الثلاثاء 6 شوال 1423 هـ الموافق 10 ديسمبر 2002 تذكره النهضة المسرحية في مصر الستينيات كأحد رموزها الناشطين مخرجا وممثلا ومعدا ومترجما، فقد قدم فاروق الدمرداش «المسرح العالمي» لفرق التلفزيون ولمسرح الجيب، كما قدم المسرح العربي على المسرح القومي والمسرح الحديث، واكتشف مواهب واعدة في التأليف والتمثيل، وخلال اقامته في لندن منذ السبعينيات برز نشاطه في مشروع تقديم اعمال شكسبير كاملة بالاذاعة البريطانية باللغة العربية، كما قدم في هذه الاذاعة عدداً غير قليل من المؤلفين المسرحيين العرب. اثناء تردده على القاهرة شارك في تمثيل أدوار رئيسية في عرض «الخديوي» و«انطونيو وكليوباترا» و«الندم».. وكذا في تمثيليات اذاعية.. وظهر أخيرا في مسلسل «قاسم أمين» في دور استاذ جامعي فرنسي. في احدى هذه الزيارات للقاهرة تحدث الفنان فاروق الدمرداش عن بداياته ونشاطه في الخارج ومصر وتطلعاته المستقبلية. ـ كيف كان قرار السفر للخارج؟ - من صغري كان عندي هواية شديدة للغات الاجنبية لدرجة انني كنت وانا في الثانوية العامة اتردد على مكتبات المراكز الثقافية الاجنبية مثل المكتبة الاميركية لأقرأ التاريخ المقرر علينا باللغة الانجليزية أو اشتري مسرحيات باللغة الفرنسية من سورالازبكية القريب من المسرح القومي وقد ترجمت بعض مسرحيات تشيكوف قبل سفري للخارج «الخال فانيا» و«ايفانوف» وكنت من أول من ترجم لهذا الكاتب الكبير ولهذا وجدت انه لكي أكمل دراستي الفنية لابد من السفر الى الخارج، وفي وقتنا كانت هناك بعثات للخارج، وكان جورج أبيض وزكي طليمات قد درسا في فرنسا، ثم بعدهما نبيل الألفي وحمدي غيث، كان المقصد المعهود فرنسا اساسا واحيانا انجلترا التي كان قد درس فيها علي فهمي ومحمد توفيق ثم جاءت روما في عهدنا حيث درس سعد ادرش وكرم مطاوع، وقد ذهبت وجلال الشرقاوي واحمد ابراهيم الى باريس كنا نمثل وقتها الجيل الجديد وهذا ما دفعني الى ترك كلية التجارة والتركيز التام على دراستي بمعهد الفنون المسرحية ففي كلية التجارة كان أمامي حوالي 400 طالب علّى أن أتفوق عليهم .. بينما في معهد الفنون المسرحية أربعة عشر طالبا فقط. ـ بعثتك الأولى الى باريس كيف كانت؟ - نزلت في الحي اللاتيني وكنت قبلها بثلاثة أيام بالضبط امثل في اذاعة صوت العرب دور بطل رواية «الحي اللاتيني» لسهيل ادريس لم أكن أصدق انني أعيش في هذا الحي بين سان ميشيل وسان جيرمان وبدأت دراستي الفنية عام 1960 وبقيت أربع سنوات بين فرنسا وانجلترا. ـ ثم عدت الى القاهرة لتسهم في نهضة المسرح في الستينيات. - عدت لأحقق أفكاري وآمالي أخرجت للمسرح القومي «حلاق بغداد» لألفريد فرج وللمسرح العالمي «علماء الطبيعة» لدورينمات ولمسرح الجيب «الاستثناء والقاعدة» لبريخت، و«كانديد» لبرنارد شو وقد كنت قادما من الدراسة والعمل بالمسرح الملكي في إنجلترا ومن هنا كانت رغبتي ان اقدم اعمالا من المسرح العربي ومن هنا كان اختياري لمسرحية «حلاق بغداد» لكاتب لم يكن معروفا وقتئذ هو الفريد فرج الذي كانت له تجربة سابقة غير ناجحة هي «سقوط فرعون» وكان مخرجو المسرح القومي يحجمون عن اخراج «حلاق بغداد» في حين انني اعجبت بها فهي فانتازيا من حيث اللون والحركة وكنت من هواة الحركة - وفيها خلفية ثقافية وسياسية وأنا من عشاق ألف ليلة وليلة ليس لأن نختبئ وراءها انما لأنه من خلالها اعبر عن العصر الحديث في اطار اجمل لان المسرح جزء اساسي منه للترفيه والتذوق وامتاع العين، من خلالها اعبر عن فكرتي الحديثة ورأيي الثقافي والاجتماعي والسياسي الحديث في اطار اكثر حلاوة في الرؤية فأنا لا أحب المباشرة. هذا مادفعني الى اخراج مسرحية اخرى هي «معروف الاسكافي» لمحمود شعبان لنفس بطل حلاق بغداد.. عبدالمنعم ابراهيم ثم سزمردةس لكاتب جديد مصطفى بهجت مصطفى، لدرجة انه اطلق على مخرج العصر العباسي. ـهل ترى أن الجو العام في مصر الثورة والستينيات قد ساعد على هذه النهضة؟ - الجو العام عامل مهم.. لكن في الوقت نفسه فإن الجمهور يحب العرض الجيد، وكان يستشف أن هناك حركة فكرية وأن المسرحية تعبر عن هذه الحركة وكان الاداء المسرحي الجيد يثير اهتمامه اضافة الى ان الشكل المسرحي كان ايضا ممتعا وجميلا - ولم يحدث ان وقف ممثل على خشبة المسرح والميكرفون معلق على صدره وكان امرا مخجلا ان يحدث هذا في مسرح عادي وليس ضخما مثل البالون - ولأن من الاثارة الى الجو السياسي ولو انني قضيت فترة طويلة في الخارج - كان الناس في ظل الثورة الجديدة متشوقين الى مشاهدة ما يعبر عن فكر جديد على ماأعتقد اننا كنا في مرحلة البحث عن الحقيقة ومواكبة ماهو حاصل اذا كان هذا جيدا وايجابيا.. في ظل متغيرات جذرية سياسية واجتماعية. ـ في الـ «بي.بي.سي».. هل ركزت على مسرحيات شكسبير.. وكيف كان نهجك في المسرحيات اذاعيا؟ - قدمت مسرحيات اخرى لبرنارد شو وجوجول و«اوسكار وايلد» وكنت اريد ان اقدم الاعمال الكاملة لشكسبير - فأنا صاحب هذا المشروع وكان مشروعي استخدام ممثلين عرب يتميزون بالاداء الكلاسيكي.. وهم جيل نخشى ان ينقرض. استعنت بحمدي غيث ممثلا في «الملك لير» التي فشلت في تقديمها على المسرح القومي استعنت بسميحة أيوب في «انطونيو وكليوباترا» وبعايدة عبدالعزيز واحمد زكي في «ماكبث»، ومحمود الحديني في «هنري الخامس»، وعبدالرحمن أبوزهرة في دور «شيلوك» في «تاجر البندقية».. لقد أردت ان احافظ على هذه المواهب والقمم حيث تظل تسجيلات بي. بي. سي العربية باقية للتاريخ.. وهذا كله اعمله لوطني العربي وليس لانجلترا وحدها. وقد سألني الأمير تشارلز وهو صديقي اذا كنت أقوم بترجمة شكسبير بنفسي الى العربية، أجبته رغم انني استطيع الترجمة الا انني اختار مترجمين عرباً كباراً مثل الدكتور عبدالقادر القط والدكتور محمد عناني والدكتور لويس عوض، ودوري كمخرج ومنسق أن أقدمها كمسرحيات للاذاعة وليس دراما اذاعية اعطى لبعض الممثلين شيئا من الحرية - مع تحكم مهندس الصوت - في الايحاء اننا نتحرك على خشبة المسرح، وفي المونتاج مع مهندس الصوت - نستطيع أن نحرك العمل ولهذا فإن كثيرا من المستمعين قالوا «اننا في كثير من هذه التمثيليات نراها أكثر مما نسمعها».. فهي مسرحية تذاع وليست دراما اذاعية.. وهذا لا يقلل من شأن الدراما الاذاعية.. وأصعب شئ في مسرحيات شكسبير هو اختزالها من أربع ساعات الى ساعتين وربع، شكسبير شأنه كشأن أي شاعر أو أديب - سلس جدا وغني فيسترسل في أوصاف جميلة جدا - أقوم باصطياد الدراما منه ولابد أن اسير مع كل سطر وكل كلمة بالانجليزية أولا ثم مرادفها بالعربية ثم أقوم بالتقطيع من التطويل الوصفي، لأحافظ على الكيان الدرامي. وهل قدمت أعمالا عربية؟ - أخرجت ثلاثية نجيب محفوظ من اعداد توفيق حنا، باللغة العربية الفصحى وكانت مقبولة سمعيا وذلك في التسعينيات، كما أخرجت سالأيامس لطه حسين في تسعين حلقة من اعداد نعيمة وصفي، وكانت من احسن الاعمال الاذاعية التي استمتعت باخراجها لأنها وجدت في نفسي هوى كبيرا. وقد دار الجزء الأول في المنيا ومايجاورها وأنا أصلا منياوي نشأت في الصعيد، والجزء الثاني في حي السيدة زينب وحي الحسين التي عشت قربا منهما فترة مهمة من حياتي، والجزء الثالث في فرنسا التي عشت فيها سنوات غير قليلة، وقد أنتج هذا العمل محمود الطوخي ثم اشترته الاذاعة البريطانية.. وشارك فيه عدد ضخم من ممثلي الاذاعة المصرية الكبار وقامت بدور طه حسين وهو صغير انعام سالوسة! ـ هل مازال للاذاعة أهمية في عصر التقدم التكنولوجي من تلفزيون وفضائيات وانترنت؟ - أعتقد أنه مازال لها قيمتها، ولكن من المغالاة ان نقول ان لها نفس القيمة، ومازال ملايين في العالم يعتمدون على الراديو الصغير.. وكثيرون يفضلون الاستماع الهادئ، ويدافع بعض مستمعي الراديو عنه بأنهم خلال استماعهم يعملون السيناريو الذي يعجبهم.. أي أن له حرية تصوره. الاذاعة باقية وستبقى. هذا مثل المسرح سيظل باقيا. المسارح الاجنبية دائما مليئة بالجمهور، في الميدان الذي اقيم فيه في لندن سبعة مسارح لابد من الحجز لها مقدما.. ولهذا أدهش أن قاهرة الستة عشرمليونا هل يعقل أن ليس منهم مئة ألف يريدون مشاهدة مسرحية.. هذا العدد يمكن ان يملأ المسرح القومي مائة يوم كاملة.. الجو العام اليوم هناك تراجع. لقد عشت طويلا في الغرب ووجدت ان حائل اللغة قوي جدا..لذلك اقترحت على الاستاذ سعد الدين وهبة كرئيس لاتحاد الفنانين العرب.. أن نوصل للعالم تقاليدنا وعاداتنا وأساليبنا في الحياة في الحضر والريف والبداوة.. عن طريق الفن الحركي العربي.. والازياء العربية.. وذلك في عمل عربي متكامل مشترك يضم فقرات من عمان والبحرين والكويت والسودان وموريتانيا وفلسطين ومصر.. وغيرها من البلاد العربية.. نقدم العرض بشكل ألكتروني فني بارع.. هذه الألوان والأشكال المتنوعة تضمن حجز المسرح لأربعة شهور مقدما، القاهرة ـ فوزي سليمان: