أي بلد هو وطني الحقيقي، ذلك الذي ولدت فيه أم الذي تنحدر جذور عائلتي منه؟ .. سؤال كبير تستثار جوانبه في نفس كل شخص ترك وطنه مهاجراً بحثاً عن الأمان ولقمة العيش، وهو سؤال يتعلق بمسألة الهوية والوطن والحب والتي تدور حولها أحداث وتفاصيل فيلم "مطر وشيك" للمخرج العراقي حيدر رشيد، الذي حاز على جائزة مهرجان الخليج السينمائي في نسخته السادسة في فئة الأفلام الخليجية الطويلة.

أين موطني؟ وهل أنا من هنا أم من هناك؟ سؤالان لا يرافقان أبطال الفيلم فقط وإنما جمهوره أيضاً، وفي الفيلم قدم المخرج لهذين السؤالين إجابتين مختلفتين، إحداهما تمثلت في إجابة بطل الفيلم، سعيد، الذي وُلد وترعرع في إيطاليا لوالدين جزائريين، يدرس ويعمل خبازاً، وفي المقام الأول يشعر بنفسه إيطالياً.

والثانية تمثلت في إجابة القانون المتخلف القائم على "الأحقية بالدم"، والذي بناءً عليه يفقد البطل حقه بالإقامة في البلد الذي يدرس ويعمل فيه، بعد أن يفقد والده عمله لتجد العائلة نفسها غير قادرة على تجديد تصريح الإقامة شأن ما كانت تفعل من دون مشكلات منذ 30 عاماً، بل ويصدر للعائلة أمر بالترحيل، لتتحول إيطاليا، التي كانت بالنسبة لسعيد بلده على الدوام، إلى حائط مطاطي يدفعه إلى العودة إلى بلده الأصلي الجزائر الذي لم يسبق له حتى أن زاره ولو بأحلامه.

ورغم أن مخرج الفيلم لم يعش معضلة الجيل الثاني من المهاجرين إلى إيطاليا بحسب ما قال في لقاءات صحافيه عدة، كون والدته إيطالية الأصل ووالده عراقي هاجر إلى إيطاليا في السبعينات، إلا أن المتابع لتفاصيل الفيلم يكتشف بعضاً من الجوانب الذاتية في هذا الفيلم الذي لم يحاول فيه حيدر أن يطرح مفاهيم فلسفية تتعلق بمسألة الهوية وقضية من أكون، تاركاً أحداث الفيلم تسير على سجيتها دون خروج عن سياق موضوع الهوية وما يتعلق بها من تساؤلات عدة قادرة على فتح باباً واسعاً في نفس كل من يشاهد الفيلم لمناقشة تفاصيل الهوية الإنسانية والعلاقات العائلية الحميمية التي تخلق بين أي أب وابنه أو بين رجل وامرأة يشعران إنهما ينتميان إلى نفس المكان والزمان.

في المقابل، يشعر متابع الفيلم بأن حيدر لم يقدم لنا مدينة فلورنسا بشكلها الجميل الذي يظهر في البطاقات البريدية، وإنما قدمها كمدينة حقيقية، تمثل خلفية ورمزاً لإيطاليا العاجزة عن مواجهة قضية الهجرة التي يتأملها المخرج بواقعية ورؤية واضحة تبدو قاتمة أحيانا، لكنها لا تخلو من الأمل والذي تمثل في منح سعيد وأخيه الإقامة فيها، بعد نجاحه في إثارة قضيته قانونياً وإعلامياً واجه خلالها بيروقراطية مجردة الأحاسيس، وأحكام مسبقة ومواعظ كاذبة ودعاية سياسية، وفي الوقت الذي يحمل والده عتاده راحلاً عن المدينة التي عاش بين اكنافها مدة 30 عاماً، يقرر سعيد ان يرحل هو الاخر نحو وطنه الأصلي بعد أن وجد أنه غير قادر على الاستمرار في العيش ببلد لم يعد يجد فيه ذاته.

 

أبعاد فلسفية

بعيداً عن بيروقراطية القوانين، فالفيلم يزخر بأبعاد فلسفية كثيرة، قادرة على اثارة جملة من الأسئلة التي تبنى حولها الذات الانسانية وقد تخلق في داخلها صراعاً قوياً، وهو ما نشاهده في عديد مشاهد الفيلم والذي هو من إنتاج مشترك من إيطاليا والعراق والامارات والكويت، وبدعم من صندوق «إنجاز» التابع لمهرجان دبي السينمائي الدولي.