تفاصيل تاريخ البلد ومفردات تراثه تعد من المكتسبات الوطنية الغالية التي لا تفريط فيها، لأنها تشكل بصمة الذات والهوية المميزة للمجتمع، ولذلك توضع الشؤون المرتبطة بهذا الجانب عادة تحت حراسة عيون ساهرة وحاذقة ذات خبرة وعلم، من أجل المحافظة على هذا الماضي النفيس بمسؤولية لا تقبل التزييف أو المبالغات التي تدحضها الدراسات المنهجية اللاحقة.
فالفرق بين الخرافة والحقيقة كالفرق بين الحق والباطل، لذا فلابد من التعامل مع الأمر بجدية.
وليس كل من سبق في مجال تسجيل وتوثيق حقائق التاريخ وجمع مفردات الفولكلور الشعبي، هو بالضرورة من (يأكل نبق) الريادة والتعظيم، لأن من شروط وأصول الـتأريخ والتوثيق، قيام مشروع التأليف على الأسس العلمية المنهجية المتعارف عليها في دوائر البحث والدراسات الأكاديمية، وهذا عمل له رجاله ونساؤه.
ودائماً الحقيقة أهم وأولى من النوايا الطيبة التي يتمتع بها بعض المبادرين غير المؤهلين للاضطلاع بهذا الدور الوطني والأخلاقي، حيث لا يملكون لذلك سلاحاً إلا المحبة والغيرة والإخلاص وهذه كلها قيم جميلة ومقدرة، ولكنها لا تكفي ولا يعول عليها في هكذا قضايا.
إن توثيق ورصد تاريخ وتراث الإمارات من الميادين التي خاض فيها قلة من المهتمين، ولكنهم على قلتهم أصابوا وأخطأوا وتعجلوا أحياناً ويبقى أنهم اجتهدوا، غير أنه وفي الآونة الأخيرة ظهرت أصوات من شخصيات مهمة في الساحة أخذت تنادي بضرورة ( فلترة) ونقد ومراقبة المؤلفات التوثيقية التي بدأت تتزايد شيئاً فشيئاً في الآونة الأخيرة متخذة تاريخ وتراث الدولة محوراً لإصداراتها.
خصوصاً في ظل بعض التشويه الذي لمسه كل من جمال بن حويرب وعبد الغفار حسين بعد أن اعترى كتباً عديدة صدرت في السنوات الأخيرة تشتمل على مبالغات ظنية غير متكئة إلى أسانيد كافية تكون مقبولة من الناحية العلمية بشروطها التقليدية المعروفة.
«البيان» وفي إطار انفعالها بالقضايا الوطنية المهمة التي تصب في رصيد هذا الوطن، رصدت تلك الدعوات وطرحتها أدناه عبر صفحاتها تسليطاً لمزيد من الضوء وتوسيعاً للحوار، باتجاه مزيد من العناية حيال ماضي دولة بدأت سريعاً تأخذ مكانها في صدارة المنطقة، بما يلفت الأنظار نحو تاريخها المكون والباعث لهاتيك الروح الوثابة نحو العلا والمجد الماثل بين ظهرانينا.
لقد التقطنا القفاز من أيدي الحادبين على حقائق مكونات ماضي وتراث الإمارات وأعددنا هذا الملف فاتحة حوار واسع لا ينتهي بانتهاء جلسة أو صفحة، فهو حديث تاريخ وثقافة وماض تليد نعتز به ونستثير حقائقه. وحيث إن عبد الغفار حسين أحد أعمدة الحراك الثقافي والاجتماعي البارزين في ساحة الإمارات كان ممن تطرقوا صراحة لهذا الشأن، فقد كان لابد أن نصغي لرأيه حيث يقول..
طلب الدقة
أشيد أولاً بالكتب الجادة والرصينة التي جرى تأليفها حول تاريخ وثقافة الإمارات من جانب مختصين جادين يعول على إفاداتهم لأنها تستوفي الشروط المنهجية المطلوبة في هذا الشأن، ثم أشير إلى أن هذا الأمر الذي طرق مراراً من قبل انبعث من جديد في الآونة الأخيرة من خلال مجلس جمال بن حويرب في دبي.
ولعلها سانحة لتأكيد أن هذا الأمر بالفعل مهم وحيوي، إذ هناك بالفعل كتب تصدر وتتعلق بتاريخ الدولة ولنا عليها ملحوظات تستدعي عرضها على جهة مختصة ورسمية تضم عناصر لها إلمام تام بتاريخ وتراث الدولة لكي تقول كلمتها بشأنها.
وحول الجهة التي يقترح أن يعود إليها الأمر الفصل في هذه القضية قال عبد الغفار حسين: يمكن تشكيل هيئة تشترك في تكوينها وزارة الثقافة وتنمية المعرفة والمؤسسات المعنية بالتراث في الدولة، ولدينا أسماء كثيرة يمكن تكليفها بهذا الدور، ولا بأس من أن تضم هذه الهيئة عناصر متخصصة من غير الإماراتيين.
مساعدة المؤلفين
وعن الإجراء الذي من أجله يقترح إيجاد هذه الهيئة يقول: أي مؤلف يريد نشر كتاب في تاريخ وتراث الدولة يحال مؤلفه إلى لجان هذه الهيئة المتخصصة من أجل فحص كتابه بدقة من حيث الإفادات والمعلومات الواردة فيه ومدى صحتها ودقتها وسندها العلمي، على أن يتم تصحيح أي خطأ وإضافة أية معلومات ناقصة تعزز محتوى الكتاب وموضوعيته، وفي هذا كما ترى فائدة للمؤلف نفسه وللمتلقي وللوطن وللمعرفة الإنسانية.
وعما إذا كانت هناك شخصيات ثقافية تسعى للمطالبة بهذه الهيئة قال عبد الغفار، إن جمال بن حويرب يقوم حالياً بالتواصل مع الجهات ذات الصلة لتحقيق هذا الغرض.
عنترة ليس من الإمارات
وفي معرض إجابته عن سؤالنا المتعلق بعناوين الكتب التي أثارت هذا الجدال قال، عبد الغفار حسين: يمكننا عمل كشف بعناوين هذه الكتب إذا طلب منا ذلك، وأذكر لك مثلاً كتاباً صدر أخيراً يذكر فيه المؤلف أن عنترة بن شداد كان من سكان الإمارات أو أنه عاش على هذه الأرض، هو يريد إعطاء مؤلفه رونقاً وإثارة، لأن عنترة وقبيلته عبس كلها عاشت في نجد كما هو معلوم، ويمضي عبد الغفار معلقاً على هذا المؤلف: من جانبي قلت إن هذا الكتاب لا طائل من ورائه.
وأضاف: ثمة كتب أخرى تهتم بقبائل الإمارات والانتساب إليها، وهذا علم لا طائل من ورائه، حيث يقول رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ ما معناه: إنه لم لا فائدة من معرفته ولا ضرر من الجهل به، لماذا لأنه يريد أن يبني مجتمعاً مدنياً، لا يعول فيه على القبائل والتفرقة بين الناس على أساس نسبهم القبلي.
ويوضح عبد الغفار أن تلك الكتب التي بها أخطاء ليست حصراً على مؤلفين غير إماراتيين فقط، بل هنالك مؤلفون إماراتيون أيضاً وقعوا في أخطاء واعتمدوا على استنتاجات وتخمينات يجب مراجعتها ونقدها.
ويقرر عبد الغفار حسين أنه لا يمانع من إشراكه ضمن لجان هذه الهيئة إذا وقع عليه الاختيار، لأنه عمل وطني يتشرف بأن يقول به مع المختصين ذوي الكفاءات، ولكنه في الوقت ذاته يؤكد أنه ضد إبادة الكتب أو مصادرتها حتى لو كانت تضم أخطاء، ولكن يمكن تصويبها في طبعات جديدة بناء على توجيهات الهيئة المشار إليها. ويختم حديثه قائلاً: كما أن لكل مجتهد نصيباً، فإنه أيضاً ليس كل مجتهد مصيباً.
عمل وطني
أما المؤرخ والمستشار جمال بن حويرب، الذي يعد من أبرز المهتمين بتراث وتاريخ الدولة، فقد كان من أقوى الدعاة إلى التصدي لهذه الظاهرة، وهو ممن طالبوا بإيجاد جهة رسمية مرجعية تسند إليها مهمة اجازة الكتب المرتبطة بتاريخ وتراث الإمارات، وقد استطلعنا رأيه فبدأ بشكر «البيان» على فتحها هذا الملف المهم وطرحها عبر صفحاتها موضوعاً يعتبر عملاً وطنياً بامتياز.
ومضى قائلاً: إن التاريخ كما هو معلوم، حقائق وإفادات ذات دلالة، تستند إليها الأجيال مستقبلاً، كما تنبني عليها الدراسات، كما أن الحقائق لابد أن تكتب بمسؤولية أكاديمية صحيحة، وهذا بالضبط ما نرجو أن يتحقق إزاء تاريخنا الذي لم يبدأ بميلاد الاتحاد، وإنما يضرب بجذوره عميقاً، على مدى قرون.
لذلك نقول ونؤكد، إنه يحتاج من أجل استجلاء تفاصيله إلى كثير من الجهد وتحري الدقة، ولابد من عرض كل المؤلفات التي تتعرض له إلى الفحص من جانب لجنة مختصة من المؤرخين المعتمدين رسمياً، ويمكن أن يتم هذا من خلال الأرشيف الوطني مثلاً.
أهمية النقد
ومن جانب آخر فإن مما نتطلع إليه بهذا الصدد هو قيام مؤرخين ثقات بنقد أي كتاب تاريخي يصدر عن الإمارات بغرض تبيين صوابه من خطله، حتى لا تبقى الكتب التي تشوه تاريخ الدولة أو تزيف الحقائق من دون مساءلة نقدية أكاديمية جادة. فهذه ضرورة معرفية لا غنى لأحد عنها.
ويقول بن حويرب: لدينا في الإمارات والحمد لله كفاءات كثيرة، من مؤرخين وأكاديميين يستطيعون أن ينقدوا بموضوعية علمية أي كتاب يصدر عن تاريخ الدولة، ولهذا عقدنا ندوة بهذا الشأن في مجلسنا حضرها وشارك فيها نخبة من المختصين المعروفين منهم عبد الغفار حسين.
ويبين أن: القضية المركزية هي أن الكتب المؤلفة عن تاريخ الإمارات بدأت تكثر، ولذا فيجب أن تكون هناك جهة تميز الغث من السمين والحق من الباطل بشأنها.
ويضيف: من المهم أن أشير إلى أن هناك كتباً عن تاريخنا تنشر خارج الدولة أحياناً وكتباً أخرى لا تخلو من المثالب والمآخذ تصدر حتى داخل الدولة سواء قام بتأليفها وافدون أو إماراتيون، فنحن لا نوجه تحفظنا واهتمامنا بهذا الموضوع إزاء غير الإماراتيين فقط، وإنما نريد أن نرسي قاعدة عامة، لأن العبرة بالمنتج، وما ينطوي عليه، وليس بالمؤلف ومن يكون.
نحن من جانبنا سوف نناقش هذه الكتب المشار إليها واحداً تلو الآخر، لأن ذلك واجب معرفي ووطني وأخلاقي، وسندعو لهذه المهمة أهل الاختصاص.
فحص بأثر رجعي
ويضيف بن حويرب: لكننا في الوقت ذاته ندعو المختصين للقيام بدورهم في التصدي لكل الأعمال المنشورة نقداً وتمحيصاً لتبيين محاسن وعيوب كل كتاب، نقداً موضوعياً دون تجريح أو تحامل، لأن المهم هو الحقيقة والمعلومة الصحيحة.
بل وندعو أن يكون هذا النقد بأثر رجعي، بمعنى ألا ينحصر في المؤلفات الجديدة فقط، وإنما يشمل كل ما سبق، ونحن بهذا سنساعد المؤلفين أنفسهم للوصول إلى الحقائق والمعلومات الصحيحة ونقطع الطريق أمام الاستنتاجات والتخمينات الجزافية.
إنه عمل تكاملي وتعاوني لمصلحة المعرفة الخالصة بأمانة علمية، ونحن في وطن يعلي من شأن المعرفة والعلم بما أرسته القيادة الرشيدة من تقاليد وأسس مشهودة بهذا الخصوص. فإذا كنا بصدد تشجيع القراءة فإن النقد يدعم هذا التوجه ويعززه، لأنه يوفر المادة المعافاة والصالحة للقراءة المجدية.
ويشير بن حويرب إلى عدم استهداف أحد بهذه الخطوة: إننا لا نستهدف أحداً ولا نقف في طريق البحث والتأليف ولكن ليس هناك كتاب مبرأ من الوقوع في الزلل إلا كتاب الله تعالى، ولذلك فإن كل كاتب مؤلف يحتاج إلى من ينبهه ويناقشه ويضيء ويوفر له معلومات قد تغيب عنه أثناء التأليف.
وهكذا يصل بن حويرب إلى خلاصة مفادها أنه: يجب أن ننطلق، نحو جدية المراجعة والتمحيص والوقوف على كل ما تحتويه المؤلفات المتعلقة بتاريخ الإمارات لاستخلاص المعلومات والحقائق الصحيحة عبر ما اقترحناه من لجنة رسمية من جهة وكذلك قيام الخبراء بدورهم النقدي الشامل والمعمق دون تجريح أو تجريم.
تحفظات حول الفكرة
الباحث الإماراتي في شؤون التاريخ والتراث ناصر العبودي يذهب في اتجاه آخر، فهو يتحفظ على الفكرة (!) لأنها في نظره تثبط همة الباحثين بدلاً من شكرهم وتشجيعهم، يقول متسائلاً: هل فكروا في حجم الدعم المقدم لهؤلاء الباحثين الذين يقعون في تلك الأخطاء التي يراد تلافيها؟ هل تعلمون أنه لا يوجد مقابل مالي مقدر يشجع على التأليف في تراثنا وتاريخنا؟ أليس هذا أهم من الاعتراض عليهم، أعني تمكينهم بدلاً من الاحتجاج عليهم؟.
ويستدرك ناصر العبودي: نحن مع الدقة وبذل الجهد في تحري المعلومة الصحيحة والمصداقية فهذا كله أمر طيب نؤيده وهو من شروط التأليف القيم الذي يتطلع إليه كل كاتب وباحث، ولكن هؤلاء الباحثين يكونون أحياناً بمستويات ثقافية متفاوتة، ففيهم الأكاديمي، وبينهم حملة بكالوريوس في التاريخ، ومنهم المثقف الغيور القادم من مجال علمي مغاير ومنهم من هو أقل من ذلك.
وكل واحد منهم يجتهد بدافع الغيرة وتكون حصيلته بقدر وسعه، فهل نمنعه من الاجتهاد؟، وهل في المقابل قمنا بدورنا وفرغنا مختصين يعول عليهم ودفعنا لهم ما يستحقون ليقوموا بهذا المهمة؟ أم فقط نسارع إلى اعتراض سبيل المجتهدين، أين دورنا الآخر في التشجيع من خلال رصد الميزانيات السخية لدعم هذا العمل الوطني الكبير؟ من هنا يتحفظ العبودي على المبادرة ويعتبر تحلق بجناح واحد يضعها في خانة السلبية والاعتراض فقط.
معلومة مدوية
ويفجر العبودي معلومة مدوية حين يزعم أنه لا يوجد قانون يمنع نشر الكتب التي تكتنفها أخطاء في المعلومات التاريخية أو بها ضعف، ولذلك فهو يدعو إلى إيجاد هذه الجهة أولاً، مشيراً إلى أنها ليست مهمة سهلة، لأننا حينئذ نحتاج إلى مئات المراجعين المختصين في مجالات الأنثروبولوجيا والبيئة والمناخ والجغرافيا والآثار والطب والفنون والموسيقى واللؤلؤ فضلاً عن التاريخ واللغة والسياسة والعلوم..،
فهذه كلها معارف يجب اصطحابها أثناء تدقيق كتب التاريخ والتراث والأدب والفنون التي نبحث عن أخطائها، أم ما هي الأخطاء التي سنكتفي بها؟ حيث إن تاريخنا وتراثنا في كل أوجه الحياة البحرية والبرية والجبلية و.. الخ
ويضيف العبودي: إن هؤلاء المراقبين المنتظرين ينبغي أن يكونوا أوسع علماً من المؤلف، ولا ينبغي أن يدقق شخص واحد المعلومة التي تقع في أي مجال من المجالات التي ذكرناها وإنما يجب أن يكون هناك ثلاثة خبراء في كل حقل معرفي ليؤخذ برأي اثنين منهم، تجنباً للقرارات الكيدية أو الأخطاء التي قد يقع فيها الخبير نفسه!
ويختم العبودي بالقول: كونوا جاهزين لتكاليف مالية غير متوقعة.
التاريخ نبراس الأجيال
الشاعر المعروف، راشد شرار، يرى أن الأمم لا يمكن أن تنهض بغير تاريخ، أو أن تقوم بغير ذاكرة؛ فالتاريخ هو ذاكرتها ومرآتها وسيرتها، يجسد ماضيها ويعكس شخصية الشعوب عقيدة وثقافة وحراكاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، ويترجم حاضرها، وتستلهم من خلاله دروس مستقبلها. لذا عنيت به الدول وأولته جل اهتمامها لتوثيقه وتدوينه والحفاظ عليه، ونقله للأجيال نقلاً صحيحاً، بحيث يكون نبراساً وهادياً لهم في حاضرهم ومستقبلهم؛ فالشعوب التي لا تاريخ لها لا وجود لها.
يقول شرار: كثيرة هي الكتب التي تحدثت عن تاريخ المنطقة عامةً والإمارات خاصةً. ومما لا شك فيه أن معظم الكتب التي تناولت تاريخ الإمارات استقت معلوماتها الأساسية من مصدرين أساسين: الأول صدور الرواة وشهود العصور الماضية ممن عاشوا خارج سجلات التقارير المدونة والمسؤولين السياسيين، وهي شهادات وحكايات قد تكون متضاربة شابها شيء من التحريف في كثير من الحالات.
والمصدر الثاني ما كتبه الرحالة والمستشرقون الذين زاروا المنطقة أمثال لوريمر وكتابه «دليل الخليج» (1914)، وأرنولد ولسن (1954م)، وندل فيلبس في كتابيه «قتبان وسبأ» (1955م) و«عمان» (1966م)، والسير وليم لوس وكتابه «بريطانيا والخليج العربي» (1967م)، وتيموثي غرين وكتابه «عالم الذهب» (1968م)، وكيلي في كتابيه «بريطانيا والخليج» (1968م) و«الحدود الشرقية للجزيرة العربية»، والسير روبرت هاي في كتابه «دول الخليج »، والسير دونالد هاولي في كتابه «الإمارات». وغيرها من الكتب التي اهتمت بالمنطقة.
ويضيف، راشد شرار، أنه قد تطرقت معظم كتابات هؤلاء سواء الذين عمل منهم مندوباً للحكومة البريطانية أو جاء رحالة لزيارة واكتشاف المنطقة إلى موضوعات تتعلق بشكل أو بآخر بتاريخ المنطقة، وجغرافيتها، وعدد سكانها، والطقس وطبيعة الأرض الجيولوجية، والواحات والصحراء، وجزر الخليج، والقبائل العربية وأصولها وأماكن وجودها، وأنواع النخيل والأشجار، والمقاييس والمكاييل والحيوانات والسفن المحلية أشكالها، ونصوص المعاهدات التي عقدتها بريطانيا طوال فترة وجودها بالمنطقة، ورصد بعض التحركات القبلية أو استقصاء أخبارها من مصادر ربما تكون غير موثوقة.
جهود مشكورة
وإذا اعتبرنا أن بعض هذه الكتابات تأتي من منظور الشمول دون الخوض في التفاصيل، وفي نفس الوقت تكرس للمصالح الاستعمارية البريطانية. فإن الأمانة العلمية تحتم علينا الاعتراف بسبق الريادة لأولئك الذين اهتموا بتوثيق جانب مهم من تاريخ الإمارات والخليج بشكل عام في وقت انعدم فيه التدوين.
وإذا كنا نتحدث عن تشويه بعض الحقائق والمعلومات في كتب التاريخ التي تناولت دولة الإمارات وتراثها. والتي كتبها باحثون غير إماراتيين في فترة من الفترات بسبب عدم وجود مؤرخين إماراتيين يتولون هذه المهمة.
فإنه في البداية لابد ألا ننكر هذه الجهود التي كان لها السبق، والتي فتحت مجال للبحث والدراسة والتقصي والتساؤل. ونؤكد أن التاريخ ليس مجموعة من القصص والروايات تروى للتسلية أو لتسجيل الوقائع والأحداث وعرضها دون تدقيق أو دراسة.
التاريخ وجد ليؤدي مهمة جليلة في حياة الأمم، ولا يعني هذا تزوير التاريخ لإعطاء صورة وضاءة وإبراز الأمجاد والبطولات وحدها؛ فهذا ليس هو المطلوب، إنما المطلوب أن يبرز هوية الوطن، وانتماء الشعب الذي عاش على هذه الأرض وتعامل مع كل الظروف والأحداث، بما صاحبها من صعود وهبوط، وتطور وازدهار وعطاء وجهد.
وقد تم تدوين هذا التاريخ لنأخذ منه العبرة والعظة ونستفيد منه في تربية الأجيال وتنوير الأمة والدفع بها إلى الأمان.
دعوة لكتابة التاريخ
ويختم شرار حديثه قائلاً: من المهم أن تتبنى المؤسسات المختصة بالدولة على كل مستوياتها، ورجال الفكر والسياسة والمعنيين بكتابة تاريخ الإمارات إخضاع كل ما تناولته الكتب التي صدرت وشابها بعض التشويهات إلى إعادة التدقيق والتحقيق والدراسة وإماطة اللثام وكشف النقاب عن مثل هذه المغالطات وإظهار ما يهدمها من حقائق، وتصحيح المعلومات في الطبعات المقبلة حتى لا تترسخ في عقلية أجيال المستقبل.
رأي آخر متحفظ على الفكرة
د. حمد بن صراي أستاذ التاريخ بجامعة الإمارات أفاد بقوله: مما لا شك فيه فإن ميدان التراث ميدان واسع ويتطلّب جهوداً فردية وجماعية، وشخصية وحكومية لكتابته وتدوينه وتسجيله. وقد كانت الأمور قبل أكثر من 15 سنة أصعب من حيث وسائل التسجيل والتدوين والمتابعة.
وفي تلك الفترة كتب في تراث الإمارات العديد من الكتّاب والمؤلِّفين من المواطنين والعرب والأجانب، وكلّ أدلى بدلوه في هذا الميدان الخصب. وفي حقيقة الأمر إن إجراء التوازن بين تلك المصنَّفات يتطلّب أيضاً جهوداً في التدقيق والمراجعة.
ويضيف بن صراي: الآن نحن أمام أمرين كما يبدو من هذا التحقيق: الأول: هو التضييق على الباحثين بحيث لا يتم إجراء دراسة لها علاقة بتراث الإمارات إلا بعد مراجعة لجان مختصّة تقوم بتقويم مثل هذه الدراسات فنكون بالتالي منعنا بعض الباحثين المتحمّسين.
الأمر الثاني: أن نترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لكل مَن أراد أن يكتب أو يدوّن أو يسّجل أو يبحث، فيتزاحم بالتالي ميدان التراث ويكتظّ بالكتّاب الهواة وغير المتخصّصين.
نقطة توازن
يقول حمد بن صراي: في رأيي يجب أن نكون منصفين فلا نغلق ولا نضيّق وفي الوقت نفسه لا نسمح لكل مَن هبّ ودبّ أن يكتب في تراثنا من دون وعي وإدراك، ومن هنا لو تمّ تشكيل لجنة لمراجعة وتقويم ما يتم إصداره في ميدان التراث عليها أن تقف موقفاً محايداً وموضوعيّاً وتضع أحكاماً وشروطاً محتملة من قِبل الباحثين على ألا تضيّق على المجتهدين.
وكذلك علينا أن نحدّد تعريفاً علميّاً للتراث المراد تقويمه ومراجعته، كما علينا أن ننتبه إلى أن ميدان الكتابة في التراث ميدان واسع جدّاً، وتكثر فيه التفسيرات والمصطلحات والأفكار والرؤى والتعريفات، وهو متشعّب لدرجة كبيرة أيضاً. ومن هنا علينا ألا نقدّس التراث ونمنع عنه الباحثين الجادّين، وكذلك علينا تلمّس طريق هذه اللجنة ومهامها.
مثال ملهم
يقول جمال بن حويرب: أريد أن أعطي مثالاً ملهماً هنا بخصوص وقوع بعض المؤرخين في الالتباس أحياناً والخطأ أحياناً، فقد كشف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، خلال محاضرته الشهيرة (روح الاتحاد) عن حقائق كانت غائبة عنا جميعاً، حيث صوّب لنا أخطاء كانت شائعة على نطاق واسع تتعلق بمعلومة مفصلية في تاريخنا المعاصر، وذلك حينما أوضح أن اتفاقية الاتحاد إنما أبرمت في «سيح السديرة» وليس في السميح كما هو متداول.
لمحة من إسهامات أحمد راشد البحثية
يقول الباحث والشاعر الإماراتي أحمد محمد عبيد: لقد كان الشاعر والباحث الراحل أحمد راشد ثاني، أحد أكثر باحثي الدولة نشاطاً وجهدا وغزارة ودقة في الثقافة الشعبية الخاصة في الإمارات، خاصة الثقافة الأدبية منها، وقد ترك، رحمه الله، نتاجاً متميزاً في كتب مطبوعة ومخطوطة عدة، والمطبوعة هي: ابن ظاهر.. بحث توثيقي في سيرته الشعبية، حكايات من الإمارات.. في أجزاء ثلاثة هي: حصاة الصبر، دردميس، وإلا جمل حمدان في الظل بارك، رحلة إلى الصير.
أما المخطوطة فهي: بين المشافهة والكتابة.. حالة الإمارات، تحقيق وتعليق على كتاب الشعر الشعبي في دولة الإمارات لأحمد أمين المدني، ديوان محمد بن صالح المنتفقي (تحقيق).
وقد وافاه الأجل وهو في بداية مشروع كتاب اشترك معه في تأليفه هو ثقافة الطعام في دولة الإمارات وسوف أكمله بإذن الله عز وجل، وهذه الكتب تدل على تنوعه في اهتماماته بما يخص الثقافة الشعبية، من خلال محاور ثلاثة أساسية هي: توثيق الثقافة الشعبية، وتوثيق الشعر الشعبي وتحقيقه، وتوثيق الحكاية الشعبية.
مطلب ملح
ويضيف أحمد محمد عبيد: كان توثيق الثقافة الشعبية مطلباً ملحاً عند أحمد راشد ثاني، كون هذا التوثيق تمهيداً لدراسات أخرى تتعلق بالشعر الشعبي، ويعد كتابه المخطوط بين المشافهة والكتابة.. حالة الإمارات أكثر هذه الكتب التي عنيت بالثقافة الشعبية المباشرة وارتباطها بجوانب أخرى كالشعر الشعبي، وهذا الكتاب في الأصل دراسات عدة نشر أكثرها في الصحف المحلية.
وقد شغلته فيه قضية ثقافية مهمة حاول أن يسلط كثيراً من الضوء عليها باعتبارها طريقاً ممهداً لفهم مراحل كتابة مخطوطات تراث الإمارات وشخصيات أعلام الكتابة فيه، كان انتقال الحالة الثقافية للمجتمع من مرحلة الشفاهية والحفظ والرواية إلى مرحلة التدوين، خاصة مخطوطات الشعر الشعبي، باعثاً على أن يتناولها في فصول خمسة شملها هذا الكتاب المهم.
فيذكر أنه إذا كان المرء لا يعرف إلا ما يمكنه تذكّره فإن المتعلم في المجتمعات المعاصرة يدرس معرفةً قد تم جمعها وتدوينها له بصورة مكتوبة، وهو لكي يتذكر أو يعرف أكثر، ما عليه إلا العودة إلى تلك النصوص، وإذا ما كان هذا الحال في المجتمعات الكتابية، فكيف كانت المجتمعات الشفاهية التي لا تعرف الكتابة إطلاقاً أو تلك التي لم يترسخ فيها الوعي الكتابي؟ (بين المشافهة والكتابة.. حالة الإمارات ص5).
كان هذا مدخلاً في نظر عبيد، لأن يتناول أحمد راشد ثاني مصطلح الرمسة بين الشاعر والراوي والمنشد، باعتبار هذا المصطلح هو الأساس الذي تقوم عليه حركة المشافهة المتنقلة بالرواية من فم إلى فم، سواء أكان هذا الشخص راوياً عادياً أم شاعراً أم شخصاً مهتماً بالشعر.
فالرمسة في اللهجة الشعبية هي جلسة التحدث والكلام ومن معانيها بالفصحى: الصوت المخفي، إن الرامس أو الرماس أو الراوي أو المؤدي يشكل مع الشاعر حلقة متصلة، فالشاعر يتعلم إن صح القول فنون الشعر ويتلقى قصائد من سبقوه من الرامسين الرواة الذي ينضم إلى حلقاتهم منذ الصغر (بين المشافهة والكتابة ص8).
مسارات
الأرشيف الوطني حصن التاريخ المنيع
الأرشيف الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة (المركز الوطني للوثائق والبحوث سابقاً)، هو المؤسسة المعنية بتوثيق التاريخ الإماراتي، ويتبع لوزارة شؤون الرئاسة، ومقره في العاصمة أبوظبي.
وهو من المؤسسات التوثيقية الرائدة للتعريف بتاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة شعباً، وأرضاً، وتراثاً خاصة، وتاريخ منطقة شبه جزيرة العرب عامة، وقد وضع على عاتقه مسؤولية النهوض بمهمته الحيوية في البحث والتنقيب في مصادر تاريخ هذه الأمة.
أنشئ الأرشيف الوطني عام 1968 باسم “مكتب الوثائق والدراسات” بتوجيهات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وكان يتبع الديوان الأميري. وحددت أهدافه بجمع الوثائق والمعلومات المتعلّقة بتاريخ شبه الجزيرة العربية وثقافتها عامة ودولة الإمارات العربية المتحدة خاصة من مصادرها الأصلية في البلاد العربية والأجنبية، وتوثيقها وترجمتها.
وتم تغيير اسم المكتب إلى مركز الوثائق والدراسات عام 1972، ثم صدر القانون الاتحادي رقم 7 لعام 2008 الخاص بإنشاء المركز الوطني للوثائق والبحوث، ثم القانون الاتحادي رقم 1 لعام 2014 بتغيير الاسم إلى الأرشيف الوطني.
تولّت عدة جهات رسمية الإشرافَ على الأرشيف الوطني منذ إنشائه: الديوان الأميري في أبوظبي أعوام (1968-1971)، ثم وزارة شؤون الرئاسة في أبوظبي أعوام (1971-1975)، وديوان رئيس الدولة أعوام (1975-1978)، ووزارة الخارجية (1978-1983) ثمّ أُلحق بالمجمع الثقافي (1983-1999)، ثم ديوان رئيس الدولة (2000- 2004م)، ثم وزارة شؤون الرئاسة مرة أخرى منذ 2004 وحتى تاريخه.
قصر الزباء برأس الخيمة حير الباحثين وأثار التكهنات
وجود الملكة الزباء ضمن تاريخ رأس الخيمة فرضية مثيرة ألهمت الباحثين والرواة الشعبيين وحيرت الجميع، هل هي الزباء المعروفة في التاريخ العربي وهي مرتبطة ببلاد الشام، وصلت إلى رأس الخيمة وكانت لها آثار حضارية وتاريخية في المنطقة، أم هي زباء أخرى.
الشاهد أن الزباء اسم بدوي موجود إلى اليوم في رأس الخيمة بالذات، وله صداه في مختلف أنحاء الإمارات، وهناك قصص وأحاديث وتفسيرات وخرافات عن ملكة أتت من مناطق بعيدة وسكنت رأس الخيمة وبالذات في منطقة شمل، واختارت لها موقعاً فريداً ومهماً أعلى الجبل لتشاهد من حصنها أو قصرها البحر وتراقب الحركة التجارية الآتية من شمال الخليج والمتجهة إلى البلاد الهند والصين.
الاسطورة والواقع
لم تكن الآراء عن الزباء روايات شعبية أو من نسيج الخيال فقط بل إن الكثير من الكتاب والباحثين من أبناء المنطقة أو العرب أشاروا إلى أن الزباء وكتاباتهم كانت مؤكدة في بعض الأحيان من أقامتها في أعلى الجبال.
هذه الروايات الشعبية والكتابة التاريخية من قبل العرب حفزت بعض الغربيين على البحث عن حقيقة هذا الاسم لأميرة أو ملكة عربية حكمت أو عاشت في المنطقة، فزاروا الموقع وفحصوه ودرسوه وكتبوا عنه، ويكاد يكون الاهتمام العلمي الغربي المنظم متفوقاً بدرجات كثيرة عن الاهتمام العربي المعتمد على الأقوال والروايات والأساطير.
على الجبل
وحول مكان وموقع آثار القصر يقول الدكتور عبدالله الطابور: يقع (قصر الزباء) في الشمال الشرقي لمدينة رأس الخيمة، وعلى جبل مرتفع نسبياً تحيط به الجبال القصيرة التي تشكل سلسلة جبال عُمان، ووجود هذا القصر في هذا المكان كان لضرورة أمنية، إذ إن الجبال تكون حامية له من الخلف.
وارتفاعه يتيح له المراقبة القوية من جميع الجهات وخصوصاً من ناحيتي الشمال والجنوب، ويبدو أنه كان يضم قلاعاً لحمايته وهذا الأسلوب في البناء كان موجوداً في الإمارات العربية المتحدة حتى فترات قريبة جداً كما هو موجود في جميع الدول الخليجية المجاورة.
مراقبة البحر
واتخاذ القصر وبناؤه في هذا المرتفع يتيح فرصة المراقبة الكاملة والقوية من جميع الجهات وخصوصاً شماله وجنوبه، ويبدو سابقاً أن البحر كان أمامه مباشرة، إضافة إلى كونه يشرف على حركة البحر، وما المنطقة الرملية الممتدة اليوم بحوالي أقل من الكيلومتر طولاً إلا ترسبات بفعل الأمواج وتيارات البحر التي تدفعها إلى الشاطئ، وهذا ما أكدته البعثة العراقية التي عملت في حقل الآثار سنة 1973 أثناء مسحها وتنقيبها عن الآثار في دولة الإمارات العربية المتحدة (رأس الخيمة).