في ملامحها وعنفوانها صورة تشبه مدينتي، الخالية من غبار الماضي وتحديات الحاضر، تلك المدينة الغارقة في مثالية أفلاطون والمعاني الجميلة التي كان يتغنى بها جدي على مرفأ الذاكرة بصخب الأطفال وهمسات المحبين وقصص الأبطال وأحاديث الكادحين، وبسمة المستقبل.
عشقت حديث سلامة وفلسفتها، وكم أستمتع بتعقيداتها التي تنم عن ازدواجية مفتعلة وبمحاولاتها إغراقي في تلك التفاصيل التي لا تجدها إلا في أفلام «ستيفن سيغال» و «جون كلود فان دام».
قالت: اقتربي، خفت، اقتربي، ترددت ولكن بعد برهة قررت أن أقترب، شعرت لحظتها أنني ألامس روحها، أستشعر ذاتها، أتنفس معها، ترى هل أصبحتها! قبل أن أعود مرة أخرى إلى نفسي بعد رحلة الروح التي مضت بسرعة الضوء؟
أذكر قبل لحظة التماهي تلك، بدقائق، كنت أثناء حديثها أشاهد ومضات عينيها كأنك تشاهد مقاطع من عوالم الخيال، وتستمتع بعفوية ضحكاتها، وهمساتها البريئة رغم تجاعيد الزمن التي كست وجهها ويديها ورجليها، مغفل من يقول: «انتهى الزمن الجميل» أو كما نطلق عليه «زمن الطيبين». لا أتمالك نفسي مطلقاً أمام صدى أحاديثها المتقنة ومن الانتقال الأنيق من قصة محزنة إلى قصة مبكية، ومن حكاية موجعة إلى حكاية مفرحة، تنسيك تارة بالضحك وتارة بدمع عبثي لا ينتهي. ما أجمل قصصها المستوحاة من الأيام الخوالي والخيال، ومن الواقع المؤلم، أو من الماضي الإماراتي المليء بمثل هذه الأساطير والقصص الواقعية وغير الواقعية.
حفظت في صميم فؤادي «سوالفها» التي هي سلسلة لا تنتهي، فتمضي معها الساعات الطويلة وكأنها دقائق. تنتشلني من ثقل أفكاري التي تجتاز المليون، وتدفعني إلى رواق لم أشعر فيه سوى بخيالات طفولتي التي لم أعد أتذكر منها سوى الحنين والشوق الغائب خلف متاهات الحياة التي باتت تنبض فقط بفقاعات أحاديث إلكترونية.