حبه لامتلاك المعلومة الدقيقة والسليمة، قاده إلى التفكير بمكتبة منزلية خاصة يتجاوز عمرها الآن 10 سنوات، أما عشقه للقراءة فهو التزام دائم بالمعرفة والحرص على الاطلاع، ولو كان هناك مساحة أكبر أو حتى فراغ بسيط ضمن الديكورات الداخلية في منزله لما توانى حسين البلوشي، مدير عام مؤسسة «البارجيل» الإخبارية، لحظة عن استغلاله لتكبير مكتبته التي تتسع لنحو 630 كتاباً فقط، ولكن هذا التحدي لم يثنه عن زيارة معارض الكتب المحلية والخارجية واقتناء أحدث الإصدارات في شتى المجالات المعرفية، بل حفزه على نشر عدوى القراءة بين أصدقائه والتبرع أولاً بأول بالكتب التي استزاد منها ونهل من رحيقها، ضمن الحملات والمبادرات الخيرية التي تهدف إلى نشر العلم ودعم التعليم، ذلك لأنه على قناعة بأن تغذية العقول لا تقل أهمية عن تغذية الأبدان.

زاد ومعين

إدارة حسين البلوشي لمؤسسة إخبارية في الفضاء الإلكتروني، تحتم عليه التأكد من مصادر المعلومات والبحث في أصول الأشياء، وذلك لا يكون إلا من خلال الاطلاع والبحث لتعزيز الثقافة العامة، وقال لـ«البيان» عن علاقته بالقراءة: من يقرأ فإنه ينفع نفسه وأسرته ومن لا يفعل فإنه يجني عليهم جميعاً بجهله وشح ثقافته، لاسيما وان القراءة زاد معرفي يعين الإنسان على فهم الواقع وإدراك التحديات وإدارة الأزمات، والتواصل مع الآخر ووضع الاستراتيجيات التنموية واستشراف المستقبل، بما يحقق خير الأمم ورفاهيتها.

عدوى نافعة

وتابع حسين البلوشي: حب الكتاب لا يكون بالتمني، بل بتدريب النفس على القراءة، لا سيما وان الإنسان لا يُولد قارئاً بل يتأثر بالبيئة التي تحيط به، وبالنسبة لي فقد حرصت على تخصيص مكتب ومكتبة خاصة في المنزل، وعودت نفسي على رؤية الكتاب وملمس الورق ورائحة الحبر، إلى أن أصبح ذلك جزءاً من حياتي اليومية في أوقات الفراغ أو حتى أثناء فواصل العمل القصيرة، والطريف أنني نشرت عدوى القراءة بين عدد من أصدقائي، لاسيما بعد أن نقلت مكان تجمعنا من المجلس إلى قاعة المكتبة حيث تحاصرنا الكتب من كل حد وصوب، ويبدو أن العناوين اللافتة على أرفف المكتبة نجحت في إثارة فضولهم للقراءة، وأصبح خيار قراءة أو تصفح كتاب ما، احتمالاً وارداً أثناء احتساء الشاي، على سبيل المثال لا الحصر، بدلاً من الانشغال بالهاتف المتحرك.

مؤلفات مفضلة

وبسؤاله عن الكتب التي تستهويه، قال البلوشي: لدي نحو 630 كتاباً، في مختلف المجالات الثقافية والاجتماعية والدينية والعلمية، إضافة إلى القصص والروايات وتاريخ الدول والحضارات، وأقربها إلى قلبي هي الكتب التراثية وتلك التي توثق سير مؤسسي الدولة والشخصيات المهمة والمؤثرة، ولعل السبب الرئيسي لتعلقي بنوعية تلك الكتب كونها تروي أحداثاً إنسانية واقعية وتجارب تستحق الدراسة والتقدير، إذ أستلهم منها عِبراً وأفكاراً وحلولاً مجدية وخبرة حياتية ثرية.

مواقف راسخة

تحدث حسين البلوشي عن مواقف راسخة في ذاكرته، وقال: زيارة معارض الكتب المحلية والخارجية متعتي الحقيقية، ولا أزال أذكر زيارتي لأحد معارض الكتب في مصر، حيث اشتريت كتبا قيّمة تجاوزت قيمتها 8 آلاف درهم، تعد هي عماد مكتبتي وعمودها الفقري، لدرجة أنني لا أستغني عنها ولا أستبدلها بكتب وإصدارات حديثة، بل أفضل الحفاظ عليها كمراجع دقيقة وموثوقة.

وليس هذا وحسب، بل إن البلوشي يحرص على زيارة مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، كونه يضم مكتبة غنية ومركز بحوث متميزا وكتبا نادرة يتميز العديد منها بروعة الخطوط العربية الأصيلة.

منافسة وتحدٍ

وحول تأثر أطفاله بميوله الثقافية، لفت البلوشي، إلى أنه يحاول جعل القراءة عملية ممتعة عند طفليه محمد (11 عاماً) وحمد (9 سنوات)، وذلك عبر سلسلة من التحديات والمسابقات التي تثير لديهم الفضول وتساعده على اكتشاف جوانب أخرى في شخصيتهما، كما يحرص على استمرارية انجذاب أطفاله نحو تحديات القراءة المنزلية، عبر رصد هدايا يختارها لهم بما يتوافق ومرحلتهم العمرية وحاجتهم الشخصية، من دون مبالغة في إظهار الدلال.

مزايا شخصية

ويشرح حسين البلوشي بواعث تركيزه على رسوخ القراءة لدى ولديه: طول ساعات الدراسة إلى جانب العملية التعليمية الروتينية والمملة، قضيتان ترهقان الطالب وتستنزفان طاقاته كما تنفرانه من الكتاب والقراءة، وهذا يفسر إقبال الأجيال الجديدة على قضاء جل وقتها في ألعاب الفيديو والتواصل عبر مواقع التواصل الرقمية في العالم الافتراضي. إن طفلي، كباقي الأطفال، ينجذبان لما يحرك فيهما روح المنافسة، وحرصت على عمل اشتراكات لهما في المكتبة العامة، بما يمكنهما من اختيار قصص مشوقة ثم قراءتها واستعراضها أمامي شفهياً، وهو ما ينمي ثقافتهما ومهارات الخطابة لديهما ويجعلهما أكثر فصاحة وطلاقة، ويمكنني من تصويب الأخطاء وصقل قدراتهما ومعرفة المزايا الشخصية لكل منهما.

أب مؤثر

وأضاف: من الواضح أن غرسي في طفلي يؤتي ثماره وبشكل جيد، فكم من مرة أخبرني أحدهما أنه قدم خلال الحصة معلومات إضافية أبهرت معلمه وزملاءه، ولعل ملامح الفرحة التي تبدو ظاهرة على وجهه وهو يروي ما حدث، تُعزز افتخاري بهما وبنفسي كأب فعال ومؤثر ومحفز في حياة صغاري.

وعي ورقي

وأكد مدير عام مؤسسة «البارجيل» الإخبارية أن علاقة الطفل مع القراءة تتطور بوجود أبوين على درجة عالية من الوعي والرقي الفكري والثقافي والنفسي، وقال: حب الطفل للكتاب يبدأ من المنزل، وكون الأب والأم من حملة الشهادات الجامعية فقط، فإن هذا ليس كافياً للجزم بأنهما من محبي القراءة، أو يشجعان أطفالهما على اقتناء الكتب والقصص، أو يقدران قيمة الكتاب، أو حتى يمتلكان رفاً واحداً للكتب في المنزل، وأعتقد أن بناء جيل قارئ مرهون بنوعية البرامج المعرفية والتحديات التي تستهدف العائلة ككل، وليس أفراداً معينين فيها.

عالم معرفي

بعيداً عن عالم البلوشي المعرفي الفريد والخاص، توقفنا عند قراءته الخاصة للجهود الوطنية المتعلقة بالمعرفة والقراءة، وقال: تنير دولتنا مستقبل الأجيال والشعوب والأمم بما تطلقه من مبادرات وسياسات وتحديات تُعنى بالقراءة والمعرفة، ولعل دعم كافة المؤسسات وتعاونها لإنجاح الأجندة الوطنية للقراءة يعكس حرص الجميع على النهوض للبناء والتعمير الإنساني ثم العمراني والاقتصادي وغيرها من نواحي الحياة، وشهد العالم هذا العام إنتاج وطباعة وإصدار كثير من الكتب القيمة، فضلاً عن إعلان تأسيس مكتبة محمد بن راشد، التي ستكون نواة متفردة للعلم وللمعرفة.

وتابع: لوسائل الإعلام دور كبير في إنجاح مبادرة «عام القراءة»، وكم كنت سعيداً بالأفكار النوعية التي تبناها الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، بمجرد إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2016 عاماً للقراءة في دولتنا الغالية، ولكنني أتمنى أن يظل الحرص على دعم القراءة مستمراً ومواكباً لكافة المستجدات الوطنية والعالمية ومرتبطاً بعناصر عدة مثل التجديد والابتكار والإبداع.

مواقع التواصل

وأكد البلوشي أن تردد بعض المثقفين في خوض تجربة التواصل الرقمي، يعود لسببين لا ثالث لهما، وهما إما عدم تفرغهم وكثرة انشغالاتهم أو ربما قلة خبرتهم في إدارة حساباتهم، وقال: مخطئ من يقلل من شأن مواقع التواصل أو حتى يستهين بتأثيرها، لاسيما وانها بوابة للتعبير عن الرأي والدفاع عن الوطن وتعزيز كلمة الحق، وإذا أهملت القامات الثقافية مسؤولياتها في العالم الافتراضي، فإنها ستفتح المجال أمام النماذج المدمرة للأخلاق لقيادة الأجيال والتأثير فيهم.

أسلوب حياة

ليظل الكتاب رفيقاً أبدياً للأجيال، اقترح البلوشي، أن يُستثمر العالم الافتراضي بما يرسخ القراءة أسلوب حياة، وقال: للأسف أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي منصات للتباهي واستعراض الحياة الاجتماعية والإيقاع اليومي، بأسلوب سطحي يخلو من الفائدة والقيمة، وبتصفح سريع لها، سنجد الصبغة التجارية الاستهلاكية طاغية على كثير من الحسابات، ما يثير كثيراً من التساؤلات حول دور الكُتاب والمثقفين الإماراتيين في دعم القراءة في العالم الافتراضي.