تحظى الروايات الغربية باحتفاء كبير من المتلقي العربي، لتجذبه نحوها بذاك البريق الذي يغلفها من الداخل والخارج، فيما تقف الرواية العربية في مكانها على استحياء، تفتح عينيها من وراء غلاف لا يلقي له القارئ الغربي بالاً، ولا يعيره أي اهتمام، ليمضي أمامها وكأنه لا يراها، فتعود إلى سباتها العميق وفي عينيها غصة، فوجودها بات مثل عدمه، والإهمال الذي تتعرض له لم يعد محتملاً.
إبداعات عربية تهادت على الأوراق، وحكايات سردت قضايا وهموم المجتمعات العربية، ولامست مشاعر رواتها وشخصياتها، ولكنها رغم ذلك لم تنجح في أن تحجز لها مكاناً على أرفف مكتبة القارئ الغربي، ولا على طاولة قراءاته، فلماذا لم تجذب الرواية العربية انتباهه، كما فعلت نظيرتها الغربية في وجدان القارئ العربي؟
»البيان« التقت بعض الأدباء والروائيين، ليؤكدوا أن الرواية العربية غائبة، موجهين أصابع الاتهام إلى المؤسسات الثقافية، التي لم تعِر الترجمة أي اهتمام، وتنصلت من دورها الحقيقي في توصيل رسائل مبدعيها إلى العالم، فبقيت كأنها لم تبرح مكانها، كطائر بلا جناحين.
أكد الناقد والأديب الدكتور صالح هويدي أن الرواية العربية غير حاضرة على طاولة القارئ الغربي. وقال: من الغريب أننا في كثير من الأحيان نعتب على الغرب، ونحملهم مسؤولية هذا الغياب، أو نطلب منهم أن تكون روايتنا حاضرة على طاولاتهم وبين جوائزهم العالمية، ونترقب نتائج هذه الجوائز..
لأننا قبل ذلك يجب أن نسأل أنفسنا، كيف يمكن أن تصل رواياتنا للقارئ الغربي وهو لا يتحدث لغتنا، ولذا، ينبغي أن تتحرك المؤسسات الثقافية والحكومات العربية ودور النشر وفق خطط متكاملة، تسخر لها الموارد وترصد لها الميزانيات، في سبيل توصيل الرواية العربية عن طريق ترجمتها للغات الأخرى، والوصول بها للجوائز العالمية، والسعي وراء الاعتراف بها، وإلا فسيبقى الأمر كما هو، وسنظل في عزلة.
ولفت هويدي إلى أن بعض دور النشر في الدول الغربية تترجم بعض الروايات العربية، كما يدخل بعضها ضمن المناهج الدراسية، وهذا الأمر ينبغي أن نتحمل نحن مسؤوليته، وهذه مهمة ثقافية كبيرة إذا أردنا أن نصحح صورتنا في ذهن الآخر، وأن نخلق معه حواراً فاعلاً.
فجوة كبيرة
ذكرت الروائية نجوى بركات أن الرواية العربية موجودة بحدود قليلة على طاولة الغرب، وقالت: أنا ابنة هذه التجربة من خلال معيشتي في باريس وترجمة رواياتي للغات أخرى، وأرى أن الفجوة بين الرواية العربية والقارئ الغربي كبيرة، لعدة أسباب، أبرزها أن الغرب غير متحمس أو متشوق للتعرف إلينا.
كما أننا لا نبذل أي مجهود للتقرب من الآخر لإقامة جسور حوار معه، إضافةً إلى أن الكتاب تحوَّل إلى سلعة تجارية ولم تعد له القيمة الأدبية والمعنوية كما في السابق، والأهم من كل ذلك أن ليس هناك مشروع ترجمة حقيقي لنقل المنتج العربي للمتلقي الغربي، وللأسف مؤسساتنا الثقافية مرتبكة ولم تقم بدورها في هذا الجانب.
شللية ومحسوبيات
»روايتنا شبه غائبة عن طاولة المتلقي الغربي« هذا ما أكــدته الروائية لينا هويان الحسن، موجهةً أصابع الاتهام إلى الكاتب والناقد العربي والمؤسسات الثقافية. وقالت: لا أزعم أن الرواية العربية منافسة، فالضعف قائم، ولكنها أيضاً لم تأخذ حقها من الترجمة، ما خلق هوة عميقة بين العالمين العربي والغربي.
وأضافت: الأدب العربي لم يقم بدوره كما هو مفترض، ليس لكونه قاصراً، بل لأن الميزانيات لم ترصد له، ولم يحصل على حقه من الاهتمام، والحكومات والمؤسسات الثقافية الكبرى هي المتهم في هذا التقصير، وأشارت الحسن إلى أن انتقاء بعض الروايات لترجمتها تطغى عليه الشللية والمحسوبيات، ليتم الانتقاء على أساس العلاقات الشخصية والمصالح وليس على جودة المنتج.
ميثاق مفقود
أشار الكاتب والناقد السعودي محمد العباسي، إلى أن القارئ العربي لديه ميثاق قراءة مع الرويات المترجمة كونها روايات تحتوي على مضامين إنسانية عالية وعلى فن الإبداع الروائي، أما الكاتب العربي فقد تخلى عن مسألة التعامل مع الرواية كفن، وبدأ ينتج منظومة من الروايات العادية، ما أفقد القارئ الغربي ميثاقه مع الرواية العربية.
وأكد أن الرواية العربية غائبة عن طاولة المتلقي الغربي، وقال: للأسف الرواية العربية لا توجد على الخريطة العالمية، وهي تعاني من ضعف كبير، ونستطيع أن ندلل على ذلك من خلال مجموعة من الشواهد، أولها الترجمة؛ فالرواية العربية لا تترجم إلا وفق نسب ضئيلة جداً، ووفق جهود فردية معتمدة في أغلب الأحيان على مزاجية الجهة المترجمة.
إضافة إلى أنه لا توجد لدينا تلك الرواية التي يسعى الغرب لترجمتها، وذلك لافتقادها للأبعاد التي تشخص إليها أنظاره.
استثناء
قال الكاتب والناقد السعودي محمد العباسي: إن الرواية العربية ليست محط أنظار السينمائيين العالميين، ولا تحضر على مستوى المنافسة في الجوائز الأدبية العالمية البارزة، ما يفقدها حضورها، أما بالنسبة لبعض الأسماء كنجيب محفوظ، فهي تشكل استثناءً، وما عدا ذلك، فالرواية العربية غائبة، وهو أمر مؤسف.