الجمعة 14 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 17 يناير 2003 كان العام 2002 عاما حافلاً بالانجازات بالنسبة لصناعة السينما الاميركية على صعيدي حجم الانتاج والازدهار التجاري، ولكن الامر لم يكن كذلك تماما بالنسبة للمستوى الفني لافلام العام. وتذهب احدى المجلات السينمائية الاميركية في انتقادها لمستوى افلام هوليوود الى حد القول «لقد أصبح من المستحيل تقريباً الجمع بين المتطلبات الاساسية لافلام هوليوود وبين المستوى الفني التقليدي الرفيع، فالفيلم الاميركي مكرس للتسلية والمشاهد المبهرة والنظرة الشاملة التي تروق للجميع، أو باختصار للاعلان، لذا فان افضل وسيلة لمشاهدة السينما الاميركية هي النظر الى الفيلم الرائج». وقد حافظت هوليوود خلال العام الماضي على مستوى انتاجها السينمائي من حيث الكم، حيث انتجت صناعة السينما الاميركية اكثر من 550 فيلما، اظهرت ارتفاعا طفيفا في حجم انتاج استديوهات هوليوود الرئيسية وتراجعا لدى شركات السينما المستقلة، وهي ظاهرة مستمرة منذ عدة سنوات، وذلك باستثناء الافلام الوثائقية التي شهدت في العام الماضي طفرة كبيرة في حجم الانتاج وتميزا لم يعرف له مثيل منذ عدة سنوات. اما على الصعيد الفني للافلام الروائية، فان النقاد يتفقون على ان العام 2002 ليس عاما متميزا، مع انه اشتمل على العديد من الافلام الاميركية المتميزة. ويمكن القول ان الطابع العام لافلام العام 2002 يظل متوسط المستوى ويخلو من الافلام الفائقة المهيمنة التي تظهر في بعض السنين. ومن اكبر الدلائل على ذلك تنوع الافلام التي فازت بجوائز روابط نقاد السينما الاميركيين الرئيسية، والتي يستدل منها عادة على ابرز افلام العام، والتي يتنافس الكثير منها في وقت لاحق على جوائز الاوسكار التي تبلغ ذروة الجوائر السينمائية كل عام. وستعلن نتائج جوائز الاوسكار هذا العام في الثالث والعشرين من شهر مارس المقبل. وقد حصلت سبعة افلام على جائزة واحدة لأفضل فيلم على الاقل من روابط نقاد السينما الاميركيين الرئيسية التسع، منها فيلم واحد فقط فاز بثلاث جوائز، في حين لم يفز اي من الافلام الستة الاخرى الا بجائزة واحدة لافضل فيلم، ويؤكد ذلك انقسام اراء النقاد الاميركيين وعدم وجود فيلم او افلام مهيمنة فنيا خلال العام 2002. والفيلم الوحيد الذي حاز على أكثر من جائزة لافضل فيلم هو فيلم «بعيداً عن الجنة» للمخرج تود هينز والممثلة جوليان مور. فقد فاز هذا الفيلم بتلك الجائزة ثلاث مرات من رابطة نقاد نيويورك ورابطة نقاد سان دييجو ورابطة نقاد تورنتو، والاخيرة بالطبع كندية وليست اميركية. ومنحت رابطة نقاد نيويورك جائزة افضل فيلم لفيلم «شيكاغو» للمخرج روب مارشال والممثلتين رينيه زيلويجير وكاثرين زيتا ـ جونز، في حين منحت رابطة نقاد لوس انجلوس تلك الجائزة لفيلم «حول شميت» للمخرج اليكساندر بين، والممثل جاك نيكولسون. اما المجلس القومي الاميركي لاستعراض الافلام السينمائية، الذي يمثل اقدم روابط نقاد السينما الاميركيين، فقد وقع اختياره على الفيلم الدرامي «الساعات» للمخرج ستيفين دالدري والذي يجمع بين ثلاث من الممثلات المرموقات وهن ميريل ستريب ونيكول كيدمان وجوليان مور. والافلام الثلاثة المذكورة اعلاه من بين الافلام العشرة المرشحة لجوائز الكرات الذهبية التي ستعلن نتائجها في التاسع عشر من الشهر الحالي. كما ان اربعة من مخرجي الافلام الفائزة بجوائز النقاد لافضل فيلم مرشحون لجائزة الكرات الذهبية لافضل مخرج، وهم ستيفين دالدري عن فيلم «الساعات» وسبايك جونز عن فيلم «تكيف» وروب مارشال عن فيلم «شيكاغو» ومن المثير للاهتمام ان المخرج تود هينز الذي فاز بأربع من جوائز الاخراج التسع لروابط النقاد ليس مرشحا لجائزة الكرات الذهبية. ولو انه رشح لتلك الجائزة لاصبح المخرج المفضل للفوز بجائزة الاوسكار لافضل مخرج بعد فوزه بتلك الجوائز الاربع. اما جوائز روابط النقاد لافضل ممثل وافضل ممثلة في دورين رئيسيين فقد أسفرت عن فائز مفضل في كلتا الحالتين، وهما الممثل البريطاني دانيال داي ـ لويس الذي فاز عن دوره في فيلم «عصابات نيويورك» بأربع من الجوائز التسع، والممثلة جوليان مور التي فازت عن دورها في فيلم «بعيدا عن الجنة» بست من تلك الجوائز، وهذان الممثلان مرشحان حاليا لجوائز الكرات الذهبية، ويضمن لهما هذا العدد من الانجازات ترشيحهما شبه المؤكد لجائزة الاوسكار، بل ان الممثلة جوليان مور ستكون الممثلة المفضلة للفوز بجائزة الاوسكار هذا العام. وتجدر الاشارة الى ان قائمة الافلام العشرة الاولى لافضل افلام العام 2002 التي وقع اختيار مجلة تايم الاميركية عليها، وهي قائمة سينمائية سنوية مهمة، لم تشمل الا على فيلم اميركي واحد فقط هو فيلم: «عصابات نيويورك» للمخرج مارتن سكوسيزي، ابرز المخرجين الاميركيين المعاصرين، ويتقاسم بطولة هذا الفيلم الممثلان ليوناردو ديكابريو ودانيال داي لويس، وجاء هذا الفيلم في المركز الخامس في تلك القائمة. وفي انجاز سينمائي تاريخي هو الاول من نوعه، اختارت مجلة تايم الفيلم الفلسطيني «يد الهية» للمخرج ايليا سليمان في المركز السابع في تلك القائمة، اي ان هذه المجلة المرموقة فضلت فيلم «يد الهية» على اي من الافلام السبعة التي اختارتها روابط نقاد السينما الاميركيين الرئيسية كأفضل افلام العام، واذا كان في ذلك اي عبرة، فهي ان فيلما يعالج حالة انسانية حرجة ويتسم بصدق التعبير وهو ثمرة جهود فردية لسينمائيين متميزين يعملون في ظروف صعبة ان لم تكن مستحيلة، اقوى بكثير من افلام ينفق على انتاجها اكثر من 100 مليون دولار. اما على صعيد الايرادات، فقد سجلت صناعة السينما الاميركية خلال العام 2002 اعلى ايرادات في تاريخها، اذ بلغت تلك الايرادات على شباك التذاكر في دور السينما الاميركية 94 مليارات دولار، وذلك بزيادة نسبتها 13% مقارنة بالعام الاسبق، وبيع خلال العام الماضي 16 مليار تذكرة في صالات العرض الاميركية، ولكن لابد من الاشارة الى ان هذا المبلغ لا يشكل سوى جزء صغير من الايرادات الاجمالية السنوية لصناعة السينما الاميركية، الا انه مؤشر سنوي مهم على ازدهار تلك الصناعة ومرجع اساسي للمقارنة بين السنوات المختلفة، ولا ستكمال تلك الايرادات الاجمالية السنوية، يمكن اضافة ما يقارب 120 الى 150% من ذلك الرقم للوصول الى ايرادات الافلام الاميركية في دور السينما الاجنبية خارج الولايات المتحدة، والتي يأتي معظمها من دول اوروبا الغربية واليابان، لتصل الايرادات الاجمالية في دور العرض الاميركية والاجنبية الى اكثر من 20 مليار دولار، يضاف الى ذلك دخل الافلام السينمائية الاميركية من حقوق العرض التلفزيوني ومن مبيعات وتأجير افلام الفيديو، ومن مبيعات الاشرطة والاسطوانات الموسيقية ومن ترويج ومبيعات المنتجات التجارية كالكتب واللعب والالعاب والمأكولات والمشروبات لتصل الايرادات الاجمالية لصناعة السينما الاميركية خلال العام 2002 الى نحو 55 مليار دولار. كتب محمود الزواوي: