الثلاثاء 10 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 11 فبراير 2003 احتفلت لجنة السينما بالمجلس الاعلى للثقافة في مصر باليوبيل الماسي للسينما المصرية ـ 75 عاما على عرض فيلم «كيلي» ـ وأعلن الناقد سمير فريد مقرر اللجنة استمرار الاحتفال حتى شهر يونيو المقبل ببرنامج عن أفلام الاربعينيات، والسينما التسجيلية، وأفلام لم تجد رواجا وقتها وأفلام المخرج عزالدين ذوالفقار ـ بدأ الاحتفال ببرنامج عن أفلام الثلاثينيات من اعداد المؤرخ أحمد الحضري، الذي اختلف في الجلسة الأولى مع مقرر اللجنة حيث وجد ـ كمؤرخ ـ أن البداية الحقيقية تعود إلى عام 1923 بانتاج فيلم «توت عنخ أمون» لمحمد بيومي، وقد أعاد برنامج أفلام الثلاثينيات اكتشاف وتقييم هذه المرحلة من السينما المصرية وما تضمنته من قيم جمالية ولو ان «الصورة» كانت محل نقاش من بعض النقاد المعلقين في مشاهداتهم لشرائط الفيديو المتاحة، ونواحي موضعية تتصل بالمجتمع ووضع المرأة ورافق البرامج معرض صور للمخرجين أحمد جلال ومحمد كريم والمنتجة النجمة آسيا. حضر البرنامج المشتغلون بالسينما أكثرهم من النقاد ولكنه افتقد حضور الشباب من السينمائيين ومن طلاب معهد السينما مع اهميته لدراستهم. ضم البرنامج فيلمين لرائدتين من رائدات السينما المصرية هما بهيجة حافظ وعزيزة أمير، وعرض للأولى فيلم «الضحايا» 1934 انتاجها وبطولتها وموسيقاها اخراج ابراهيم لاما وقد تم ترميم الفيلم عن نسخة نيجاتيف مهلهلة تحللت بعض اجزائها على يد طاقم فني بقيادة الخبير الباحث مجدي عبدالرحمن ويحمل الفيلم كما يقول الناقد كمال رمزي اصداء من فيلم «زينب» ومعاناة المرأة ـ الذي كانت بهيجة حافظ قد قامت ببطولته وهو كما يؤكد رمزي بطموحه الفني وهدفه الاجتماعي وثيقة سينمائية متعددة المعاني والدلالات. الرائدة الثانية هي عزيزة أمير التي قدم لها فيلم «الورشة» أحدث أفلام البرنامج يعود الى عام 1940 من انتاجها وبطولتها، ومن اخراج استيفان روستي وقد وجد البعض عند مناقشته ان نزول المرأة الزوجة بنفسها إلى الورشة بعد فقد زوجها يعتبر دليلا على مناصرة قضية عمل المرأة في ذلك الوقت المبكر ولكن أحمد الحضري وجد ان ظهور عزيزة أمير في دور رجل اسطى ميكانيكي كان من الصعب الاقتناع به في قصة جادة، وأشار الى اداء آسيا في فيلم آخر بالبرنامج «بنت الباشا المدير» اخراج احمد جلال 1938 وقال إن ملامح وجهها وقوامها وصوتها كانت غير مقنعة في قيامها بدور رجل. الطريف ان الفيلم الوحيد بالبرنامج الذي يعرض للمرة الأولى منذ عرضه الأول هو «المندوبان» كان عرضه الاول سنة 1934، وفي عام 2002 عثر عليه الباحث والمؤرخ مجدي عبدالرحمن ليمكن مشاهدته بعد 68 سنة من عرضه الأول وكان فيلم «انشودة الفؤاد» الذي يعود الى العام 1932، لماريو فولبي قد تم العثور عليه عام 2002 ـ ايضا ـ على يد مدير السينماتيك الفرنسي الذي عثر عليه في مخازنه. «المندوبان» من اخراج توجو مزراحي (1901 ـ 1986) ويقول عنه الناقد سمير فريد انه كان سينمائيا شاملا مارس الانتاج والاخراج والتأليف والتصوير والمونتاج والديكور والازياء كما مثل في افلامه الاولى الصامتة باسم أحمد المشرقي ومشاركته كيهودي مع استيفان روستي المسيحي الديانة في بدايات السينما المصرية لها دلالتها في سماحة الثقافة المصرية الحديثة التي تبلورت في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، حين تجمع اليهود المصريون بحق المواطنة، كما يشير فريد الذي يقول ان فيلم «المندوبان» عبر فيه توجو مزراحي كما في افلام اخرى عن التعايش بين أصحاب الديانات والطوائف المختلفة. وقد عرض لتوجو مزراحي فيلم آخر في البرنامج هو «الدكتور فرحات» 1935 والذي قدمه الناقد علي أبوشادي والذي يضيف على حديث سمير فريد ان مزراحي أدخل في تاريخ السينما اول شخصية يهودية تلعب أدوار البطولة هي شالوم في أربعة افلام، حاول ان يجعل منه شابلن المصري ولكنه لم ينجح في ذلك، ويقول أبوشادي انه رغم دراية مزراحي الكافية بالسينما العالمية في تلك الفترة واتقانه للغات الفرنسية والايطالية ومعرفته بما وصلت اليه الكوميديا السينمائية العالمية الا ان معظم اعماله كانت تعتمد على أكبر قدر من المواقف الهازلة والنكات اللفظية والجنسية احيانا بل الشتائم بهدف اضحاك المتفرج بأي وسيلة وهذا ما نجده في فيلم «الدكتور فرحات» الذي يحمل كل سمات السينما الكوميدية. وتأثرا واضحا بالمسرح، وكان غريبا ان تحية كاريوكا لم تقدم أيا من رقصاتها الشرقية واكتفت بالتمثيل ورقصة افرنجية واحدة!يقدم الباحث والناقد والمخرج التسجيلي هاشم النحاس قراءة نقدية فاحصة لفيلم «العزيمة» 1939 أكد انه أول فيلم سينمائي مصري حقيقي وانه قد وضع اللبنة الأولى للواقعية المصرية ـ وأول فيلم عن الحارة يرتفع من مناقشة المشكلة الجزئية الى مفهوم عام وأول فيلم يناقش قضية الكرامة الوطنية من خلال ثلاثة عناصر!! التعليم ـ حلم مصر ـ احترام العلم ـ مقاومة الابتذال الإنساني وانه يتميز بعقلانية في سرد الاحداث فليس هناك أي حدث غير منطقي مع نفسه، هو فيلم منطقي بلا فواجع وبلا ميلودراما وبلا أحداث عجائبية ـ كما في أغلب الافلام المصرية وتتمثل ايجابيته في انه أول فيلم يتناول مشاكل اجتماعية حقيقية: البطالة والازمة الاقتصادية والعمالة ـ وانه قدم شخصيات مصرية حقيقية. وحول الحارة التي قدمها نجيب محفوظ لأول مرة عام 1945 في روايته «زقاق المدق» ـ ثم خان الخليلي فإن كمال سليم قد سبق بتقديمها (1939) ولكن لمحفوظ فضل تطوير فكرة الحارة من اطارها الاجتماعي الجزئي الى الكون في روايته «أولاد حارتنا» وهذا مالم تفعله السينما، وأضاف النحاس ان حارة كمال سليم قدمها المخرج رضوان الكاشف برؤيته في فيلمه الأخير «الساحر» كتابة سامي السيوي ـ ولم تكن الحارة عند سليم ديكورا بل متواجدة من أول الفيلم حتى اخره من خلال شخصيات الحلاق والحانوتي ومن خلال الأحداث. تعود الناقدة سهام عبدالسلام في مراجعتها للفيلم الغنائي إلى فيلم «الوردة البيضاء» لمحمد كريم 1933 الى عدد غير قليل من المصادر العربية والاجنبية ـ كتبا ودراسات وصحافة قديمة وحديثة.. من بينها ما ذهب اليه الباحث الانجليزي والتر أميروست ـ في كتابه غير المترجم «الثقافة الجماهيرية والحداثة في مصر» الصادر عام 1996 من حرص الموسيقار محمد عبدالوهاب على التعبير عن الروح الوطنية بالرجوع الى الاصالة والثقافة الخاصة بالأمة، وذلك في مشهد توقفه كبطل للفيلم أمام صور عبده الحمولي وسلامة حجازي مع استماعه لمقاطع من ألحانهم تأتي من خارج الكادر وذلك قبل اتخاذه قرار العمل بالغناء. ويعلق الباحث أن الحداثة الفنية في موسيقى عبدالوهاب تشير الى نهج الحداثة التي أدخلها المثقفون التربويون على الحياة المصرية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين التي اتسمت بالأخذ عن الغرب دون قطيعة مع الثقافة المحلية، وتنقل عن الدكتورة رتيبة الحفني تحليلها في كتابها محمد عبدالوهاب لأغنية «جفنه علم الغزل» استخدامه لايقاع الرومبا، واستخدمت فيها «الشخاشيخ» لأول مرة في الموسيقى العربية ولكنها ملحنة في مقام عربي.وكان فيلم «الوردة البيضاء» يعرض في كل من الدول العربية، وأول فيلم يحقق ايرادات هائلة بلغت اضعاف تأليفه، أول فيلم يعرض ولكن الفيلم تعرض لاحتجاج مشيخة الازهر التي قدمت بلاغا لادارة الامن العام بسبب مشهد يقبل فيه عبدالوهاب سميرة خلوصي وهو يرتدي الطربوش ـ ولم يكن الاعتراض بسبب ظهور القبلات على الشاشة في حد ذاته، بل بحجة انه لا يصح أن تظهر القبلة اثناء ارتداء البطل للطربوش لأنه شعار مصر القومي وتعلق الناقدة ان المتشددين يبدو أنهم كانوا نشطين في التربص للأفلام بنفس الحجج التي يستخدمها احفادهم اليوم، ومنها حجة الاساءة الى مصر وان كانوا أقل منهم غلوا في التطرف! تشيد الناقدة بعد مرور سبعين سنة على عرض الفيلم بجماله البصري وبلاغته السينمائية واهتمام كريم بتصوير الريف، وتلاحظ تأثر كريم بالتعبيرية الالمانية وهو ما يبرز في الاضاءة كما تظهر في الفيلم معرفته كل ما وصلت اليه تقنيات السينما في عصره في المونتاج ـ لكن التمثيل كان في رأيها أضعف عناصر الفيلم رغم اشادة النقاد بالبطلة في ذلك الوقت مما تعتبره الناقدة مجاملة لأن اداءها كان رديئا جدا.المخرج نيازي مصطفى عرض له فيلمان «سلامة في خير» 1937 و«الدكتور» 1939 كان الفيلم الأول هو أول فيلم روائي وأول فيلم سينمائي يقبل عليه الجمهور من تمثيل الريحاني، وأول كوميديا سينمائية مصرية من الناحية الفنية في نفس الوقت كما يقول مقدم الفيلم الناقد سمير فريد الذي يضيف أنه للوهلة الأولى تبدو نقطة الضعف الاساسية فيه في المصادفات ولكن ما يبررها بأنها مقبولة في الكوميديا، ويجد ان نقطة الضعف الحقيقية تكمن في حبكة السيناريو. وفي تعليق الناقد محمد عبدالفتاح على فيلم الدكتور قال انه طرح الكثير من القضايا الاجتماعية والحياتية التي كانت مثارة خلال الثلاثينيات، مثل قضية تحرير المرأة، النظرة النقدية للطبقية: فأبناء الاثرياء عاطلون بالوراثة والعامل المنتج أكثر قيمة ونبلا، ويقول ان الفلاح رغم الدفاع عنه قدم في صورة غير مستحبة، ومن الافكار الايحائية التي تحسب للفيلم الدعوة الى عودة أبناء الريف المتعلمين في القاهرة إليه لخدمته، وتسفيه النظرة الدونية للريف، وتوقير واحترام الوالدين ولكن في طرحه لقضية المرأة مال الى الرجل الآخر الآمر! القاهرة ـ فوزي سليمان: