يصعب تصوّر حضارة الإنسان، منذ فجر التاريخ وإلى الآن، بمعزل عن الرسائل، فكأنما تاريخ البشرية هو نفسه تاريخ الرسائل، وذلك من منطلق أن اللغة محض رسائل، منذ أن كانت رموزاً وإشارات بدائية، ثمة رسالة دائماً، بمضمون مقصود، من مرسل، إلى متلقٍ.
كما أن الأديان السماوية، إنما هي رسالات هبطت بمراد الله تعالى في مناسبات وضرورات، وبلغة أدبية عالية الرصانة والجمال، الأمر الذي نلحظه في القرآن الكريم، ويبدو أن أشكال التعبير الفني قاطبة، من تشكيل إلى غناء وموسيقى وشعر ومسرح، أو حتى الخبر والتأريخ، كلها تجسد مفهوم ووظيفة الرسالة الموجهة، ولكن بطرق وأشكال فنية شتى. إذاً، فلا حضارة ولا تواصل أو تفاعل اجتماعياً بلا رسائل.
هكذا الرسالة غالية، وبالتالي، فحري بنا أن نوليها عناية خاصة، واحتفاء واجباً، بوصفها الوسيلة الأكثر فاعلية وإيجابية في بناء حياة وحضارة الإنسان وتطورها.
وأما ما هدفنا إليه حقيقة في هذا الملف، وطرحناه على الأدباء المشاركين هنا، هو نوع محدد ومعروف: الرسالة الأدبية. والفرق بين الرسالة إطلاقاً، ورسالة الاتصال الاجتماعي والرسالة الأدبية، لا بد أن يكون واضحاً، حيث إن مفهوم الرسالة المطلق، هو ما يطال كل أشكال التعبير، على نحو ما ذكرنا، فحيثما هناك مرسل ومضمون ومتلقٍ، فثمة رسالة، وأما الرسائل الشخصية، كالغرامية أو رسائل الأصدقاء والأهل، فهي شائعة (سابقاً طبعاً)، حتى بين العامة، وقد استبدلت الآن بالرسائل النصية (sms)، ورسائل التواصل الاجتماعي، وهي تختلف عن الرسالة الأدبية.
فروق
إذاً، فثمة أدب رسائل شخصية، بينما هناك «رسائل أدبية»، والأخيرة هي مرادنا في الأساس، رغم أن التحقيق قد نحا بنا نحو أدب الرسائل عموماً، بينما الرسائل الأدبية: هي فن قديم من فنون الأدب العربي، ازدهر في أوائل القرن المنصرم، جنساً أدبياً فنياً مستقلاً، وله جهابذته، حيث كانت الرسالة قطعة أدبية راقية، لأن الأديب يكتبها وهو في حالة صفاء ذهني، ويستعرض خلالها ثقافته ولغته ورؤاه الفلسفية الفكرية، فتنثال عباراته الأنيقة في غاية التجويد والإتقان. هذا الجنس الأدبي، أين هو الآن؟، بل أين أدب الرسائل عموماً، كوسيلة تعبير فني خاص؟، في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي والانصراف عن الكتابة باليد، وعن البريد التقليدي عاطر الذكر؟.
سعينا في هذا الملف إلى استعراض ذلك كله، خاصة ونحن في عام القراءة، لنستوثق من صحة القول إنها انقرضت، أو أنها ضلت وفقدت عناويننا إلى الأبد.. رغم كل ذلك الدور الحضاري والوجداني الجبار، الذي قامت به خير قيام على مدى حضارة الإنسان فوق هذا الكوكب، حتى تقاعدت أخيراً، ومن حقنا أن نسأل أخيراً: أين ذهبت الرسائل بأسرار من ائتمنوها وأشواقهم؟، أإلى حيث ألقت رحلها أم قشعم؟..
صوت داخلي
يقول الأديب إبراهيم الهاشمي: الرسائل الأدبية تمثل الصوت الداخلي للكاتب، لأنه في ثناياها، يبث أكثر الأفكار والمسائل قرباً وتعبيراً عن نبض قلبه، سواء كان ذلك هماً فكرياً أو إنسانياً وجدانياً، ومن هنا، فإن الرسائل قادرة لأن تعكس لنا الصورة الحقيقية لطريقة تفكير أولئك المبدعين الذين تراسلوا يوماً، وكذلك أجواءهم الاجتماعية ومكوناتهم الثقافية والنفسية وأوضاعهم السياسية بطريقة عفوية وصادقة.
ويضيف الهاشمي: إذا كان البعض يرى أننا استعضنا عن تلك الرسائل، برسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، فإننا نلحظ أن هذه الأخيرة مكشوفة، ومهما وجهت لشخص محدد، إلا أن المتلقي يكون في هذه الحالة بلا حدود، وباتساع الشبكة الدولية، وبالتالي، فإن الرسائل في هذه الحالة، تأخذ طابع النص الأدبي الموجه لقارئ مجهول ومتعدد، ما ينفي العفوية والميل إلى البوح الكامل والأريحية وبث الشكوى.
ويقول الهاشمي: الآن في الغرب، باتت هذه الرسائل مرجعاً مهماً، يعول عليه في دراسة طوايا الكاتب وأحواله النفسية الخاصة، مثل رسائل جان بول سارتر إلى صديقته سيمون دي بوفوار مثلاً.
شغف الرسائل
أما الكاتب والباحث سعيد حمدان، فيؤكد أن له شغفاً خاصاً بقراءة الرسائل الأدبية، فهي في نظره لم تكتب نوعاً من الكتابة الأدبية، شأنها شأن الأصناف الأدبية الأخرى، كالقصة والمقالة والشعر، وإنما كتبت كوسيلة تعبير خاصة، تنقل مضامين شخصية جداً، حين يتجرد الكاتب لحظة كتابتها من شروط والتزامات الكتابة الموجهة لقاعدة واسعة من القراء، ولذلك، فالرسائل أكثر عفوية وصدقاً في التعبير عن نفس الكاتب.
ويرى سعيد حمدان، أن القارئ عادة لديه فضول يدفعه إلى محاولة التعرف إلى دواخل الكاتب، وكيف يفكر، ومن أين يستمد أفكاره، لذلك، فهو يسعى للاطلاع على تلك الرسائل التي تعبر عن ثقافة المؤلف، وثقافة زمانه الذي عاش فيه.
نماذج
ويمضي حمدان قائلاً، إن رسائل الشاعر التركي، ناظم حكمت، من داخل السجن، حملت إلينا الكثير من أفكاره وتوجهاته الشخصية، وهذا أمر يختلف عما تقدمه نصوصه الشهيرة، وكذلك رسائل كافكا، ورسائل الفنان البرتغالي الشهير بيسوا، الذي ترك لنا رسائل غاية في الجمال، حملت إلينا عمق المشاعر الإنسانية، وهناك رسائل الأديب الليبي الصادق النيهوم (رسائل العشق والغربة) ما أجملها.
تجارب إماراتية
سعيد حمدان، يركز حديثه عن التجارب الإماراتية في مجال كتابة الرسائل، ويرى أن من مظان تلك الرسائل التي تحتاج إلى جمع شمل (رسائل المدفع والناخي والمحمود وسعيد غباش والشرفا وغيرهم)، ويشير سعيد حمدان بهذا الصدد، إلى كتاب قيم صدر عن الأرشيف الوطني، بعنوان (رسائل من عصر زايد بن خليفة 1836 - 1901)، حققه سعيد بن كراز المهيري، ويضيف أننا من أجواء الرسائل القديمة عموماً، يمكننا التعرف إلى من وجهت إليهم تلك الرسائل، ونتعرف إلى عبارات وألفاظ الرسائل من نوع (جناب، والمحب لكم، والمخلص)، كما نلمس أن التأريخ كان يوضع سابقاً أسفل الرسالة، فضلاً عن أهداف تلك الرسائل ومضامينها ومستوى لغتها وأسلوب المخاطبة ووضعية المرسل والمرسل إليه.
كل ذلك يعكس لنا نوعية الثقافة الشائعة والثقافة الشخصية، بل والطبيعة الشخصية لباعث الرسالة، وكل ذلك له معناه في الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية.
إلى زمان الرسائل
أما الشاعر الإماراتي عبد الكريم معتوق (أمير الشعراء في الدورة الأولى)، فقد جاءت مشاركته في هذا الملف على هيئة رسالة أدبية موجهة إلى زمان خلا وتصرم، بعد أن كان حافلاً بالرسائل التي تبادلها مع أديبة أثرت تجربته خلال تسعينيات القرن الماضي من تبادل 400 رسالة ملتهبة بالشجن والفن والثقافة، ويقول الآن مناجياً تلك الرسائل وذلك العهد:
أغلى صديقة
لم أنتبه يوماً إلى أهمية ما كنت أكتب، ورسائلها أيضاً كانت هي الأخرى تحملني لسور الصين العظيم، لا لأدخل فاتحاً الحصون، أو أن أروّع في الغصون حمامة، جاءت كسحابة، كي تبللني وتنفض يقظتي حتى أنام فلا أفيق.
ها أنا الآن أقلب أوراقي في هذا الصبح، أشبه عادتي الأولى، في الزمان الجميل، بمكتبي دفاتر عطشى لوثبة باحث عن صورة في الشعر، لم أدرك أني إن كتبت رسالةً تأتي هكذا صورٌ وألوانٌ من الإبداع، فلقد كنتِ صديقتي الأولى، عشقنا ما مر به إثم، ولم نأسف على شيء، هكذا كانت مشاعرنا جنوناً صادقاً، ورسائل حملت من الأفكار ما حملت، ومن الأحزان ما أبكت عيوناً، هكذا كنتِ استراحة شاعرٍ، ومضيتُ ذكرى شاعرٍ أوصاك بحفظ الرسائل للزمن.
حولي من الأوراق آلاف الحروف النابضات بكل ما حملت من الإيمان وشهادات الصداقة، ها هي حولي يتامى من تواصلنا، ولم نحزن كثيراً، كان حزناً عابراً، ومضيتُ وحدي واتكأتُ على الحنين، ومضيتِ أنتِ إلى الحياة بكل ما فيها من الأفراح والأحزان. ودخلتِ في فرح الأمومة، جاء الأطفالُ، فعرفت أسماء جديدة في الحياة، أسماء من أهداك ألقاب الأمومة، كنتِ شاعرتي ويكفي، كنتِ في وجعي وفي فرحي صديقة، قلت يكفيني، ولم أدخل قواميس النحاة لأستزيد من المعاني، كان يكفيني الصديقة، واسترحت من العناء، ما أجمل الدنيا وحولي من رفاق الدرب أصحاب وإخوان وجيران وأعداء.
كلما قالت صديقي طار بي شوقٌ تآخى والسحاب، وحككت في رأس النجوم، كل شيءٍ عالياً كان معي، وتراخى الشعر أو أنكر أن يؤمن في الشعر كتاباً، يتراخى الشعر إن قالت صديقي، فأراني رجلاً يدخل في حلم امرأة، مثلما يدخل شرقيٌ جنازة، لا يرى فيها سوى ما حرم الله، لذا، عشنا صديقين غريبين عزيزين، نود الخير والراحة ندني الخير للآخر إن كان بعيداً، عن أمانينا، تمنيت لها الزوج فجاء، وتمنيت لها الطفل فجاء، وتمنيت بأن تبقى كتاباتي لديها، وبأن يبقى الذي خطته لي يوماً، كما كان فنوناً وجنوناً وأدباً.
لم تكن بي بعدها أسئلةٌ، كل حكايا سردناها، والذي يوماً تمنيناه كان، هي في عمري سنين من فرح، وأنا كنت احتراقاً وكتابة، لم أكن جبران، بل كنت أنا، وهي ما كانت معي «مي زيادة»، كلما قلبت في المكتب ألقاها، فقد أبقيتُ في المكتب رفاً للرسائل، والذي أبدعه في ساعة مرت جميع الأصدقاء، في حياتي، رغم ما فيها الأحزان كانوا فرحاً، رغم ما كان من الأفراح زادوا فرحاً، وإذا مر عليّ التيه قد كانوا طريقاً للهدى، فسلاماً أيتها الرائعة الكبرى، ويا أغلى صديقة.
دمعة أدب قديمة
الأديب الناقد د. هيثم الخواجة، يؤكد أن أدب الرسائل فن راقٍ، يعبر فيه الكاتب عما يجيش في نفسه وخاطره من قضايا وأمور.
وقال: لقد عرف العرب هذا الجنس الأدبي منذ القدم، وحفظت كتب التاريخ والأدب أنواعاً من الرسائل، تعد دمعة من دمعات الأدب والإبداع، لتميز أسلوبها واعتمادها على ألوان مختلفة من الأنغام الصوتية، إضافة إلى العناية بالمعاني وترتيبها وتنسيقها وبسطها وتقسيمها وتحليلها تحليلاً منطقياً دقيقاً.
فالرسالة في نظره: تحفة أدبية، ومثال رائع للعناية باللفظ والمعنى على السواء، لتجسيد الكلام بصورة تؤكد متانة السبك والبناء، ويكفي أن نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، رسائل أبي حيان التوحيدي في الصداقة والصديق، ورسائل ابن زيدون، ورسالة الغفران للمعري، والرسائل الإخوانية (إخوان الصفا)، والإخوانيات الأخرى.
عبد الحميد الكاتب
يقول هيثم الخواجة: يعد عبد الحميد الكاتب، من الذين اشتهروا في هذا الفن (ولد عام ستين للهجرة في مدينة الأنبار)، فقد أجاد صناعة الكتابة على يدي زوج أخته، أبي العلاء سالم بن عبد الله، وصار رئيس ديوان الإنشاء في الخلافة الأموية.
ويشير المؤرخون إلى أنه هو الذي وضع الأساس لهذا المنهج الكتابي (العقد الفريد ابن عبد ربه).
ويذهب هيثم الخواجة، إلى أنه قد اقتفى هذا النهج كتاب كثيرون عبر العصور والأزمان، وصار لأدب الرسائل أسلوب خاص، مع اعترافنا بتطور سماتها مع تطور الزمن وتخلصها من الوعظ والإرشاد، وغدا المبدعون من الأدباء الذين يكتبون رسائل لبعضهم البعض من خلال روح المنافسة، وبث الشكوى أو السعادة أو الحزن والجوى أو الفراق أو الحب أو العشق أو الصداقة، وغير ذلك من مواضيع كثيرة، إضافة إلى الرسائل الاجتماعية والعلمية والسياسية، فاتسعت الموضوعات وتنوعت، واشتهر البعض برسائله الرصينة التي نهجت نهج عبد الحميد الكاتب، أمثال مصطفى صادق الرافعي، وأحمد حسن الزيات، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، وجبران خليل جبران، وعبد الباسط الصوفي وغيرهم.
وإذا أردنا أن نتحدث عن سمات أدب الرسائل، فإننا نجزم بأن أغلبها يعد نصاً أدبياً فائق الجودة، لأن ما يتضمنه من عاطفة وشوق وأسى ولوعة وحنين وآلام وآمال، وقدرات فائقة على التعبير، دفع القارئ إلى التأمل والقراءة والاستفادة من المبنى والمعنى.
انحسار تدريجي
ويضيف الخواجة: لئن حافظ أدب الرسائل منذ القديم وحتى القرن العشرين على نصاعته وجودته، فإننا نجده في أواخر القرن العشرين، ينحسر ويتراجع شيئاً فشيئاً، إلى حد صار يقتصر على مجموعة محددة من الأدباء والمبدعين.
ولعل الأسباب في ذلك، تعود إلى أمور كثيرة، من أهمها أزمات الحياة، وتعقدها وانصراف الناس عن الأدب والأدباء، ولهاثهم نحو الألعاب والمخترعات الحديثة، وإهمال اللغة العربية وضعف الأجيال بها، وعدم التمكن منها ومن أسرارها، وسيطرة العولمة، والتأثر بإيقاع العصر، وخاصة سرعة الحياة، بعد أن تحول العالم إلى قرية صغيرة، حيث برزت الرسائل عبر الجوال، وهي رسائل قصيرة جداً، إنها برقيات لا رواق فيها ولا أدب ولا إبداع، وفيها من اللهجة العامية الكثير الكثير، ويعتقد هيثم الخواجة، أن العوامل السابقة أثرت في الرسائل الإبداعية، وجعلتها تنحسر انحساراً واضحاً، ولذلك يقول عن تجربته الشخصية بهذا الصدد:
يمكن أن أذكر في هذا المجال، الرسائل المتبادلة بيني وبين مجموعة من الأدباء، منهم الدكتور دريد يحيى الخواجة، والشاعر ممدوح السكاف، والمسرحي فرحان بلبل، والشاعر الدكتور حسن فتح الباب وغيرهم. في هذه الرسائل، حديث ضاف عن المكان والزمان والشعر والمسرح والنظرية الحديثة لقصيدة النثر، وغير ذلك الكثير.
الرسالة القصيرة جداً
أخيراً، يضيف الخواجة: إن عصرنا الحديث الذي ابتكر القصة القصيرة جداً، ابتكر أيضاً فن الرسائل القصيرة جداً، ولكن هذه البرقيات لا تسمن ولا تغني من جوع، أمام إبداع له ميزاته وجودته وقدرته على الخلود والبقاء. ويمكن القول: إن بعض الإهداءات التي دوّنها الأدباء على بعض إصداراتهم، هي جزء من رسائل أدبية مبدعة.
وفي الختام، ينادي دكتور الخواجة، إلى المحافظة على هذا الفن الجميل والرفيع، من خلال التحفيز والتشجيع، كما يدعو إلى جمع الرسائل التي كتبها المبدعون لضرورتها.
دعوة باحث
قال سعيد حمدان، إنه مهتم بهذا الفن، بشكل خاص، ويحتفظ بصور من بعض الرسائل المتعلقة بالإمارات، وهو مستمر في جمع الرسائل (الأدبية والرسمية)، المرتبطة بالإمارات خاصة، ويدعو إلى جمع شتاتها من أدراج حائزيها، ومن بعض الكتب التي نشرت فيها، وذلك تمهيداً لإصدار موسوعة متخصصة، تضم الرسائل وتقرأها من جديد، ولذلك، فإنه يدعو إلى تكوين فريق من المختصين، لا يمانع أن يكون جزءاً منه لإتمام هذه المهمة.
رسائل مع البدور
عن تجربته الشخصية، يقول الأديب إبراهيم الهاشمي:
أنا شخصياً خضت هذه التجربة، وراسلت أحد أدباء الإمارات البارزين، وهو الشاعر والكاتب خالد البدور، حينما كان يدرس في أميركا خلال تسعينيات القرن الماضي، وبحوزتي عدة رسائل في هذا الإطار، ينطوي على تجارب ومسائل شخصية بيننا كأصدقاء، وهي تعكس أنواعاً من البوح الصادق، الذي لا تجده في كتاباتنا المنشورة أمام القارئ.
رسالة من الرافعي إلى محمود أبورية
طنطا في 20 ديسمبر سنة 1912 م
أيّها الأديبُ الفاضلُ
السلامُ عليكم، وبعدُ..
فإنّي أشكرُ لكَ ما أطريتَ وأحمدُ إليكَ كما أثنيتَ، وأرجو أن تكونَ أهلاً لخير ٍ ممّا وصفتني بهِ ــ إن شاءَ اللهُ ــ فإنّ الأدبَ يرقبُ نوابغه دائماً من بينِ المعجبينَ بهِ والراغبينَ فيهِ وذوي الحرصِ عليهِ.
أمّا ما سألتَ من أمرِ كتبِ النحو ِ والصرفِ، فيشقُّ علي أن أدلّكَ على غرضكَ منها، لأنّي لستُ على بيّنةٍ من قوّتكَ في فهم كتبِ القومِ، والبصر ِ بها، غير أنّكَ لو سألتني عن أنفعِ وأمتعِ كتابٍ طُبعَ في النحوِ، لدللتكَ على «شرحِ الكافيةِ للرضي»، وهو كتابٌ ضخمٌ ليسَ في كتبِ العربيةِ ما يساويهِ بحثاً وفلسفةً.
وللرضي أيضاً شرحٌ على الشافيةِ في الصرفِ، هو كصنوهِ في النحوِ لا يعدلهُ غيرهما، فاشترهما، وضُمّ إليهما كتابَ «متن ِ التوضيحِ» لابن هشامٍ، وشرحه، فإن لم تنتفعْ بالأولين انتفعتَ بالآخرين.
وإلى اللهِ الدعاءُ في توفيقكَ وتسديدكَ، وأذكرُ أنّي معجبٌ برغبتكَ في الأدبِ وإخلاصكَ لأهلهِ.
والسلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته
مصطفى صادق الرافعي
سيمون رفيقة سارتر تراسل أميركياً
المعروف أن للأديبة الفرنسية سيمون دي بوفوار، رفيقة الفيلسوف والأديب الشهير جان بول سارتر، قلماً «جافاً» وتتمتع بسمعة أنها باردة العواطف ومثقفة وذهنية ونسوية في نهاية المطاف. ولكنها في حبها للأديب الأميركي نيلسون اليغرين تكتب وكأنها فتاة شابة عاشقة حد الوله فتقول «حبيبي.. ليلاً ونهاراً، أشعر بأني مغلفة بحبك، أنه يحميني من كل الشرور. عندما تكون الدنيا ساخنة فإن حبك ينعشني وعندما تهب الرياح الباردة فهو يدفئني. وطالما تحبني فإنني لا أشعر بأن الشيخوخة ستصلني ولن أموت».
وهناك مقطع آخر تقول فيه:
«يا نيلسوني، إنني أحبك... وأقبلك يا عزيزي مراراً. إنني أفتقدك بحرارة كل يوم بل أفتقدك في جميع الأيام حتى عندما أكون معك». هذه الرسالة ورسائل أخرى تكشف لنا عن امرأة متطلبة ولكنها في الوقت ذاته تكشف عن الاضطراب والقلق اللذين تعاني منهما. إنها لوحة مثيرة قد تصحح لنا تلك الصورة النمطية التي تلقيناها عن هذه الكاتبة، بل إن هذه الرسائل تكشف عن امرأة حساسة وكريمة أكثر من الصورة الأسطورية التي تكونت عبر كتاباتها، وليست امرأة عنيفة بل طموحة وعقلانية وتسيطر على عواطفها ورغباتها. امرأة جريحة في صباها وتحب الحياة بعنف.
ولكنها رغم هذا الغرام الغامر، رفضت التخلي عن سارتر، بل كانت تعتبره عائلتها الوحيدة. لم تكن قادرة على التخلي عنه والعيش مع نيلسون اليغرين. وإذا كانت لا تزال تحمل الخاتم الفضي الذي أهداها حبيبها الأميركي أثناء مرورها في شيكاغو، فهي توافق على أن يتركها ولكنه لا يتحمل أن يترك المرأة التي أحبها، وأكثر من ذلك أن تشارك حياتها مع فيلسوف وجودي تعترف له وبجرأة وإخلاص عن عدم قدرتها عن التخلي عنه. وهو يعرف حق المعرفة ما اعترفت به «منذ زمن طويل، امتزج وجودنا معاً... وإنني مرتبطة به».
منيف استعرض رؤيته الفلسفية للكتابة في رسائله
«مقتطف من رسائل الأديب عبدالرحمن منيف إلى صديقه الأديب فيصل دراج»، يقول:
هل وصلنا إلى الكتابة الجيدة أو توصلنا لها؟
بحذر، ودون قلق، أقول: إننا نسير نحوها، نقترب من تخوفها، وتحتاج إلى جهد كبير ومنظم من أجل أن نبلورها، وفي جميع الميادين.
أحس الآن أن شيئاً ما يتكون تحت القشرة اليابسة. قد لا تكون ملامحه واضحة أو كاملة، وربما ليس الذي نبحث عنه أو نريده، لكنه النواة، أو منها، لابد أن تتولد أشياء كثيرة ومفاجئة.
الكتابة الجيدة، كما أفترض، تتكون بالعمل، ومن خلال العمل. ومن هنا فإن المطلوب منا كثير جداً: التفكير بطريقة غير عادية، التجريب، امتحان وسائل عديدة ومحاولة دمجها معاً، الذهاب بعيداً في عقول الناس ووجدانهم لاكتشاف نقاط الارتكاز الأساسية، إعادة قراءة التراث، أو جزء منه، لاستيحائه بطريقة جديدة، فتح قنوات بين صيغ التعبير المختلفة وتوليد أشكال غير مألوفة. وغير ذلك أيضاً، لكن شرط هذا كله الجدية. إن أحد أبرز العيوب في الكتابة السائدة أنها تفتقر إلى الجدية، وهذا مقتلها. هل نستطيع أن نفعل شيئاً مغايراً؟ أحد أسئلة التحدي.
تقول في رسالتك الأخيرة: يجب أن نتحدث عن رواية المهزوم، أو بشكل أدق علم جمال المضطهدين، لأن الوجه الآخر لشخصية المهزوم ليس المنتصر وإنما الظالم، وهذا الوجه يستحق أن يعرّى، أن يكشف أمام الجميع.
هذا الهاجس يشغلني تماماً، وأنا الآن أحشد نفسي لكي أبدأ هذه الرحلة الخطرة، فهل يمكن الوصول إلى الضفة الأخرى في جو الارتباك والتداخل واختلاط الأعداء بالأصدقاء؟ لو لم يكن الله مشغولاً بأوروبا، شرقها وغربها، لالتمست منه العون، ولرفعت عقيرتي (ما هي العقيرة؟) بالدعاء لعله في يوم عطلته يلتفت إلينا ويجنبنا ما هو آت، لكن باعتباره مشغولاً ومثقلاً فقد آثرت أن أخفف عنه وأسلك الطريق دون قيادة ودون بركات، ولنرَ ما ستأتي به الأيام.
وبانتظار أن أسمع منك المزيد، انعم بالاً وقرّ عيناً وادع الله صبحة وأصيلاً، لعلنا نرى في نهاية النفق ضوءاً، وإليك مودتي.
عبد الرحمن منيف
16 / 12 1989
من رسائل العقاد ومي زيادة
الرسائل العاطفية بين الأديبين عباس محمود العقاد ومي زيادة، لم تخلُ من الأدب، وقد بدأت حين سافرت مي إلى إيطاليا، ثم غادرتها إلى ألمانيا صيف 1925. فمن إيطاليا حمل البريد رسالة من مي زيادة إلى العقاد تصف له فيها رحلتها إلى روما، وتحدّثه عن أهم شيء في نظره، وهو المكتبات، ثم ذكرت له أنها عثرت على كتاب للأديب الإيطالي أمانويل ثم قالت له: سأحضر لك مجموعةً من صور روما العريقة في الفن والجمال والمدنية، ثم كتبت له وصفاً لينابيع العاصمة الايطالية في أربع صفحات منفصلة عن الرسالة، أرفقته بها، جعلت عنوانه (نشيد إلى ينابيع روما) وردَّ العقاد عليها في 7 يوليو/ سنة 1925 برسالة يقول فيها: آنستي العزيزة.. أبعث بهذه الأبيات من وحي رسالتك الأخيرة، هذا مطلعها:
إلى مي في روما:
آل روما لكمو منّا الـولاء
وثناء عاطر بعد ثنـــاء
وسلام كلمّا ضاء لنـــا
طالع الإصباح أو جن مساء
وحين تلقت مي أبيات العقاد، أرسلت إليه من برلين بتاريخ 30 أغسطس سنة 1925 رسالة، كانت فيها أكثر صراحة في التعبير عن مشاعرها نحوه من رسائلها السابقة، تقول فيها: عزيزي الأستاذ.. أكتب إليك من بلد كنت دائماً تعجب بشعبه، كما أعجب به أنا أيضاً، ولكن إعجابي بقصيدتك البليغة في معناها ومبناها، بها غبطة لا حدّ لها، واحتفظت بها في مكان أمين بين أوراقي الخاصة خوفا عليها من الضياع.. إنني لا أستطيع أن أصف لك شعوري حين قرأت هذه القصيدة، وحسبي أن أقول إنَّ ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرت به نحوك منذ أول رسالة كتبتُها إليك، وأنت في بلدتك التاريخية أسوان.. بل إنني خشيت أن أفاتحك بشعوري نحوك منذ زمن بعيد منذ أول مرة رأيتك فيها بدار جريدة (المحروسة) إنَّ الحياء منعني، وقد ظننت أنَّ اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك، والآن عرفت شعورك، وعرفت لماذا لا تميل إلى (جبران خليل جبران)، ثم قالت في نهاية الرسالة:..لا تحسب أنني أتهالك بالغيرة من جبران، فإنه في نيويورك لم يرني، ولعلّه لن يراني، كما أني لم أره إلاَّ في تلك الصور التي تنشرها الصحف، ولكن طبيعة الأنثى يلذ لها أن يتغاير فيها الرجال، وتشعر بالازدهاء حين تراهم يتنافسون عليها.. أليس كذلك؟
ما هي الرسالة وكيف تكتب؟
إن أبسط تعريف للرسالة الأدبية يذهب إلى أنها: نص نثري يوجه إلى إنسان مخصوص، ويمكن أن يكون الخطاب فيها عاماً، فهي صياغة وجدانية حانية مؤنسة، تتضمن عتاباً رقيقاً يظهر النجوى أو الشكوى، ويبوح الأديب خلالها بما في الوجدان من أحاسيس وأشجان، وتتوارد الخواطر فيها، لتغدو الرسالة إن قصرت أو طالت قطعة فنية مؤثرة دافعة إلى استجابة المشاعر لها، وقبول ما باحت به. أما طريقتها فهي: المخاطبة البليغة مع مراعاة أحوال الكاتب والمكتوب إليه مع مراعاة النسبة بينهما.
قال إبراهيم بن محمد الشيباني:
«إذا احتجت إلى مخاطبة أعيان الناس أو أوساطهم أو سوقتهم، فخاطب كلاً على قدر مكانته وانتباهه وفطنته. ولكل طبقة من هذه الطبقات معان ومذاهب يجب عليك أن ترعاها في مراسلتك، فلا يكتب لمن أُصيب في ماله أو عياله كما يكتب لمن فرغ باله ووفر ماله».
وقال آخر:
«إن بلاغة الرسالة تستفاد من ملاحظة مقامات الكلام وأوقاته ومراعاة أحوال المخاطبين بالنسبة إلى المتكلم واعلم أن لكل مقام مقال».
وللرسالة أنواع:
الوصايا
وهي تلك التي أرسلها الخلفاء الراشدون إلى من ولّوهم على الأمصار يطلبون منهم السير في الحكم والحرب والقضاء على طرق معينة مثلها ما يكتبه الآن حكام الدول إلى سفرائهم أو من يقومون بمهام معينة لهم.
الرسائل الشخصية
وهي تنقسم إلى:
- الذاتية: وهي التي يكتبها الشخص إلى صديقة أو قريبه، وتسمى بالرسائل الأهلية ويعبّر فيها الكاتب عن نفسه تعبيراً حراً بلا قيود.
- الأدبية: وهي تلك الرسائل التي يرسلها أديب إلى أديب آخر مناقشاً إيّاه أو متحدثاً في قضية أدبية أو عن خبرته في عصر من العصور وهذه يجب نشرها بعد وفاة صاحبها خدمة للأدب بعد استبعاد ما يسوء منها.
الرسائل الرسمية
وهي التي ترسلها إدارة من الإدارات أو هيئة من الهيئات إلى فرد من الأفراد أو العكس.
تتكون الرسالة من العناصر التالية: البسملة، المرسِل، المرسَل إليه، السلام، المحتوى، الخاتمة، التاريخ، العنوان.
وتختلف تلك العناصر حسب أنواع الرسائل، كما يختلف ترتيبها كذلك.
الأدباء العرب والرسائل الأدبية
ما نشر من رسائل الأدباء يعد ضئيلاً إذا ما قيس بما لم يتم نشره ؛ ربما لأن تلك الرسائل تنطوي على أسرار لا يجوز إفشاؤها لما يسببه نشرها من حرج لمرسلها، علاوة على أن معظم الأدباء يرون أن نشر المؤلفات وتدبيج المقالات أهم من نشر الرسائل التي قد تجلب لهم بعض المشكلات مع أصدقائهم، ولا تعود بالفائدة على القارئ.
هناك من يرى أن تعدم الرسائل الأدبية باعتبارها «أوراقاً خاصة» من هذا الفريق الأستاذ وديع فلسطين، يقول: ( مذهبي الذي لا أتنكبه أن البريد الأدبي حتى وإن تناول شؤوناً وشجوناً عامة، هو في النهاية مكاشفة شخصية بين صديقين لها خصوصيتها الحميمة، التي لا يسعني تلقاءها إلا الدعوة إلى طي هذا البريد ودفنه بإكرام ).
وهناك من يرى غير هذا الرأي كالأديب نقولا يوسف ( 1904 - 1976 ) يقول: ( لا، ولست من القائلين بإعدام هذه الرسائل باعتبار أنه لم يقصد بها النشر، فهي بعض من آثارهم لا يقل قيمة عن ملابسهم المحفوظة في المتاحف مثلاً، ومازلت أرى في نشر ما لدي من رسائل الأدباء فوائد أدبية للدارسين والنقاد والقراء جميعاً).
نشير إلى أبرز الرسائل الأدبية التي جمعت في كتب أو نشرت من خلال الصحف والمجلات:
رسائل أحمد تيمور باشا إلى العلامة الكرملي، نشرها وحققها كوركيس عواد وميخائيل عواد، رسائل جبران، نشرها جميل جبر، رسائل أمين الريحاني، نشرها ألبرت الريحاني، رسائل مي زيادة وأعلام عصرها، نشرتها سلمى الحفار الكزبري، رسائل جبران إلى مي زيادة ( الشعلة الزرقاء )، نشرتها سلمى الحفار الكزبري والدكتور سهيل بشروئي.
رسائل بدوي الجبل، نشرها صديقه أكرم زعيتر، من رسائل العقاد، نشرها الأستاذ محمد محمود حمدان، رسائل الخليل، وهي الرسائل التي تلقاها من بعض أدباء عصره، نشرها نجله الأستاذ عدنان مردم، رسائل بدر شاكر السياب، نشرها ماجد السامرائي، وثائق من كواليس الأدباء، نشرها توفيق الحكيم.
وهناك رسائل أنور المعداوي إلى فدوى طوقان، نشرها رجاء النقاش والدكتور علي شلش، رسائل غسان كنفاني، نشرتها غادة السمان، رسائل نزار قباني، نشرتها سلمى الكزبري، رسائل نازك الملائكة إلى عيسى الناعوري، نشرها وحققها تيسير النجار، رسائل الشابي إلى صديقيه محمد الحليوي والبشروش، نشرها أبو القاسم محمد كرو، رسائل طه حسين ومعاصروه، نشرها نبيل فرج.