توقفت الحافلة وفتحت أبوابها.. صعد صاحب سلة قش.. تتوسطها دجاجة وقد نفشت ريشها.. أثقلت يده من حملها لمسافة طويلة.

تأففت الدجاجة وحدثت نفسها: «اعتقدت أننا سنركب سيارة أجرة خاصة، وليس حافلة مكتظة بعامة الشعب.. أففف».

بالكاد وجد له مكاناً للجلوس، مجاوراً أحدهم وقد استغرق في نومٍ عميق.. وسال لعابه من فمه من شدة التعب..

جلس ووضع سلة القش بجانب رجله.. فارتخت عضلات يديه.. ومازالت الدجاجة نافخة ريشها رافعة رأسها بخيلاء تراقب الحركة المستحيلة في وجود أكوامٍ من البشر في هذا الحيز الصغير.. تكاد الحافلة تنفجر!

تراقبهم واحداً واحداً..

فهذا قد أمسك بيد إحداهن.. فحدثت نفسها: «كيف لها أن تسلمه يدها.. إلى أين ستأخذهم هذه الحافلة المشؤومة.. من هو.. عله أخوها.. لا لا.. لا يوجد شبه.. علها تلتقيه من خلف ظهر أهلها.. لا لا. لا تفعلها أمام الملأ.. علها زوجته.. بالتأكيد لا.. فهي قبيحة.. وهو قد اكتمل جماله.. علها إحدى بنات الــ....آه لن تكون مثلي فأنا انحدر من مزرعة كبيرة.. وزوجي له عرف ملك» ولم تنتبه للخاتمين بإصبعيهما.. فهي رأت ما أرادت وحسب..

وأشاحت بنظرها إلى الجهة الأخرى، فرأت رجلاً ساهماً.. ينظر من نافذة الحافلة إلى اللاشيء.. وبين يديه طفلٌ قد ملأ الحافلة صراخاً.. فحدثت نفسها: «يا له من عديم الإحساس.. ألا يرى أن طفله قد قلب الحافلة رأساً على عقب ببكائه المتواصل؟.. فليرَ صغاري كيف أن صوتهم كموسيقى هادئة.. صوصوصو».

ولم تنظر إلى عينيه لترى هموماً ارتسمت بكل وضوح.. لم تعلم أنه قادمٌ من المحكمة بعد أن طلق زوجته وحُبست بسبب الخيانة.. وأن رأسه ملئ بألفِ ألفِ وجع، قد خدر حواسه عن الشعور بعالمه المحيط..

قوقأت في سلتها ورفت بجناحيها المبتورين.. فانتشر الريش هنا وهناك.. نظف أحدهم حذاءه مما طاله وتمتم بكلمات غاضبة.. فمد يده لسلة القش وأخذ بالضرب عليها بكفه لتهدأ «اششششش»..

نظرت إلى صاحب اليد بتعالٍ.. كيف له أن يعامل دجاجة نبيلة بهذا الشكل.. ألا يعلم أنها تنحدر من مزرعة كبيرة وزوجها له عرف ملك؟.. كيف له أن يعاملها هكذا وهي الدجاجة الأولى في مزرعة الدجاج.. «أففف»

وقفت الحافلة.. وأخذ صاحب سلة القش يشق طريقه بصعوبة إلى الباب.. والدجاجة لا تزال كما هي.. نافشة ريشها!

بعد طول عناء نزل من الحافلة وتحرر مما كان يحيطه.. أيادٍ متداخلة مع بعضها كأغصانٍ كثيفة.. روائح عرق وتعب تلوثت بها الحافلة.. نظرة هنا وتحرشٌ هناك.. والتقط سمعه صوت صفعة حامية ! وآلافُ الكلمات كلها كانت تخرج في آن واحد وكأنها لو تأخرت ثانية أخرى عن الخروج من فم أحدهم لاختنق.. فخُيل إليه أنها لغة أخرى غير لغته الذي يشترك فيها مع الركاب.. هذا عدا وقوع إحدى السلال على رأسه.. وقد وبخه صاحبها بدلاً من الاعتذار!

ترك كل ذلك خلفه وتحرر..

مشى مطولاً.. عبر شارعاً عجوزاً لم يعد يصلح لاستقبال السيارات ولا الدراجات أو حتى المشاة.. لم يحل إلى التقاعد بعد.. كما هو حال بعض المديرين والوزراء!.. عبر منعطف تكدست حوله النفايات.. إلا من عمال نظافة! مشى بسكة ضيقة وكأنه متسلل.. وها هي شقة صديقه في مواجهته.. طرق الباب طرقاتٍ متوالية.. جاءه صوت من الداخل ثم.. فُتح الباب.. طال العناق.. وكلمات الشوق والترحيب قد كثرت.. والدجاجة في سلتها تتأفف.. متى ستتوج ملكة على عرش المزرعة الجديدة..

هنا.. عند عتبة هذا الخيال «تتوج» حُملت السلة وقُدمت للصديق.. وقال صاحبها

«هدية بسيطة.. بتعمل لك أطيب ملوخية».