لم تعد العاصمة الفرنسية، باريس، عقب حرب الخليج الثانية »حرب تحرير الكويت«، موئلاً ومقراً للصحافة العربية في المهجر، في أوروبا تحديداً. فطبقاً لما وضّحه د. علي شلش في محاضرة نظمتها ندوة الثقافة والعلوم في 27 يناير 1993، باتت عاصمة المملكة المتحدة، لندن، حضناً ومصدراً للصحف العربية »المهاجرة« ذات التأثير.. وأيضاً، انتشرت الصحف الممولة.
وكان من بين النقاط الأبرز التي لفت إليها شلش في محاضرته المعنونة »واقع الصحافة العربية في أوروبا«، أنه، وخلال الفترة من عام 1985 وإلى 2000، كان هناك 47 صحيفة عربية في أوروبا، متنوعة في اتجاهاتها ومرجعياتها الفكرية والسياسية.
" الوقائع"
استهل المحاضر حديثه معرفاً بالصحافة بشكل عام.. ومبيناً أنها ربيبة المطابع، ثم أشار إلى أن المطبعة في أوروبا سبقت الصحافة في الظهور بنحو قرنين، وكانت الحال كذلك في العالم العربي على الرغم من أننا كنا مجرد مستوردين للأحرف المتحركة وآلة الطبع، وكذا لفكرة الصحف. ونبه شلش إلى أنه ظهرت أدوات الطباعة الحديثة في العالم العربي قبل ظهور الصحافة الأوروبية..
ومر إدخال الطباعة في العالم العربي بتحديات ومراحل كثيرة، قبل أن ينجح محمد علي في مصر في تأسيس مطبعة عام 1821، وعن طريق هذه المطبعة ظهرت أول صحيفة عربية عام 1828: »الوقائع المصرية«، وكان ظهورها من قبيل استكمال شكل الدولة الحديثة، وحرص الوالي وقتها، على أن يدقق ويتابع كل كبيرة وصغيرة من ما ينشر فيها.
1858
وفي تحليله لجملة العوامل التي مهدت وأسهمت في ظهور الصحافة العربية المهاجرة، رأى شلش أنه، ونتيجة للنمو المستمر في جهاز الدولة الحديثة، وازدياد العلاقات بالعالم الخارجي ولا سيما أوروبا..
ونمو مستويات التعليم والوعي في بعض الدول العربية وبلاد الشام خاصة، نزح كثير من المهتمين إلى مصر وإلى دول أوروبا. ومن هنا، بدأت ظاهرة الصحافة العربية في أوروبا، ذلك منذ 1858، وهو العام نفسه الذي شهد ولادة الصحافة العربية في بيروت.
وفي تعقيبه على عدد الصحف الصادرة باللغة العربية في أوروبا (من 1858 وإلى نهاية القرن الفائت): نحو 47 صحيفة، بيّن المحاضر أنه عدد يزيد، في تلك الآونة، على نظيره في مجموع البلاد العربية. ثم شرح أن نسبة مهمة من بين تلك الصحف، كانت حينها معارضة.. وشارك في إصدارها محررون من: لبنان وسوريا وفلسطين ومصر وليبيا.
نقلة نوعية
وشرح شلش أن نمو واقع الحضور العربي المختلط ضمن البلدان الأوروبية، انسحب على الصحافة هناك. إذ انضمت عناصر صحفية إلى تلك الصحف، وهي من: العراق والسعودية والإمارات وتونس والجزائر والسودان والمغرب. ذلك إلى أن غدت هذه المسألة بمثابة ظاهرة قومية للصحف العربية في أوروبا، وشكل البعد القومي أحد أبرز الأبعاد في الظاهرة منذ البداية.
ومن ثم ازدهر في 1979 حين صدرت »الشرق الأوسط« في لندن، التي أحدثت نقلة نوعية وأسهمت في إغناء المضمون الصحفي العربي في الغرب، ومن ثم فإنها صارت أكبر مؤسسة لإنتاج الصحف العربية في أوروبا.