دموع وآلام نشاهدها في أعين هؤلاء . شفقة وعطف نراها بين ملامح وجوههم . حكايات حزينة نسمعها منهم . حياة مؤلمة يعيشونها ، ليس فقرا ولا جوعا ولا نقصا للأموال ، بل حزنا على أبنائهم ، فما أصعب أن ينظر أب إلى أبنائه فيجدهم خارج هذه الحياة ليسوا أمواتا لكنهم كالأموات ®. لا طموح ، لا مستقبل ، لا هدف، ولا إحساس ولا تفكير لهم.

وما أصعب أن تنظر أم إلى أبنائها لتجدهم هكذا، ينظرون إليها في ابتسامة بريئة، فهم حتى لا يميزون ملامح وجهها الحزين ودموع عينيها التين بكتا حزنا على حالهم . فالأبناء هم ثمرة أي حياة، وهم أمل كل أب وأم، بل ركيزتهما ومصدر سعادتهما، لكن بعد أن طرقنا أبواب هؤلاء الآباء وجدنا أن إعاقة أبنائهم ومرضهم كانت كل أسباب تعاستهم وحزنهم، طرقنا هذه الأبواب لنلاقي آباء قد ضاعت آمالهم، وأمهات قد تحطمت كل أحلامهن®. حقا ما أصعب شعورهن عندما ينظرن إلى أبنائهن ليجدونهم هكذا®.

آمال ضائعة

أب وأم يموتان كل لحظة بسبب ما يشاهدان عليه أبناءهما، يتمنان الموت ويفضلانه عن هذا الإحساس الذي يشعران به، هذا ما قالته الحاجة حمدية أو (أم محمد) كما يناديها البعض، قالت وهي في حزن شديد: شعور غريب يتملكني عندما أنظر إلى أبنائي الثلاثة المعاقين لأجدهم هكذا، أنظر إليهم لأجدهم أرواحا فقط دون أي إحساس بشيء أو هدف، كل ما يفعلونه هو الطعام والشراب.

وتضيف وهي تبكي: لا يتحدثون معي إذا خاطبتهم، فهم لا يعرفون ولا يميزون موضوعا عن آخر، بدأ حزني عليهم منذ 52 عاما عندما رزقني الله بمحمد فوجدته معاقا ذهنيا، كان قلبي يكاد أن يموت حزنا عليه فلم أتحمل، فرجوت الله أن يرزقني بطفل آخر، وقد رزقني الله بعبد الله، فلم أصدق عيني عندما وجدته أيضا مثل محمد معاقا ذهنيا، فذهبت بهما إلى أكبر أطباء هذه الحالات، فأخبروني أن السبب هو خطأ في الجينات نتيجة زواج الأقارب.

حيث إن زوجي هو ابن عمي، وأخبروني أنه لا أمل سوى أن تدعي الله، وبعد ثلاثة أعوام رزقني الله بشيماء فلم تختلف عنهما، ووجدتها أيضا هكذا، قررت بعدها عدم الإنجاب مرة رابعة، فكل ما أجنيه هو الحسرة والألم.

وتبكي بحرقة ثم تكمل: حتى أنني لا أعرف أن كنت نجحت في تربيتهم أم لا، فهم لا يفعلون شيئا ولا يقولون شيئا، فكل ما أتمناه أن أخاطبهم وأناقشهم ويناقشوني، فهم كبار وليسوا صغارا، فأنا مثل كل أم أتمنى أن أناقش أبنائي وأعلمهم وأشتري لهم ما يحتاجونه في أعمارهم تلك، ولكن لا فائدة®.

ويكمل أبو محمد زوجها قائلا: انقسم ظهري على أبنائي الثلاثة، نتمنى الموت أنا وزوجتي، فمهما كانت أوجاعهم، فهي أخف من أوجاعنا الآن. ويبكي الأب وما أصعب ملامح وجهه حين تراها! يقول وهو ينظر إلى السماء: »اللهم صبرني على بلائي«.

حياة مؤلمة

حياة قاسية جدا تعيشها مدام فاطمة وزوجها الحاج يحيى، فهما يصبحان ويمسيان في أوجاع ودموع، فقد رزقهما الله بشاب وحيد عمره الآن 53 عاما، وعن أوجاعها تقول فاطمة: رزقني الله أنا وزوجي بطفل منذ 53 عاما، كان هذا الطفل معاقا ذهنيا لا يعرف شيئا ولا يطلب شيئا، وعلى الرغم من أن عمره الآن 53 عاما إلا أنه مازال عقله عقل طفل عمره ثلاثة أو أربعة أعوام، ما أصعب أوجاعي التي أشعر بها عندما يخاطبني، وعندما يخطئ وأضطر لمعاقبته فأضربه.

ولكن سرعان ما أبكي بعدها، فكيف أضرب رجلا عمره 53 عاما، ثم أعود إليه فأحتضنه بقوة وأبكي، ويزداد حزني عندما أنظر إليه فأراه يضحك ويبتسم، فهو حتى لا يستطيع أن يميز بين دموعي وفرحي، فمنذ ولادته وأنا أعيش أياما يعلم الله وحده بها®. وتصمت وهي تنظر إلي ثم تكمل: يا ليتني أستطيع أن أعطيه عقلي مكان عقله، فيعيش سعيدا وأعيش أنا الحياة التي يعيشها هو.

أما الحاج يحيى فقد أكمل الحديث قائلا: لا أتحمل فقط أعباء حياته التي يعيشها بدون حقوق، بل أتحمل أيضا نظرة المجتمع له، وأيضا ابني يعيش في عزلة ووحدة بسبب أنه يشعر أنه مختلف عن المجتمع، وحاولت أن أجعله متصلا بأبناء عمه وخاله كي لا يشعر بالوحدة ولكن أراه دائما جالسا معهم ولكن في خجل وكأنه يشعر بمصيبته، ويكمل: »أحزاني تضاعفت ملء الأرض والسماء عندما أخبرني الطبيب أن زوجتي لن تنجب مرة ثانية لأنها أيضا مريضة بالمرض الخبيث وسوف يتم استئصال الرحم«.

دموع مستمرة

دموعهما لم ولن تجف أبدا، فهما يشعران بأنهما خلقا ليبكيا على ابنتيهما الشابتين، هذا ما قالته صفاء، وهي أم لبنتين أعمارهما عشرون وثلاثة وعشرون عاما، وتقول صفاء:

»ابنتاي جعلانني أحزن عمري بأكمله، فلم أشعر أبدا أنني أم، رغم أنني لدي بنتان، وأشعر بمرارة وقسوة عندما أشاهد إحدى حفلات الزفاف أو يتم دعوتي إلى حفلات زفاف، أشعر بحزن لأنني أعرف أن هذا اليوم لن يأتي أبدا، وأعرف أنني لن أفرح بزواج ابنتي المعاقتين ذهنيا، لا أحد يتخيل درجة انكساري وألمي، ولا أستطيع أن أصف مدى الحزن الذي أجلس بين ذراعيه لمدة ثلاثة وعشرين عاما.

وسيظل معي الحزن حتى أموت، ما أصعب أن أنظر إلى بنتيّ هاتان، منذ أن كانتا طفلتين، أراهما كل يوم تنمو فقط أجسادهما ولكن عقليهما ورواحيهما متوقفين عند عامين تقريبا، وأصاب بحالة من الانهيار عندما أقرأ بعض الأبحاث وأجد فيها عبارات أن المعاقين غالبا تكون أعمارهم قصيرة، فهم لا يعيشون كثيرا، فأنا لا أستطيع أن أتخيل أنه سيأتي يوم لا أجدهما بجانبي، فأنا أحبهما كثيرا، وأتعاطف معهما؛ لأنهما حرما من كافة حقوقهما.

خلل الجينات

أجمع أطباء الجينات والتحاليل أن الإعاقة الذهنية تحدث نتيجة أخطاء الجينات أو التهابات تحدث أثناء فترة التقاء الجينات أو الإكثار من التعرض للإشعاعات والأجهزة المشعة، كما أضافوا أن الطب قد يقف عاجزا عند حالات الإعاقة لأن الذي يولد معاقا لا نستطيع شفائه لأن الخطأ كان في تكوينه منذ أن كان مجرد جينات، ولكن كل ما يستطيع أن يفعله الطب هو تدريبه وتأهيله من خلال دور رعاية المعاقين.

القاهرة - دار الاعلام العربية