في ذاكرة القلب ثمة مصابيح كانت آخر الأزهار المضيئة في أعيننا بين داراتنا المزخرفة تلك التي هجرناها، تاركين الأصيل بحثاً عن دخيل، فحين نزور المكان الذي كنا فيه ونرى جمال المعمار الذي كنا نملكه ونعيشه، تسيل فينا مصابيح الذاكرة رويداً رويداً.. متسائلين: لمَ مالت نفوسنا إلى حضارات أخرى جميلة؟..
لكن ألا تبقى غريبة كي نبني لنا كهذا الغريب الآخر لا كأنفسنا.. رغم أن مبانينا كانت أجمل، بشهادة العالم، ومصابيحنا كانت كشبابيك تُسقط علينا النور عبر فتحاتها المفرغة كمزهرية، كنا نسيل حباً أمام شروق الشمس وزوالها، ليصبح ذلك المصباح مرتبطاً بفضائل المجتمع وخصوصيته وكذلك حريته.. مصابيح النبات المتجلية بنقوشها من جص واسمنت فوق أبواب ونوافذ وجدران داراتنا، هل تذكرونها؟
مصابيح النبات
يمر الزمن ونسكن مساكن أخرى فأخرى، ليغيب ذلك السكن الفني عن أبصارنا، حتى بذلت بلدية دبي جهودها لاستعادة داراتها ومصابيحها النباتية، لنكتشف الأعداد الهائلة لأشكال هذه النباتات المتنوعة، لتبرز حرفية الأيدي المبدعة في دبي قبل عشرات السنين وفي مبانٍ تقليدية بسيطة..لكنها كانت مليئة بالبراعة والمهارة وصياغة الجمال.
دعمت بلدية دبي التراث العمراني، لكن الأهم أنها دعمت الهوية الوطنية، هوية الدولة، وهويتنا كذاكرة وعيش.. تفاصيل معمارية تنادي بها الدول المتقدمة والمتحضرة دائماً، وبالأخص المعمار الذي هو واجهة المدن الثقافية وعنوانها وأسلوب عيشها، فأكثر ما يريد الإنسان من الماديات أن يتجلى في وطنه بين معماره وزخارفه. وما تلمسناه من مصابيح دبي النباتية الجصية هو تميزها حتى على المستوى الفني في المنطقة، فقد ارتقى أهلها بالإبداع رسماً ونحتاً وبناءً وزخرفةً، فخرجت مصابيح النبات لتخدم كل الظروف.
حقبة جمالية
الحس الجمالي يلد مع الإنسان ويكبر معه بشكل فطري، فما بالنا في إمارة دبي التجارية المستقبلة لثقافات الآخرين ومن بعيد في مينائها وخورها..ليتفاعل السكان المحليون وما يملكون من انفتاح مع الآخر وبضائعه وألوانه ونقوشه.
وهو ما انعكس على معمارها ليسم أهل دبي الإبداع والخيال حفراً على جدرانهم وأعمدتهم وأقواسهم وركنياتهم وأبوابهم ونوافذهم و«وارش»: شرفة السطح.. حتى فتحات (أبراج الهواء): البراجيل، لتخرج طلعة القوالب مسبوكة بأشكال فحمية ومحفورة ومفرغة وشريطية وإطارية وأنفية وتجويفية بهندسة دائرية، إلى مثمنة بهيكلها، داخل جص أو اسمنت أو خشب أو معدن، وحتى الزجاج المعشق في الفترات الأخيرة لتلك الحقبة.
هوية النقوش
في المنزل الواحد كانت الوحدة الزخرفية وتسلسلها ضرورة ومطلباً إلزامياً مع البنائين والحرفيين، فكان الانسجام بين الطرفين أمراً واجباً ومحبباً، ودرج الناس على الاتفاق من أجل التناسق والتجانس، ليخرج البيت متناغماً في نقوشه، يوائم روحه.. ونلاحظ هوية النقوش ذاتها بين منطقة وأخرى في دبي.
حيث منطقة الراس كما هو بيت أحمد بن دلموك وبيت محمد علي بدري، وبين منطقة الفهيدي كما هو بيت محمد شريف بوخش وبيت أحمد عرشي وبيت عبدالكريم عباس، وكذلك في منطقة بر دبي كما هو بيت كلداري وبيوت أخرى كثيرة معروفة، وإن اتخذت أشكالاً متعددة لكنها تماثل البقية، لتبقى تلك المصابيح النباتية بفتحاتها تسمح بدخول الهواء والنور وتحافظ على خصوصية الأسرة وذاتية حريتها وسترها خلف مصابيح النبات.
أن تَرى ولا تُرى
ومن خلال متابعتنا لتلك المصابيح النباتية فإن تصميم أغلبها يتداخل فيها أوراق النبات بأزهارها وأغصانها، فظهرت الكثير من المزهريات والنباتات، أخذت تتوسع بفتحاتها الفنية في الدارات، وأخذت طريقها نحو جدران الغرف وأعلى النوافذ والأبواب، و(الوارش) سور السطح، والدرابزين، أصبحت الرؤية السهلة إلى الخارج، بهدف الرؤية، من دون أن يراه من في الخارج في الطرقات، هذه الخصوصية استمرت مع الإنسان كحق مشروط في بيته كما هو الآن من خلال العين السحرية أو إخفاء النوافذ بمُظللات ملونة.
تشعب
مع الوقت، أخذت مصابيح النبات تتشعب في البيت وتأخذ مكانها فيه كأساس لا بد منه، فصممت لتظهر على الركنيات في مداخل البيوت، سميت بالركنيات النباتية وتميزت بخطوطها المنحنية.. إلى أن وصلت مصابيح النبات وزخارفها إلى الوارش فوق السطح وبشكل أفقي وأكبر على شكل سور أو ستارة للسطوح، فتم استخدام السطح لأغراض أخرى، كما نقشت مصابيح النبات في أعلى الجدران بالغرف، وحفرت كنوافذ مجوفة في جداريات الغرف كانت تسمى «روشنة» لاستقبال الريح والنور.
هوية «دار الحي»
من المعروف أن الأشكال الهلالية والنجوم مشتركة في المدن العربية الكبرى كرمز عثماني إسلامي، ولها طابع تكراري، وهي منتشرة في أركان البيوت وخاصة بين أقواس الأعمدة في الليوان، فهي شائعة في مدن العالم وذائعة، لكن تبقى المصابيح النباتية هوية دبي الخاصة التي تلامسها وتميزها.
تطور الزخارف
تفاعل أهل دبي والإمارات مع الجديد في دبي، الحاضرة التاريخية والمدينة العصرية المنفتحة، والتي امتازت بالتجارة منذ أكثر من قرن، وبحسه الفطري للجمال استخدم الغنسان فيها الزخارف المعمارية التي أظهرت الجدل بين عقله وإطاره النفسي والمعنوي، ليتعايش ويتجاوب مع مناخه والتأثيرات الاجتماعية.
فأغنى تشكيل معماره ليعكس ثراءه المادي في تجارته والوجداني في روحه.. ليتنافس التجار والأعيان آنذاك في دبي في بناء بيوتهم، مظهرين إبداعاً خاصاً في ما يتعلق بزخرفة الجص والأخشاب، لتخرج مع الوقت خصائص التصميم والتوجهات نحو الداخل (الفناء) لتجد الزخرفة مكانها في كل زاوية، وخاصة في ابتداع المصابيح النباتية.
حروف عربية
في شجرة الزخارف التي طبعتها البلدية، كانت المصابيح الكتابية، بعضها مفرغ، وبعضها مكتوب ومغلق، لتذهب بعض الدارات إلى استعمال الخط العربي لكتابة دعاء أو أبيات شعر أو آيات قرآنية.. استخدمتها غالباً المدرسة الأحمدية بمنطقة الراس في ديرة.
«زخارف وأطيار»
تغيرت توجهات البعض الذوقية، فأدخلوا على بعض المصابيح أشكال الطير والطاووس، بعضها مفرغة ومجسدة.. وبعضها مرسوم وملون بتفرعاته وأغصانه، لكنها كانت قليلة التزاماً بتعاليم الدين الإسلامي بمنع التجسيد ذي الروح.. وبقيت متقنة الصنع في إطار مثالي وهيكل مدروس، ومن الفنون الجصية المميزة.
إبداعات هندسية
انتشرت الأشكال الهندسية في المصابيح، نظراً لكثرة القوالب الهندسية وسهولة صنعها، تلك التي تتداخل فيها الدائرة والمربع والمثلث.. سواء كانت: أسمنتية، جصية، خشبية، معدنية.. كانت تتوافر بكثرة، لعدم الحاجة إلى رسمها يدوياً وفنياً قبل تنفيذها.. لتبقى النتيجة واحدة، دخول الهواء والضوء عبر الفتحات وبشكل فني.
1896
في هذا العام، بني بيت الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، في الشندغة التاريخية. وهذا البيت الواقع على شريط ضيق من اليابسة يفصل الخليج العربي عن خور دبي، عُرف بزخارفه الجصية والتجويفات الهندسية.
1916
شيد بيت الشيخين عبيد وجمعة بن ثاني آل مكتوم، في الشندغة، والذي يعتبر من الأمثلة الفريدة في الهندسة المعمارية وزخارف وأعمدة خشبية محفورة، وتجاويف خارجية عديدة، ونوافذ مفتوحة مكشوفة على زرقة الخور.
1931
شهد هذا العام، إنشاء بيت الشيخ حشر بن مكتوم آل مكتوم في الشندغة، وهو البيت الوحيد الذي يحوي برج المراقبة على شكل مربع، وزخارف متميزة، ويتمتع بموقع استراتيجي على الخليج العربي، وقد تضمن شرفة كبيرة جداً للتمتع بهذه الإطلالة.