مشاهدة الجرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا
بقراءة متأنية في أبيات قصيدة «أم المحبة» يمكن القول إنه عندما يكون الشعر تأويلاً لطاقة الروح، يصبح بوحاً شاهقاً في ذات الكائن، يفرد ظلاله في الوجود، فإذا به كتاب مفتوح على المجاز والخيال والتأويل، لذلك تأخذ القراءات الشعرية شكل الإضاءة التي تحرض طاقة الإشراق في القصيدة.
وفي قصيدة «أم المحبة» يصبح الشعر ذاته موضوعاً يستدرج القارئ إلى الموضع الآخر الذي يفرد ظله في القصيدة ذاتها، ليصبح الخطاب في القصيدة أكثر استجابة لغواية الشعر، كما هي غواية المعنى.
لذلك يمكن تقسيم القصيدة إلى فضاءين: فضاء المطلق الشعري الذي يستقرئ القصيدة، ويستقرئ الكنه الشعري في تركيب الوجود، عبر طاقة الكشف عن المعنى، والبصيرة التي تستجيب لذلك المعنى، وفضاء يستجيب للفضاء الأول عبر الربط بين بصيرة القصيدة وبصيرة المرأة المتمثلة في أم الإمارات، لتستوي البصيرتان بصيرة القصيدة وبصيرة المرأة في تشكل معنى الوجود الإنساني.
فضاء
تبدأ القصيدة في الفضاء الأول الكشف عن علاقة الذات بالقصيدة، وأن الذات هي التي تنهض بالقصيدة إلى فضائها المطلق، وهذا لا يعني أن القصيدة ذاتية بقدر ماهي تفتح الذات على الوجود لتصبح الوجود ذاته، كما أن القصيدة تصبح الشعر بكليته في تأويلاته المختلفة، فمن خلال العلاقة بين البوح والنخل والوجد ينكشف السر من مسافاته البعيدة:
بوحٌ يعانقُ نخلَ الوجدِ في ذاتي
ليصطفي سرَّه خلفَ المسافاتِ
ليتجه الحديث بعدها عن غواية الشعر بارتباطها مع السر الذاتي وسر البوح، لأن الشعر ما هو إلا تأويل لغواية الذات يرتب اللغة في استجابتها لغواية المعنى، لأنه فيض لا فضاء له، يسري كما السحر من عالم الخيال:
غوايةُ الشعر تأويلٌ لغايتنا
يرتِّبُ الحرفَ في لوح الغواياتِ
كأنَّما الشعرُ فيضٌ لا جهات له
أسرى كما السحر من غيب الخيالاتِ
عالم موازٍ
وهنا تبدأ القصيدة في خلق عالم مواز أو عالم يؤول حركة القصيدة في الذات، وفي العالم، فإذا بالوجود هو حركة القصيدة ذاتها، فإذا مرآة للقصيدة والقصيدة مرآة له، ليبدأ الحوار بين الشعر والوقت في حالة ليكون ذلك تمهيداً للدخول في الفضاء الثاني، أو في البصيرة الأخرى للقصيدة، وهنا يفرد الشعر ذاكرته وحلمه عبر رؤى شاهقة في الوجود، مفرداً البحر في رؤاه، ومسدلاً الشمس في مشكاة معناه، كي يدرك أسراره كلها، ومعناه المطلق، في بصيرة أم الإمارات:
توسَّدَ الغيمَ إيقاعاً لرحلته
ليبصرَ الماءُ مرآةً لمرآةِ
يقولُ للوقتِ ها أيقظتُ ذاكرتي
فرتلْ الحلْمَ في آياتِ أوقاتي
وأسرجْ البحرَ موجاً شاهقاً ورؤىً
وأسدلْ الشمسَ في مشكاةِ آياتي
لأصطفي كلَّ أسراري وأفردَها
بوحاً على راحتيْ أمِ الإماراتِ
بصيرة المرأة
وهنا تتحول القصيدة من فضائها المتصل بالمجاز والخيال إلى فضائها المتصل ببصيرة المرأة التي تمثلها سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، التي انتبهت للحلم في رؤياها فرتبته كالنخل، عبر بصيرتها في الإستنادية للماضي، والمنفتحة ايضا على رؤى المستقبل.
فكان الحلم بداية مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي تمكن من تجسيد الحلم وبناه واقعا للإمارات وأبنائها، فكان المستقبل قبض رؤاه، التي مازالت تفرد ظلالها في ذات كل فرد، وفي روحه وقلبه:
هي التي انتبهتْ للحلم حين رأتْ
نخلاً يرتِّب آلاءَ الحكاياتِ
كأنَّما أبصرتْ سرَّ الرؤى حلُمَا
في زايدٍ فاستوى في حلمها الآتي
تمكين المرأة
ويتجه هذا الفضاء إلى قضية مهمة وهي قضية المرأة وتمكينها في المجتمع الإماراتي والذي كانت تمثله سمو الشيخة فاطمة لأنها هي القائلة: «ليس المهم وضع استراتيجيات للتنمية، بل المهم أن نُفعّل دور المرأة والرجل بشكل إيجابي».
فالقصيدة هنا تؤول مقولات سمو الشيخة فاطمة عبر الرؤية الشعرية فهي التي حملت على كفيها حلم المرأة في دولة الإمارات وهي التي كانت المثال للمرأة التي كانت على بصيرة رؤاها لحاضر ومستقبل المرأة في الإمارات.
بل كانت على بصيرة في ترسيخ الدور الحضاري للمرأة كما هو الدور الحضاري للرجل، لأنها تنطلق من رؤية منسجمة متصالحة في ترسيخ المفاهيم الحضارية في قضية المرأة وتمكينها من وجودها وذاتها.
فكانت شاهدة على الحلم وهو ينهض من حبة الرمل ليصبح نخلة باسقة، تحاور الغيمة، كما تحاور إيقاع الرمل، فإذا به الحلم الذي يرتل إيقاعه بين الأصالة والحداثة، ليكون حلما يشهد له العالم والوجود، على أنه العلامة الفارقة في الألفية الثالثة.
رسالة السلام
لذلك كانت رسالتها رسالة السلام للعالم، أن ترى الأطفال وهم يحلمون بعالم يحفه السلام والأمن وتحلم أن ترى المرأة قد تفوقت على ذاتها وأن يكون العالم حمامة سلام على الجميع، وهنا القصيدة تربط بين الرسالة الذاتية لسمو الشيخة فاطمة وبين الرسالة الإنسانية التي ترسلها إلى العالم.
قالت أنا امرأةٌ في كفها حملتْ
حلْمَ الإماراتِ في وسْعِ المجازاتِ
رسالتي أن أرى طفلاً بلا ألمٍ
وأن أرى امرأةً تسمو على الذاتِ
وأن أرى عالماً حلَّ السلامُ به
حمامُهُ طافَ في كلِّ الفضاءاتِ
بصيرة
لتكتمل القصيدة في بصيرتها عبر بصيرة سمو الشيخة فاطمة التي أبصرت كما زرقاء اليمامة، فرأت، لتكون هذه الرؤيا هي الكشف عن المستقبل، فالشجر الذي رأته يختلف عن الشجر الذي رأته زرقاء اليمامة، لأنه شجر السلام والمحبة والنور ذلك لأن قلبها يفرد نداه على الجهات، ويرتل أسمى رسالات المحبة في الوجود الإنساني:
قالت أرى في المدى فيما أرى شجراً
يفيض بالنور من فيض السماواتِ
هي التي قلبُها ضمَّ الجهاتِ ندىً
يرتلُ الحبَّ في أسمى الرسالاتِ
سر الأماني وصفو الروح ياحلما
أم المحبةِ يا أمَّ الإماراتِ
أم العطاء
لاشك أن القصيدة التي أفردت ظلال معانيها كي تستجلي الرؤى التي أبصرتها أم الإمارات، سمو الشيخة فاطمة، فكانت تأويلا لتلك الرؤى وتلك المقولات التي أفردت الحكمة والبصيرة في ذاكرة المكان والزمان، فكانت أم المحبة، والعطاء، وسر الأماني، وصفو الروح، لأنها امرأة أنشأت أفكارها من طينة الحلم، فكانت منجزاتها راسخة رسوخ الوطن في القلوب، علامة فارقة في الوجود، وفي حضور المرأة الإماراتية والعربية في المشهد العالمي.
لأنها انطلقت من مفردة الإنسان التي أصبحت مفردة راسخة في كل المشاريع النهضوية في الإمارات، وفي كافة الاستراتيجيات والرؤى، من أجل ترسيخ قيم المحبة والسلام في العالم، وذلك بانطلاقها من طاقة القيم الروحية والأصيلة التي تمثلها أصالة الإنسان الإماراتي.
فهي التي ترى أن ««التغير حتمي شئنا أم أبينا، وندرك أننا مؤهلون من الناحية الاجتماعية، بما لدينا من قيم وأعراف وتقاليد للتعامل مع جميع المستجدات التي تطرأ على حياتنا ومواجهة آثارها السلبية، فمجتمعنا كتب على رايته حب السلام والوئام والخير للبشر، وعلينا أن نأخذ عن الغير ما نرى فيه فائدة لشعبنا ووطننا الغالي، فنحن شعب لا يخاف التغيير، ويشهد التاريخ بأننا اجتزنا معارك عدة للتغيير الاجتماعي من دون أن نفقد أصالتنا» فسمو الشيخة فاطمة قصيدة أوسع من المعنى، لأنها توقظ في الشعر مسافاته، وبصيرته، ورؤاه.