قال الناقد التونسي الدكتور. محمد لطفي اليوسفي أن غياب المعنى في النصوص من حولنا لا يقل خطرا عن غيابه من حياتنا. جاء ذلك في محاضرته التي جاءت تحت عنوان : (أفول المعنى في الشعر العربي الحديث) التي ألقاها أول من أمس في مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام في أبوظبي. ورأى أن المعنى بدأ بالأفول منذ عصر السياب الذي حذر بدوره أدونيس من المهاوي التي تؤدي بالكتابة إلى خرابها، وبالشعر إلى حتفه.

وقال اليوسفي ( عبثا يحاول الخطاب النقدي العربي المعاصر أن يواجه هذه الحقيقة الفاجعة بالسكوت حينا، وبالمداورة والمواربة والرياء أحيانا، فإن سكت النقد عنها أو عدها علامة الحداثة، فهناك تواطؤ بين الشاعر والناقد، الذي يحاول أن يتستر وينكر ما يتولد عن خراب المعنى. وأوضح: إن مفهوم القطيعة بين الشعر والجمهور إنما يمثل في حد ذاته مفهوما مضللا، إذ كثيرا ما تتم عملية تأثيم المتلقي واعتباره مسؤولا عن هذه القطيعة ) . وأضاف: (إن ظاهرة أفول المعنى ترجع لما شهدته مقولة الحداثة من تبسيط، بينما حرص العرب القدامى على المعنى، وقد ألح الجاحظ على أن (اللفظ جسد روحه المعنى) وجزم القدماء (بأن الشعر تجويد للمعاني ).

تجليات

تحت عنوان (تجليات ظاهرة أفول المعنى ونتائجها على النص والمتلقي) استشهد اليوسفي بقصائد أدونيس كنموذج ورأى: أن أول هذه الظواهر تتجلى بالتعتيم والتعمية والتفسير، مثلما جاء في نص (أوراق في الريح) ، أما الظاهرة الثانية كما ذكر: فتجلت في تلاشي الشعر في الألغاز والأحاجي، إذ يعمى الكلام ويخرجه إلى المحال، ويدخل في باب الأحجية.

ومن ثم انتقل المحاضر إلى ما سماه محو ذاكرة الكلمات ووهم الكلمات البكر وقال: (إن الناظر إلى العديد من الممارسات الشعرية الحداثية، يرى أنها تجدد أسئلة الشعر العربي، ليدرك تلك الهوة الفاصلة بين المبدع ونتاجه، ويجاهر أدونيس بعد أكثر من عشرين عاما على نصيحة السياب أن العلاقة بين نصه والواقع الذي يقيم فيه، علاقة قطيعة بموجبها تصبح الهجرة إلى دنيا أخرى نوعا من التعويض عن قسوة الواقع) .

وأخيرا تحدث اليوسفي عن تأثيم المتلقي قائلا: اكتفى أدونيس باستنهاض المتلقي، ودعاه إلى التخلص من قدميه والعزوف عن ماضيه، وقال: (قارئ الأثر الشعري الجديد لا يجوز أن يقرأه بروح الماضي بل بروح المستقبل) وأضاف (أن أنسي الحاج ذهب إلى أبعد من هذا حين قال رجعي كل من لا يفهم النص الجديد، رجعي وغوغائي ومهترئ وخامل ومتعصب) ، ليخلص المحاضر للقول: من هنا يصبح مفهوم القطيعة بين الشعر والجمهور، مضللا إذ تتم عملية تأثيم المتلقي وتوريطه فيما القطيعة متأتية بجانب كبير منها مما يداخل الممارسات الشعرية التي تعلن الحداثة. فهم نصوص

قال الناقد محمد لطفي اليوسفي ( لم يكن النقد كما مارسه العرب قديما ينشد فهم النصوص، بل كان شكلا من أشكال الاستحواذ على السلطة وعلى الخطاب وكيفيات إنتاجه. وركز العسكري على أن الشاعر لا يملك حق التصرف في المعنى، وعليه أن يعيد إنتاج قيم المجموعة بتجويدها وتجميلها وإخراجها في أحسن صورة من اللفظ ) . إضاءة

قدمت الأمسية الإعلامية صباح راجح التي أشارت إلى أن اليوسفي يعمل أستاذا للأدب العربي ونظريات النقد بجامعة قطر، صدر له مجموعة من الكتب النقدية منها (فتنة المتخيل) كما أسهم في تأليف عدد من الموسوعات الشعرية أبرزها موسوعة الأدب العربي التي تصدرها جامعة (كامبريدج ) بأميركا.