في روايتها الصادرة مؤخراً عن (دار الآداب) في بيروت تحت عنوان (لها مرايا)، تطلِق الكاتبة السورية سمر يزبك مجدّداً صرخة (لا) لتفتح أفقاً جديداً للمعارضة وتفرمل تطرّفها في آن معاً، وهي التي لها تاريخ في المعارضة، ترجمته كتباً وقصصاً وروايات ومقالات متنوّعة.. تدمع عيناها لكل شهيد جيش ولكل مدني يُقتل، فتكون الإعتدال الذي يجد نفسه بين طرفين، كلّ يشدّه إلى ناحية، ويشعر أنه عرضة للتمزيق.
مرايا لشخصية واحدة
(لها مرايا) والمرايا لشخصية واحدة لكنها متعدّدة، تعبر الزمن من الماضي إلى الحاضر وبالعكس أيضاً، وتبرع الكاتبة في التنقّل بين هذه العوالم، ولكن أحياناً بغموض.. وهكذا تعيش ليلى (بطلة الرواية) عدّة حيوات في حياة واحدة، منها القديم ومنها الحديث بما يشبه التقمّص، فتلاحق روحها رجلاً يمشي معها في الزمن، ضمن خطوط سياسية سورية متشابكة، بدءاً بوفاة الرئيس السوري حافظ الأسد. وفي كل حياة تعيد قصة الحب نفسها، لرجل في السلطة، ومن المقرّبين للرئيس، وفي سبيل الحفاظ على النظام يضطر إلى سجن شقيقها علي. وفي التدافع بين الشخصيتين، تظلّ ليلى تحب الرجل الذي أودى بأخيها إلى الإنتحار فترك في أعماقها حسرة لم يمحِها الحزن ولا الأحداث مع أنها اقتربت إلى حالة من الجنون.
حوافز الحزن
وتتوالى الصور الوضعية في الرواية لتخفّف من وقع حوافر الحزن في القلب، فهذا العاشق سعيد ناصر الذي عشق ليلى إلى حدّ الموت، تصبح في الختام كابوساً يقضّ مضجعه إلى حدّ أن يرمي بها هي أيضاً في السجن تخلّصاً من صراخها تحت شرفة بيته: (نزيل (إنزلْ).. إذا كنت رجّال).. وتستعيد ليلى تلك الحيوات الأخرى: إنها وجدت حبيبها الذي قتلها يوماً في حياتها السابقة حفاظاً على حبّه، لكنها كانت تحجم وتفكر أن عليها التفكير بتروٍّ حتى لا تخسر حبيبها الحاضر، وأيقنت أن أحلامها وكل ما رأته في الطفولة لم تكن من اختلاف عقلها، فقد عرفت، في هذه اللحظة التي فتحت بابها، أن الشاب الذي نظر إليها بوله هو الرجل الذي أحبّته في حياة ما، وقبل أن تموت عرفت أنها ستعود وتحبّه أيضاً.
مجد زائل
لكن أقسى ما في الرواية إلى حدّ الجرح هو خيانة ذوي القربى لبعضهم البعض، أهل القرية، الأهل بين بعضهم البعض، الضبّاط والعسكر.. وكلّه من أجل مجدٍ زائل. (علي البريء الملاك) تأكد من أن لا شيء في العالم يستحق أن يكون على هذه الدرجة من الغباء، وهو الذي قد اعتقد على الدوام أن أكثر الخاسرين مما حدث هم أبناء طائفته، وكان يشبّه هذا التحوّل بزرع طفيلي داخل الجسد الذي يعيش عليه حتى يكبر.