رافقتُ جسدي أثناء رحلة العودة إلى الوطن، وهو ملفوف بالعلم، ربما لم أدرك إلا يومها فخر الاستقبال بسلام الشرف، رأيت التفاف عائلتي حولي، رأيت زملائي وأصدقائي، وبينهم صديق دراستي، أردتُ أن أتحدث لزوجتي لكي أطمئنها بأنني أشعر براحة لم أعهدها في أسعد لحظات حياتي الدنيوية..
خلّفت الحرب كدمات أبدية في رؤوسنا وسائر أنحاء الجسد، كنت مولعاً بلباس العسكرية في طفولتي، وكنت أنتظر انتظامي في القوات المسلحة، بعد أن أنهي دراستي الثانوية، بعد التحاقي بالعسكرية بثلاثة أعوام شعرت بأنه الوقت المناسب للارتباط بابنة جيراننا، قبل أن يفكر جار آخر أو قريب دم أن يتقدم لها، رزقنا بفتاة سميناها تيمناً بأمي، لم تبلغ السنتين حتى جاءت أختها الثانية، فكان اسمها على أم أمها، بعدها بثلاث سنوات لحقت بها فتاتنا الثالثة، اخترنا اسماً يُصنفه من حولنا بالجديد.
وقبل عام ونصف رزقنا برابع مولود وكان ذكراً. حياتي عادية بلا مفاجآت أقضيها بين العمل والأسرة والأصدقاء، بين الأفراح والأتراح والهوايات والهوس بعالم التواصل الاجتماعي، الذي اجتاحنا من حيث لا نعلم، وحدها المهمة الحالية بدت مختلفة بالنسبة لي، وأنا أجهل سر هذا الإحساس العاطفي الذي انتابني، وأنا أودع أفراد أسرتي الكبيرة والصغيرة، واعداً إياهم بأن أعود بعد أسابيع قليلة.
في فجر جمعة صلينا جماعة، وعاد كل واحد فينا لسريره مستلقياً أو جالساً، بعضنا صامت لا يتحدث منه إلا أصابعه، التي ينقر بها شاشة هاتفه، وبعضنا يقرأ الأذكار وآخر القرآن، وبعضنا يطالع سقفاً أو يحادث زميلاً، كنت ممن يطالع السقف، أتخيل وجه زوجتي وأطفالي، وصديق دراسة لم أره منذ سنوات.
وقد قررت أن أسأل عنه حال عودتي إلى البلاد، أظنني أغمضت عيني لوهلة، وفي وهلة أخرى فتحتها، نظرت للأسفل ورأيت جسدي وكأنني لا أنتمي إليه، كنت بعيداً وقريباً منه في ذات الحين، كان أصدقائي مثلي ينظرون إلى أجسادهم، كنا نتبادل الابتسامات، إلا أننا نمتلك القدرة على افتعال السعادة في الأوقات السيئة؟ لم يكن ذاك افتعالاً، أدركت كما أدرك من حولي أننا تحررنا من أجسادنا.
رافقتُ جسدي أثناء رحلة العودة إلى الوطن، وهو ملفوف بالعلم، ربما لم أدرك إلا يومها فخر الاستقبال بسلام الشرف، رأيت التفاف عائلتي حولي، رأيت زملائي وأصدقائي، وبينهم صديق دراستي، أردتُ أن أتحدث لزوجتي لكي أطمئنها بأنني أشعر براحة لم أعهدها في أسعد لحظات حياتي الدنيوية، لم تكن الشهادة مؤلمة لنا كما آلمت الأحياء، صلى المصلون في جنازتي، يتقدمهم الإمام وخلفه أفراد عائلتي وأفراد العائلة الحاكمة،.
وددتُ لو أصلي معهم، في لحظات كتلك لا تشتاق لأمر فعلته في الدنيا كاشتياقك للركوع والسجود إلى جانب إخوتك في الدنيا، رافقت جسدي والجموع التي احتشدت حتى تم دفن جسدي، الذي رافقني لمدة ثلاثين عاماً، ضج المكان بالبكاء والدعاء وآيات القرآن واسمي الجديد «الشهيد»، وبعد أن جلس إخوتي بجانب قبري لساعة كاملة، أملاً في استيعاب رحيلي نظروا لقبري بحزن يُخالطه شعور بالفخر تجاهي ثم رحلوا.
* كاتبة إماراتية.