أعذب الشعر ما رق منه وراقَ، وقد كان باب النسيب مدخلاً خصباً ومحبباً دائماً لقصائد العرب، لما يحفل به من عذوبة ورقة وانسيابية وبوح صادق، وفي قصيدة رقيقة الألفاظ سهلة المعجم، عذبة الحواشي، كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أول من أمس، قصيدة «اكسروا القالب» التي جاءت في عشرين بيتاً شعرياً، تسربلت من النسيب سربالاً بهياً، وازدانت من عذوبته، فكانت ثلاثية الشعر والطيب والجمال.
حمولات رشيقة
يرمي السهم في مضربه، من الكلمة الأولى والقافية الأولى في المطلع البكر في هذه القصيدة النبطية، فيسميها «المهاة»، وهي من كلمة «مها»، القريبة والشاردة في المعنى، ذات الحمولات الرشيقة، بكل ما تحمل من دلالات الوصف الدالة على الجمال:
المهــاهُ اللّــــي عليهـــا القلـــبِ ذابْ
وصفها مـا يوصِــفهْ الوَصـفْ المثيـرْ
فكثيراً ما تغنى الشعراء وأعطوا للمحبوب من صفات «المها» المعروف في صحارى الجزيرة العربية، ذي الجسد المتناسق والعينين الجميلتين الكبيرتين، ومن ذلك ما كتب الشاعر العباسي علي بن الجهم (188 - 249 هـ):
عُيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيثُ أدري ولا أدري
أعدن لي الشوق القديم ولم أكن
سلوتُ ولكن زدن جمراً على جمرِ
وما جاء في قول فتى بني عذرة جميل بثينة (متوفى 82 للهجرة):
بثينة تزري بالغزالة في الضحى
إذا برزت لم تبقَ يوماً بِها بَها
له مُقلة كحلاء نجلاء خِلقة
كأن أباها الظبيُ وأمها مها
تواصيف ودلالات
فالمها كناية جميلة اختصرت الكثير من الأوصاف، مع أن «المهاة» في «اكسروا القالب» لا تكفيها أدق التواصيف، كما أشار سموه، قدم فيها أبياتاً من النسيب في غاية الرقة والعذوبة، ويخلط الكثير من الناس بين الغزل والنسيب والتشبيب، ويجوز لنا التوضيحُ هنا، فوفقاً للدراسات الأدبية المتخصصة لكل منهما جانب في الشعر، فالغزل هو حديث أو شعر يجوز للشاعر وللشاعرة، وهو ضربُ من ضروب الخفة العاطفية، واستعداد نفسي فطري لكلا الجنسين، وليس للبيئة دخلٌ فيه، بينما ينحصر النسيب في وصف الرجل للمرأة، كما عرفه الأصمعي، لذلك فهو رَقيقُ الشعر في النساء، ولا يكون إلا في النساء، إذ يصح أن تقول المرأة غزلاً، لكن لا يصح أن تقول نسيباً أو تشبيباً، الذي هو ترقيق أوله بذكر النساء، كما ورد في «لسان العرب»، وهو يجمع بين الغزل والنسيب، وهو من تشبيب النار، في جذوتها الأولى، فإذا غابت المحبوبة عن مسرح القصيدة ولم تشارك بردود أفعال حاضرة إيجابية أمام شاعرها، كما نرى في هذه القصيدة، فهذا هو النسيب، لكنها تحضر بشكل آخر من خلال وصف محاسنها، ويقال نسب نسيباً، ومن ذلك قول الشاعر:
هل في التعلل من أسماء من حوبِ
أم في القريض وإهداء المناسيبِ
حيوية الأفكار
ينسبُ محمد بن راشد نسيباً شعرياً قوي السبك في لغته اللهجية الكثيفة الخصوصية، ويختار من الدلالات والأفكار أعمقها وأكثرها متانة وحيوية، يحرك بها خيال المتلقي، من خلال كلمة «هيه» الدالة على المباشرة في الخطاب، والتأكيد المعنوي يقدم أفكاراً أبعد من الوصف المباشر ترتبط بحيوية الروح، وتتجاوز القوالب النمطية الجامدة، التي ترهن الإنسان بالعمر، أو بالمكان أو الجغرافيا، وفق متقابلات بين (عمر الشباب/ يفارقك ويسير) و(برد الشراب/ صحرا لهايبها سعير):
هيــهْ عنــــدي مثلمــا عمـرْ الشِّـــبابْ
مــــا تحــبْ أنِّـهْ يفارقْــكْ ويســيرْ
وهيـــهْ عنـــدي مثلمــا بـردْ الشِّـــرابْ
وأنـا فــي صحــرا لهايبهــا سعيــــــــــرْ
ينزل إلى المعنى الغض والتواصيف الجلية المرهفة في زينة خضابها كمهرة تطير مع الريح في سمتها الباذخ:
وهيـــهْ عنـدي مهـرةٍ حطَّـتْ خضابْ
مــا عسَــــفها حَـدْ مِ البَطـرَهْ تطيـــرْ
كما الشاعر الأموي يزيد بن معاوية (25 ـ 64 هـ) وهو يصف أنامل ذات الوشاح وبنانها المخضب:
ولما تلاقينا وجدت بنانها
مخضبة تحكي عصارة عندمِ
فقلتُ خضبتِ الكف بعدي هكذا
يكون جزاءُ المُستهامِ المُتيمِ
الملاحة العذبة
وإذا كان بعض الشعراء يعبرون عن لوعتهم وحبهم في خلجات النفس وتأثرها، فمحمد بن راشد في قصيدة «اكسروا القالب» حافظ على الوصف في إطار موضوعي، فوصف كل أبعاده في نطاق الحشمة والتوصيف العذري، بعيداً عن المُتع الحسية، يصف تمنع الحبيبة الجافل، وملاحتها العذبة، وهي تخشى الرقيب وتضع اعتباراً لسياق الانجذاب، فتحرنُ بلجامها، ومثل ذلك الجمال الأسطوري لا يصلح إلا للرواية والمكوث الخالد في سرد التاريخ ومروياته في قصص الأميرات الفاتنات:
مـــنْ ملاحَتهــا تخــافْ الإنجـذابْ
مـــن إخوهــا ومـنْ أبوها اللِّــي كبيــرْ
زينَهــا مـا يســتوي إلاِّ فْ كتابْ
أوْ روايَــةْ ألـفْ ليلِــهْ والأميــــــرْ
تَلعاتْ الرِّقاب
ويبلغ منتهى الوصف في التشبيه حين يصل إلى هذه الأبيات، فهي الفاتنة التي إذا سارت أغاظت «تَلعاتْ الرِّقاب»، وهن الحسان الممشوقات الرفيعات الجيد المرفوعات الرأس من العزة والحسن، وله اشتقاق عربي فصيح، فـ«أتلَعَت» تقال في المرأة الحسناء إذا رفعت رأسها، وتأتي على وجه وصف طول العنق أو القامة:
مـنْ غواهــا تمـوتْ تَلعاتْ الرِّقــابْ
رقــمْ واحـدْ هيــهْ والثــاني كثيــرْ
يـومْ تظهَـرْ يوقـفْ الكونْ ويصـابْ
بالــذهولْ ويصـبحْ الموقــفْ خطيـــرْ
وجــهْ بـدرْ ونـورْ شَمــسٍ فـي سحابْ
زينهـا يسـري معْ أنفــاسْ الأثيـرْ
إبداع
في عنوان القصيدة «اكسروا القالب» تجاوز لمنظور التقليد في الأمور، وفي متنها دعوة إلى الإبداع، حيث الأشياء المختلفة والمميزة، والابتعاد عن الصور النمطية والقوالب الجاهزة، فالشطر الشعري «اكســـروا القـــالَبْ مثلهــا مــا يصــيرْ»، إحالة للفرادة والاختلاف، يستدرج من خلاله الشاعر القراء إلى عوالم الإبداع، أما في ختام القصيدة فيستدرج الشاعر الشاعر، حيث يقدم دعوة مباشرة في بيتها الأخير، تاركاً الباب الشعري مفتوحاً مشرعاً على القراءة الشعرية والتأويل والنقد:
شوفْ يا حمدانْ فـي هـذا المصابْ
لـي محيِّرنـي ولا كنِّي الخــــبيرْ
Ⅶ انسيابية وبوح صادق في قصيدة رقيقة الألفاظ سهلة المعجم عذبة الحواشي
Ⅶ رمى السهم الشعري في مضربه من الكلمة الأولى في المطلع النبطي البكر
Ⅶ ألفاظ قوية السبك بلغة جاءت كثيفة الخصوصية عميقة الدلالات
Ⅶ اختار من الأفكار أعمقها وأكثرها متانة وحيوية فحرك بها خيال المتلقي