«كليوباترا» اسم لملكة مصرية شهيرة تم إطلاقه قبل أعوام على إحدى ماكينات الحفر العملاقة التي تم استخدامها لحفر الخط الثاني لمترو الأنفاق، وشاءت الظروف أن يحقق هذا الحفار شهرة كبيرة في الشارع المصري، ليس بسبب إمكانياته وقدراته في الحفر، ولكن لكونه تم ابتلاعه بباطن الأرض لمدة عام كامل بعد حادث الهبوط الشهير بباب الشعرية بوسط القاهرة أثناء القيام بعمليات الحفر. «الحواس الخمس» رصد قصة هذا الحفار وكيفية عمله تحت الأرض وجاءكم بالتفاصيل.
المعلومات المتوافرة حول الحفار كليوباترا وهو صناعة ألمانية، تؤكد أنه من أحدث الحفارات في العالم حيث يمتلك القدرة على حفر أعماق تصل إلى 40 مترا، ويسير يوميا بمعدل نحو 20 مترا تحت الأرض محمولا على عجل، فيما تبلغ قيمته المالية أكثر من 51 مليون دولار.
لا يعود للوراء
يستمد هذا الحفار أهميته عند المصريين من كونه نجح في حفر أهم مناطق الخط الثاني للمترو الذي يصل بين محافظتي الجيزة والقليوبية متقاطعا مع الخط الأول في محطتي مبارك والسادات، فهو الذي حفر النفق أسفل قاع نهر النيل وحفر أيضاً نفق الأزهر، لكن القدر لم يمهله لاستكمال مشواره مع الخط الثالث، حيث يقبع حاليا على عمق 25 مترا تحت الأرض، ما بين محطتي الجيش وباب الشعرية، تمهيدا لاستخراجه.
وكما يقول مدير الموقع بالمحطة الكائن بها، المهندس نادر عبد الرازق الذي رافقنا طوال رحلتنا مع الحفار كليوباترا فإن طوله يصل إلى 66 مترا وقطره 5. 9 أمتار، ويتكون من 4 وحدات: الأولى وحدة الحفر والتركيب تقع في المقدمة، والثانية وحدة مواتير تشغيل الآلة، فيما تختص الثالثة بغرفة التحكم وتوجيه الحفار بينما تضم الوحدة الرابعة الجزء الخاص بتغذية الحفار بالكهرباء وهو مصمم بحيث لا يمتلك القدرة على العودة إلى الوراء.
طبيعة العمل
وعن طبيعة عمل هذا الحفار قبل ابتلاعه، أشار إلى أن آلية عمل الحفار تسير بشكل جماعي، بدءا من الونش العملاق الذي يحمل الكتل الخرسانية - يصمم منها جسم النفق وتزن الواحدة منها حوالي 6 أطنان- من مستوى سطح المحطة وإنزالها داخل المحطة لأسفل عبر فتحه كبيرة.. مرورا بقطار صغير يحمل هذه الإمدادات ويسير على قضبان بداخل النفق خلف الحفار.
أما مهمة الحفار فتتمثل في اختراق التربة بأسلوب يطلق عليه «الترويب»، ثم شفط نواتج الحفر وتنقيتها، مشيرا إلى أن هذا الحفار يتميز بقدرته على التعامل مع جميع أنواع التربة، ويعمل بطريقة رفع مساحة من التربة ووضع مكانها كتلة خرسانية.
الحفر في المجهول
وعن وصفه للحفار القابع تحت الأرض قال إنه عبارة عن أسطوانة كبيرة جدا مقدمته الأمامية دائرية وقطرها تقريبا يساوي قطر النفق الداخلي، فيما تعتبر غرفة التحكم أهم وحداته الأربع، حيث توجد بداخلها شاشات كثيرة تكشف كل محتويات الحفار وما حوله، لكن الصعوبة هنا تكمن في تعامل الحفار مع التربة وكأنه يحفر في المجهول وبالتالي فإن نسبة المخاطرة دائماً موجودة رغم الحرص أثناء الحفر على تجنب مرور الحفار أسفل الكباري والممرات المائية بسبب الخوازيق وضعف التربة.
ويوجد بالحفار شاشة ماكينة تسمى «الحقن» ومهمتها ملء الفراغات المقاومة للانهيارات الأرضية، وهذه الفراغات تسببها الآلة لأن الكتل الخرسانية عند تركيبها داخل جسم الحفار تترك فراغا بسيطا يتم إشباعه بمادة شديدة الالتصاق.
وبسؤاله عن كيفية تنفيذ محطات المترو أسفل الأرض، قال عبدالرازق إن المحطة بعد انتهاء الحفار منها عبارة عن خرسانة أسمنتية من جميع الجهات، أما مكان القطار فيتم ملؤه بالماء لتشبيع الخرسانة، فيما تسير سيارة صب خرسانة بداخل النفق لصب النصف السفلي للنفق الذي قام الحفار بحفره حتى يكون مستويا لنتمكن من وضع فلنكات القضيب بحيث يمكن أن يسير قطاران في اتجاهين مختلفين.
عودة الروح
ووفقا للمهندس عطا الشربيني، رئيس الهيئة القومية للأنفاق، فإنه يتم الآن استخراج باقي أجزاء الحفار كليوباترا بعد عام من وجوده في باطن الأرض، موضحا أنه تم انتشال 4 عربات من الحفار بعد أن تم تجميد التربة المحيطة وتبريدها لتفادي وقوع انهيارات جديدة أثناء استخراج باقي وحدات الحفار.
وأشار إلى أنه بعد استكمال انتشال باقي أجزاء الحفار وإصلاحه بالخارج سيعود للحفر مرة أخرى بالمرحلة الثالثة ليمر أسفل النيل مرة أخرى لكنه لن يقوم بحفر المرحلة الرابعة لأنها تحتاج إلى حفار من نوع آخر، ف«كليوباترا» مصمم للحفر في التربة الطينية فقط، أما المرحلتان الثانية والرابعة من الخط الثالث فتحتاجان حفارا يستطيع أن يحفر في التربة الرملية والصخرية.
وبسؤاله عن تكلفة الخط الثالث لمترو أنفاق مصر، قال الشربيني إن المرحلة الأولى تتكلف 2. 4 مليار جنيه وتنتهي في نوفمبر 1102 والثانية تتكلف 9. 3 مليارات جنيه، فيما تصل نسبة العمالة المصرية بالمشروع إلى 58% وتتوزع النسبة الباقية على الأجانب الذين يعملون في مهام فنية عالية جداً لا نستطيع في الوقت الحالي تنفيذها.
ولفت إلى أن أخطر ما يواجه تنفيذ المشروع نفق مجاري باب الشعرية الذي يبلغ قطره 5. 3 متر، وهو النفق الرئيسي لمجاري القاهرة، ومن المقرر أن يمر الحفار نفرتاري أسفل هذا النفق بحوالي 5. 5 أمتار؛ نظرا لهشاشة التربة بهذه المنطقة القديمة.
القاهرة - دار الاعلام العربية
