رحيل المثقف، رحيل كتاب كبير ودسم، عديد صفحاته ليس بعدد أيام عمره فقط، وإنما أيضاً بعدد صفحات ما قرأ من كتب وما ألف من صحائف وألهم وشحذ وأعطى، وبما بقي في الأرض وينفع الناس. فالمثقف ليس شخصاً عادياً، بسبب وعيه الخاص بمحيطه وتاريخه من ناحية وباستشرافاته ونبوءاته من جهة ثانية، الأمر الذي نجده منعكساً بصفاء في مرآة منتجه الثقافي وأثره الفني.
الساحة الثقافية الإماراتية الزاخرة بالأسماء الإبداعية الأدبية والفنية، التي جاءت وتعايشت وأنتجت إسهاماتها المميزة مشكلة هذا النسيج الفسيفسائي المتناغم والنشط بحكم مركزية الإمارات وقيادتها لقاطرة الثقافة العربية في الآونة الأخيرة، هذه الساحة الغنية، شهدت في اليومين الفائتين رحيل قامتين ثقافيتين هامتين:
التشكيلي الإماراتي الشهير حسن شريف والقاص السوري محمد محيي الدين مينو، بعد أن عاشا حياة محفوفة بالقلق الوجودي الذي يليق بالمبدعين الحقيقيين، وبالأرق المتصل من أجل بناء الأحلام الإنسانية المشروعة والممنوعة في آن.
الفنان المشاكس حسن شريف رحل أول من أمس عن 65 عاماً، وهو يعد من أبرز رموز الإمارات في حقل الفنون التشكيلية، بل هو رائد الفن التصوري «المفاهيمي Conceptual Art» الذي يعد من أحدث تجليات الفنون التشكيلية المعاصرة الممتزجة بالفلسفة.
ماهو الفن المفاهيمي؟
هذا النوع من الفن يُسمى أحياناً بالمذهب التصوري أو الأعمال المركبة، وهو فن تشترك فيه المفاهيم أو الأفكار في الأعمال وتكون الأولوية لهذه الأفكار على الاهتمامات المادية والجمالية التقليدية. ويمكن لأي فرد ببساطة إنشاء العديد من أعمال الفن التصوري، على أن النجاح يكون فقط من حظ الفكرة الأقوى والتنفيذ الأكثر دلالة على المعنى المراد، عن طريق اتباع مجموعة من التعليمات المكتوبة.
وكان هذا الأسلوب من الأساليب الأساسية التي استخدمها الفنان الأميركي سول لويت في تعريف الفن التصوري. حسن شريف هو أول من عرف بهذا الفن بعد أن اطلع عليه في بريطانيا أثناء دراسته هناك، فجاء وبشر به هذه الساحة، أو في الحقيقة فاجأ وأحياناً صدم به الجمهور الذي يفهم الفن بطريقة تقليدية في شكل لوحات أو منحوتات بديعة رائقة.
أما أن يأتي فنان بمجموعة أحذية قديمة أو بأسمال مهترئة أو نفايات أو قطع اسفنج ليصنع منها شكلاً يعبر عن فكرة فلسفية يحملها الفنان ورسالة يتوجه بها إلى المجتمع فهذا كان شأناً غريباً، إلا أنه تكرس وشاع وتبناه العديد من المبدعين الإماراتيين لاحقاً بفضل الراحل حسن شريف..
ولذلك فلا غرو أن نعاه اتحاد كتاب وأدباء الإمارات له في بيانه صدر أمس بالقول: إن الاتحاد يشعر ببالغ الألم لرحيل أحد أهم رموز الثقافة الإماراتية عموماً، والحركة التشكيلية الإماراتية خصوصاً، حسن شريف الفنان المعلم الذي أثارت أعماله أسئلة في معنى الحياة كما في معنى الفن، واكتسب بمنجزه الإبداعي شهرة تردد صداها في المحافل العربية والعالمية، لكنه لم يبد في لحظة من اللحظات مكترثاً بها..
وذلك لانشغاله العميق بتفاصيل المغامرة الإبداعية التي كان يخوض غمارها. وأضاف الاتحاد في بيانه أن الألم كبير برحيل حسن شريف، لكن العزاء في الروح التي ستظل حاضرة من خلال أعماله هو، ومن خلال امتدادات تجربته في جيل عريض من الفنانين التشكيليين الإماراتيين.
مينو في اليوم التالي
وفي بيان مماثل نعى الاتحاد القاص والناقد السوري محمد محيي الدين مينو الذي وافته المنية صباح أمس الاثنين في دبي محل إقامته منذ سنوات طويلة، وجاء في البيان أن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات خسر برحيل مينو واحداً من أعضائه النشطين الذين أسهموا عبر السنوات الماضية في كثير من فعالياته، لا سيما نادي القصة في الشارقة، حيث شارك في كثير من أمسياته وندواته وكانت له بصماته على مسيرة النادي.
وأشاد الاتحاد بجهود الراحل في متابعته للحركة الأدبية الإماراتية، ورصده لها عبر أكثر من مؤلف، فضلاً عن منجزه الإبداعي في مجال القصة القصيرة التي يعد واحداً من كتابها المتميزين.
سيرة أديب كبير
محمّد محيي الدين مينو، الذي رحل أمس في دبي عن 60 عاماً، من مواليد مدينة حمص في سورية عام 1956. حصل من جامعة دمشق على إجازة في اللغة العربيّة وآدابها 1980، وماجستير في الآداب 1988. عمل مدرّساً فمعيداً في قسم اللغة العربيّة وآدابها بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في حمص، ومنذ عام 1992 عمل مدرّساً للغة العربيّة في إحدى مدارس دبيّ الثانويّة..
وأصبح موجّهاً للغة العربيّة في منطقة الشارقة التعليميّة. نال جائزة مجلس مدينة حمص الأولى للقصّة القصيرة 1998، وجائزة غانم غباش الأولى للقصّة القصيرة 1998 والتقديريّة 2001، وجائزة قصّة الطفل العربيّ الثانية 1999. عضو اتّحاد الكتّاب العرب في سوريا، وعضو اتّحاد كتّاب وأدباء الإمارات.
كتب مينو:
Ⅶالدائرة: قصص قصيرة، المطبعة الحديثة في حماة 1981.
Ⅶالعالم للجميع: قصص للأطفال، مطبعة ابن الوليد في حمص 1995.
Ⅶشعر عمرو بن أحمر الباهليّ: دراسة وتحقيق، دار الجيل في بيروت 1999.
Ⅶأوراق عبد الجبّار الفارس الخاسرة: قصص قصيرة، اتحاد الكتّاب العرب في دمشق 1999.
Ⅶقصّة الطفل العربيّ: دراسة (مشترك)، الهيئة العليا لقصّة الطفل العربيّ في أبوظبي 1999.
Ⅶالغوّاصون السبعة: قصّة طويلة للأطفال، الهيئة العليا لقصّة الطفل العربيّ في أبوظبي 1999.
Ⅶفنّ القصّة القصيرة: مقاربات أولى، منطقة دبي التعليميّة 2000 و2007.
Ⅶصدر له كتاب القصّة القصيرة في الإمارات: الأصوات الجديدة (مشترك)، ط 1، دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة 2006.
Ⅶوآخر مجموعاته القصصية: يوم تعرّى النهر، صدرت عن اتحاد الكتّاب العرب في دمشق 2008.
الأديب المربي
محمد محيي الدين مينو، له وجه إيجابي آخر، جدير بالذكر، حيث ترك بصمة مميزة في مسيرة التربية والتعليم في الإمارات ويكفي أنه صاحب: معجم الإملاء: الذي اعتمدته منطقة دبيّ التعليميّة 2002 و2007. كما أسهم في وضع منهج كتب اللغة العربيّة للصف الرابع الابتدائيّ (مشترك)، ط 1، وزارة التربية والتعليم في الإمارات 2006 / 2007.
وكتب اللغة العربيّة للصف الخامس الابتدائيّ (مشترك)، ط 1، وزارة التربية والتعليم في الإمارات 2007 / 2008.