كان غفقار رجلاً مسالماً مرحاً، أحبه الناس بالرغــــــم من منظره الخارجي الذي كان دميماً لدرجة الفزع، إذ كان يسكن وحيداً عند التلـــــة المطلة على القرية، حيث كان يروي قصصاً للأهالي نهاية الأسبوع .

 

الظل الأبيض

وفي إحدى الليالي المقمرة، جلس غفقار يروي قصة بطلها رجـــــــــل وحيد، إلا من صاحب، كانا لا يتفارقان، إلا في الليالي المعتمة، كـان الرجل في القصة متيماً بظلـــــــه، حتى إنه كان يؤجج النار في أوج حـــرارة ليالي الصيف ليراه. 

لــــم يكن الرجل في القصة معتوهاً، لكن تعلقه بظله أبدى ذلك. وكان إذا حصل على طعام في ليلة سوداء، ينتظر شروق الشمس حتى يأتي صديقه ليأكلا معاً.  في هذه الأثناء أصبح القمر خلف غفقار ليمتد طول ظله ويصل إلى الأهالي أسفل التلة. 

عاد لإكمال القصة إلا أنه لم يستطع، بلع ريقه وأخذ لون وجهه يتغير، ضاق نفَسه، أغمض عينيه لوهلة وعاد خطوتين للوراء.  قال: كاد الصغير أن يقتلني!  حملت الأم ابنها من المكان الذي كان ظل عنق غفقار عليه، وعاد غفقار لمكانه وأكمل قصته. 

 الرسام 

عــــام 1681 بعد الميلاد كانت في إحدى البلدان البعيدة الباردة، الشمس تشرق بضع ساعــــات في الأسبوع، وكان الثلج يحتويها من كل الاتجـــــاهات، أما سكان البلدة فكانوا كرنفاليين، يحتفلون بكل المناسبات حتى في توديع موتاهم. 

(ثبران) أكمل الأربعين من عمره، ماتت والدته قبل ساعات معدودة وهي آخر أرحامه. يجلس في البيت ينتظر طارقاً يأتي ليحتفل معه بموت والدته، بعد مضي 8 ساعات على دفنها. 

يجلس وحيداً في البيت ويشعل الفانوس ويضع عشاءه الذي سبق أن أعـــده لسكان البلدة، وبينما هو يأكل يحاول تهوين فقدان أمه برثائها، كان ثبران يحدق في جدار بيته المتشقق، فلاحظ تسرب الماء من السقف على جدار البيت من الداخل، نتيجة الحـــرارة المنبعثة من الموقد.

كان من شدة حزنه لا يقدر على فعل أي شيء لسد السقف المتشقق.  بقي محدقاً في الجدار حتى تشكل الماء المتسرب على هيئة أحد سكان البلدة، فأخــــذ فحمة من الموقد وجعل يحدد ملامحه حتى لا تتغير ويخاطب الهيئة: شكراً، قدومك يعني لي الكثير. 

أمسك ثبران (العتلة) المعول، وأحدث ثقـــباً آخر في السقف، حتى يزيد عدد المعزين في أمه، ومع كل ثقب على الجدار، يظهر أحد سكان البلدة، حتى أصبحوا كلهم على جدار ثبران. بعدها صعد فوق الطاولة، وثقب وسط الجدار، ثم أبعد الطـــــاولة، وجاءت قطرات الماء على شكل ألعاب نارية، وأخذ ثبران يرسمها حتى الفجر.

ومع شروق الشمس انتهى ثبران وجلس متربعاً على الطاولة، رأى ضوء الشمس من النافذة، تثاءب، وأدرك أن الثلج سيذوب بحرارة الشمس وسيسقط عليه السقف. قام من مكانه، اتجه نحو الباب ليخرج من البيت، حيث استعصى عـــــــليه معرفة مكان الباب مــن الرسومات على الجدران، وبات يسأل كل هيئة عن مكان الباب حتى استسلم وعاد إلى الطاولة يحدق في عصفور خارج النافذة. 

 #الإمارات ـــ تقرأ

إحياء لفن القصة ومكانتها المميزة ضمن المشهد الثقافي، وتمكيناً لعشاقها من الإسهام في ازدهارها وتجديد فنياتها ومضامينها، نفتح الباب لنشر القصص القصيرة الجديدة، بالتزامن مع عام القراءة.

وقد جاء اختيارنا «شباب@ قصة» عنواناً لهذا الفضاء الذي ينتظم أسبوعياً، لنقرّب المسافة بين الأجيال.

* كاتب إماراتي