من المعروف أن الحركة الاستشراقية تجلت مع الفتوحات الأوروبية الأولى، والتي بدأت من الجزيرة الايبيرية «إسبانيا والبرتغال» حين فتح المستشرقون أمام أوروبا فكرة اكتشاف العالم، فخاضوا حروباً نحو الشرق للسيطرة والتبشير.
لكنهم مقابل كل ذلك، حملوا معهم أعداداً من الباحثين والكتبة والرسامين لنقل يوميات الجنود والأساطيل وكذلك عادات الشعوب التي احتلوها، ومن بين إيجابيات الاستعمار.. حينها لاحَ وبانَ اهتمام الغربيين بتراث الشرق وحضارته ولغته، فبرزت المؤلفات والإبداعات معتدلة وواقعية، لكنها تخطت في بعضها حدود العقل، خاصة في فنون الرسم.
دراسات بحثية
اهتم المستشرقون الأوروبيون منذ قرون طويلة بالدراسات البحثية عن الحضارات الشرقية وسلوك هذا الشرقي ومعتقده، ليتحول هذا الاهتمام مع الوقت إلى الميدان، فأصبح المستشرق مسافراً ومغامراً إلى مدن الشرق وبلاد العرب والإسلام، في لباس الطبيب أو المهندس أو المؤرخ ليحمي نفسه، وليبحث ويغربل سحر هذا الشرق وغموضه.
لكن ما يلفت النظر ويثير الاستغراب أثناء البحث في أعمالهم الفنية هو تشابه دور المرأة في كونها سيدة مرفهة، أو كونها جارية لا تتجاوز فاعليتها حدود الخدمة أو الوظيفة الجسدية، لتصبح المرأة العاملة مُغيبة في معظم لوحاتهم، ومهمشة في دورها المجتمعي المُنتِج، كأم ومربية وصاحبة مهنة، وذلك في حين أن الأدوار الإنسانية لا يمكن لها أن تكون متشابهة.
فالمرأة العربية أو المسلمة معروف أنها كادحة في مجتمعها ومسهمة في تحمل المسؤولية مع الرجل، ومع ذلك لم تعكس لوحات المستشرقين هذه المرأة المنتمية إلى الطبقة الوسطى، من عاملة وحرفية ومنتجة، سوى في مواضع ومناسبات قليلة، رغم جديتها في الحياة ووضوح جهودها في كل نهار، كونها المنتج الأهم والمتسمة برصانتها وجديتها.
تشكيك
حينما نلقي الضوء على أغلب لوحات المستشرقين، نجد المرأة مجسدة في أعمالهم بين الواقع والخيال، وكأنها قد دُست عبثاً عبر أنفاس الألوان لتنثال بين أعين العالم وفق رؤى كلاسيكية.
هؤلاء المستشرقون ناقلوا صورة الشرق وتراثه، لكن حسب ما نشاهد في لوحاتهم فإن أغلب ما جرى تجسيده هو لنساء عربيات رُسمن في إطار ضيق بين الشكل والجسد، مسيجات الفكر، أو سيدة بيت متكاسلة في بيتها مسترخية..
ومن هذا المنطلق يجوز لنا أن نشكك بمصداقية هذه اللوحات المنقولة عن المرأة التي تبدو متخيلة في أغلبها.. ليبقى السؤال المطروح بعد شك: كيف دخلوا بيوت النساء لتصويرهن في تلك الحالات المنعمة أو الكسولة وهن في كامل زينتهن؟..
فهل هي لوحات قائمة على الرؤى المسبقة من تراكمات ثقافية بعيدة عن المرأة العربية تعود للعصور الوسطى؟.. أم لعب الوصف دوراً في نقل المستشرق لوحات النساء كحكاية تمثيلية متخيلة؟
استشراق الواقع
بعد البحث، يتضح أن القلة من هؤلاء الفنانين المستشرقين كانوا على درجة عالية من الصدق والإنسانية، حملوا أدواتهم وألوانهم ورؤيتهم إلى الشارع وأرصفة السوق والأزقة، ليصبح هذا المنجز غير مشكوك فيه، ولتخرج المرأة في الشرق بصورة مغايرة للعالم، فهي تعمل وتجتهد، لتظهر للعيان أنثى جادة وحرة ممزوجة بالرصانة، تساهم في الإنتاج واستحصال الرزق، بيعاً وشراء وصناعة..
وكل ذلك وهبها قدراً ونُبلاً وشهامة لينال المجتمع اتزانه واعتداله واستقامته، للترسخ حقيقة تميز قيمة الشرق، ذلك بعد أن اعتاد الغرب بشأنه، تقبل فكرة نمطية منحدرة في اتجاهها، تاريخياً ودينياً وثقافياً، إلا أنه، ومع كل ذلك، فهي لوحات قليلة جداً.
أسماء مضيئة
منذ القرن الثامن عشر أتى المستشرقون للعالم الإسلامي والعربي كما فعل الرسام الإنجليزي المستشرق لودوينغ دوتشي. والنمساوي رودولف أرنست والفرنسي أرماند بوينت الذين أبرزوا فنونهم المؤكدة في هذا المجال..
وهو ما يخدم الباحث الحالي القارئ والمفتش في لوحاتهم المعبرة والتي أصبحت علامة ثقة، ودليلاً في نقل السيرة الحافلة لحقيقة المرأة في الشرق.. إذ بينوا فلسفة الاستشراق القائمة على ما يجري مع فيض من الحس الإنساني.
تحريم التصوير
موضوع العبيد كان منتشراً في كل العالم، وأمراً نافذاً ومقبولاً، وجريمة كبرى كانت مقبولة طوال التاريخ أمام أعين الحكام في بقاع كثيرة.. لكن إفراط الرسامين المستشرقين في رسمهم، أخذهم نحو الشطط والتضخيم وكأن المجتمع العربي والشرقي عامة، بلا اعتدال، بينما هو مجتمع طبيعي، الحياة فيه مثلها مثل المجتمعات الأخرى السالفة، إذ تتوزع حياة أبنائه بين الغنى والفقر، الجهل والعلم، بين الظلم والعدل.
ويبقى الاستشراق البصري وما تم نقله عن المرأة العربية محاولة جزئية، لكنها تبقى إرادة كبرى قام بها هؤلاء الشجعان أمام الصعوبات التي واجهوها، لنقل صورة نساء الشرق المعتدلة قدر إمكانياتهم آنذاك وفي ظروف محدودة ومحفوفة بالمخاطر، خاصة في المجتمعات السابقة التي كانت تحكمها التحريمات في تصوير الوجوه والأجساد، أو الاقتراب من خصوصياتهن قبل كل شيء.
ونستعرض هنا أهم أعمال المستشرقين الثلاثة، وقد اخترنا لوحاتهم التي حاكى بعضها واقع الحال آنذاك، للمرأة المنتجة.
سيدة الأزقة تبيع الخضار بمهارة
لوحة «مشهد من الشارع» المنجزة في عام 1880م للفنان الفرنسي المستشرق أماند بوينت، والذي رسم المرأة البائعة للخضار كما هي وبطبيعتها التي بدت عليها دون رتوش.. لكنها توحي بأنها سيدة هذه الأزقة في جلستها البارزة لتبيع ما لديها من خضار بمهارة وإحكام وبمسؤولية اجتماعية ذاتية راسخة أمام الناس والمجتمع لضرورة وجود هذه المهنة الفاعلة رغم حالها المتواضع.
وتظهر كسيدة حقيقية وسند كريم لأسرتها، إذ تزاول عملها في البيع بالقرب من المنازل..وتظهر جملة تفاصيل أخرى في المكان.
«فلاحة مع الجاموسة»..نزف الشباب
لوحة لواقع المرأة المساهمة لدوتيش، والمنجزة عام 1913م، يصف فيها تلك الفتاة الريفية وجسدها القوي والمرن الذي يؤهلها لتشتغل في أعمال شاقة، بالإضافة لإنجاب الأطفال. إذ تتزوج في الرابعة عشرة من عمرها وهي في أوج جمالها وقوتها، لكنها تُستنزف بكم العمل والإنجاب المتكرر، لتشيخ وهي لم تكمل عامها السابع والعشرين.
وهذا يقودنا إلى أن المرأة العربية في معظم نواحي الحياة على دراية بنفسها كمسؤولة تساهم مع أسرتها وعالمها بقدراتها، ومع ذلك لم يتوسع البعض إلا في الحديث عن كسلها أو عن سلوكيات الجواري.
«بائعات البرتقال».. خبرة تجارية
تتجلى المرأة بوضوح، إن انتقلنا إلى مصر مع لوحات النمساوي لودوينغ دوتش (1855 – 1935)، المغرم بفكرة الاستشراق والمعروف بلوحاته الدقيقة والمذهلة في نقل دقائق الأمور، بمكانتها المهمة خارج منزلها وبعيداً عن الاحتجاب خلف الجدران، حيث المرأة المعطلة كأميرة أو غير ذلك.. لكن دوتش لم يحجب إنتاجها وعطاءها وعملها.
فخرجت لوحته «بائعات البرتقال» 1886م، لامرأتين تبيعان البرتقال، إحداهن تعارض السعر بثقة تنم عن خبرة تجارية وهي تمد يديها وتحمل البرتقالة، وبالأخرى تحمل حجتها للمفاوضة.
صانعات العطر وأسرار الزهور
أخرج رودلف أرنست للعالم لوحات ملهمة تدعى إحداها «جمع الورود». ويستحضر الرسام فيها حقيقة العيش المشترك بين شابات يعملن في وئام، تدخل إحداهن في تناسق حاملة سلة من الورود، تبدو وكأنها قد اجتثتها وجمعتها من الحقل ورفيقتها تضع في انسجام متسق بتلات الورد الزاهية في جرة بجانبها، استعداداً لسحقها وهرسها بهدف استخراج جوهرها العطري.
وتبدو اللوحة في زخرفتها الزاهية أنها في إحدى مناطق بلاد الشام أو ربما في طنجة المغربية.
الحقيقة في «عرب ينسجون»
بدت المرأة جليلة وبارة، أمام خبرتها ومهارتها في العمل، كما حال هذه اللوحة المنجزة للفرنسي أرماند بوينت عام 1886م، التي أظهر فيها الأسرة كلها متجلية في انشغالها أثناء إنتاجها للنسيج في أجواء تدل على حصيلة من فناء الدار، وأبرز بوينت جوانب النسيج الفنية والخلاقة عبر التفاصيل المعلقة في أعلى الجدار.
وكذا المرأة الشابة والصبي الصغير والأم.. جميعهن في حالة انسجام مع النسيج الأملس وهو يسري بين أصابعهم.
1854
وُلد المستشرق النمساوي الأصل والفرنسي الجنسية، رودولف أرنست، الذي درس الفن في روما وانتقل إلى الشرق، مكرساً عمله لتوثيق الحياة هناك وتصوير المرأة وفقاً لمشاهداته لا استناداً إلى ما يقوله الرواة.
1855
أغرم لودفيغ دوتيش، الرسام النمساوي، المولود لعائلة عريقة، بالاستشراق بعد أن درس الفن أكاديمياً، ناقلاً فنون المعمار من على الجدران إلى لوحاته بدقة، وكذلك المرأة الكادحة وحقيقتها كما هي على الطرقات.
1861
شهد هذا العام ولادة أرماند بوينت، الرسام الفرنسي، الذي اهتم بنقل الأثاث والمجوهرات والزخارف ببراعة إلى فنه، وتحسب له الواقعية في لوحاته، كما دعا إلى المصداقية في رسم المرأة الشرقية دون خداع.