لم يعد مجدياً أن نتحسر على حال روايتنا العربية من بعيد - كما اعتدنا، أو ننظر إليها نظرات استعطاف وشفقة، فلا هي محل اهتمام الغرب، ولا محل تقدير المجتمع العربي الذي تولد فيه، وهي في سوق الكتب سلعة تجارية فقدت قيمتها الحقيقية.

الحديث عن الرواية العربية مع الروائية اللبنانية نجوى بركات يبدأ ولا ينتهي، ففي وقت يطالب فيه أغلب المثقفين بإيقاظ الرقيب الداخلي، طالبت هي بطرده، واصفةً إياه بالشبح، وبينما يغبطها الكثيرون على إنجاز حققته من خلال إدراج روايتها «لغة السر» على قائمة جائزة «فيمينا» الفرنسية للأدب المترجم، إلا أن ذلك -على حد قولها- لم يحدث فارقاً كبيراً بالنسبة للرواية العربية، رغم كون ما حدث، حالة استثنائية.

«البيان» التقت نجوى بركات، التي طالبت الكُتاب بقتل الرقيب الذاتي، وقالت: ألتقي كُتاباً كثر من خلال مؤسستي «محترف» لكتابة الرواية، ولاحظت أن الرقيب الذاتي أشد شراسة وخطراً من الرقيب الخارجي، فعادة ما يردد الكُتاب خوفهم من الخطوط الحمراء، وهنا أطالبهم بقتل الرقيب الموجود في دواخلهم، خاصة وأن الكتابة فعل حرية بالدرجة الأولى، فكيف سيبدع الكاتب وهناك شبح يتربع في ذهنه؟

حالة خاصة

وأكدت نجوى - بحسرة- أن الرواية العربية موجودة على طاولة المتلقي الغربي بحدود قليلة جداً، وقالت: أنا ابنة هذه التجربة، فقد عشت سنوات طوال في باريس، وتمت ترجمة رواياتي، كما أدرجت روايتي «لغة السر» على قائمة أهم الجوائز الأدبية، وكانت هذه حالة خاصة، إذ لا يصل الأدب العربي المترجم إلى لائحة جوائز كبرى وهامة إلا بالندرة، ولكن رغم ذلك، لا أعتقد أن ذلك أحدث فارقاً كبيراً.

وأشارت بركات إلى أن الفجوة كبيرة وعميقة بين الثقافتين العربية والغربية، وقالت: تزداد هذه الفجوة عمقاً بسبب عدم تحمس الغرب للتعرف إلينا أو التقرب منا، وبالمقابل، فنحن لا نبذل أي مجهود للتقرب من الآخر، ولا لإقامة جسور تواصل معه، لا سيما أن الصورة المرسومة في ذهنه حولنا سوداء وسلبية، وللأسف.

فقد تحوَّل الكتاب في هذا الظرف الصعب جداً إلى سلعة تجارية، ولم تعد له القيمة الأدبية والمعنوية التي كان يمتلكها سابقاً.

ترجمة مفقودة

وعن عدم قدرة الرواية العربية على الوصول للقارئ الغربي قالت: نحن المسؤولون عن ذلك، فليس هناك مشروع ترجمة حقيقي لنقل الكُتَّاب العرب والمنتَج العربي إلى لغات أجنبية، كما أننا يجب أن نطرح أسئلة حول أدبنا، ونبحث عن إجاباتها، ومن أبرز هذه الأسئلة، لماذا لا نترجم أنفسنا وإبداعاتنا؟

وأكدت بركات أن المستشرقين قاموا بهذا الدور بدلاً من العرب، وقالت: يفوق حماس المستشرقين حماسنا في هذا الجانب، وفي المقابل، ليس هناك مؤسسة فتحت باب الترجمة في الاتجاهين، وفي رايي، أنه حين ينشط المترجم في ترجمة أدب ما، فمن الممكن أن يفرض على هذا البلد أن ينشط بالمقابل لترجمة أدبه، ولكن للأسف، فمؤسساتنا الثقافية مرتبكة.

عشوائية

وتحدثت بركات عن الجوائز الأدبية، فقالت: كل الجوائز لا بد وأن يحكمها جزء من العشوائية تعود إلى ذوق عضو لجنة التحكيم، ولكن في البلدان العربية يتكرر الأمر دائماً، فالجوائز تشبه نفسها من عام لآخر، وكأن لجنة التحكيم لا تتغير، ليتم اختيار نفس الأشخاص بنفس النظرة الأكاديمية.

وأردفت: هذه العشوائية مسموح بها، ولكن ليس لدرجة أن تصبح نظاماً ثابتاً في الاختيار وطريقة التفكير، فالجوائز الأدبية إيجابية، ولا ننكر دورها في رفع نسبة المبيعات، ولكن يجب أن تكون أكثر انفتاحاً وعمقاً وتلوناً في وجهات النظر، ومثال ذلك، جائزة البوكر العالمية، التي تضم قارئ أو قارئة كعضو في لجنة التحكيم.

كُتَّاب الجوائز

 لفتت نجوى بركات إلى وجود كتب عربية توازي بأهميتها ما يكتب في الخارج، ولكنها ليست بالضرورة أن تكون الكتب الأكثر انتشاراً في العالم العربي، وقالت: هناك كُتاب يوازون ببراعتهم الكتاب العالميين، وكتبهم ناجحة، إلا أن مأساة الكاتب العربي أنه يكتب، لكنه لا يستطيع أن يعيش من وراء كتاباته إلا في حالات نادرة، وهذه الحالات مكرسة لكُتاب أطلق عليهم «كُتاب الجوائز».