في طفولتها شاهدت فيلماً عربياً لرجل شرطة همام، يطارد اللصوص وينقذ الأبرياء، ويحنو على الفتيات الصغيرات اللواتي حرمن من الحنان الأسري.
تخيلت نفسها »نعيمة عاكف« في فيلم »4 بنات وضابط« الذي جسد فيه أنور وجدي قبل 55 عاماً دور هذا الضابط الهمام، إلا أن الواقع الذي قذفت نسرين نفسها في أتونه المشتعل ليس كما الأفلام التي شاهدتها.
والتي عادة ما تنتهي نهاية وردية لا واقعية، فقادت الرغبات المدمرة التي امتلأ بها جسدها الناري إلى إسدال ستار النهاية على رحلتها مع الحياة، نهاية ليست وردية أبداً، إنما دموية لأقصى حد.
في أسرة مفككة نشأت، وحده الفقر كان الصديق الدائم للأسرة كبيرة العدد، الأب يعمل في وظيفة هامشية لا تكاد تفي بشراء الخبز لأطفاله الستة، كانت »نسرين« أكبرهم، لم تكمل تعليمها مكتفية بالشهادة الإعدادية، اضطرت بعدها للعمل في العديد من الأعمال الهامشية.
فكانت في كل عمل تلتحق به تجني من التحرشات أكثر ما تجنيه من الأجر، لم تخرج من هذه الأعمال إلا بحقيقة واحدة، أنها تمتلك جسداً نارياً تتألق معالمه الأنثوية الصارخة، لتجذب أكثر الرجال رصانة ووقاراً، ولم تبخل على نفسها بإعطاء هذا الجمال ما يستحق من الغرور وكلمات الهيام، فراحت تعيد صياغة مستقبلها بطريقة أخرى، طريقة دليلها الجسد، والرغبة.
لم تجد أحداً يردعها، فالأب مشغول ليل نهار، الأم لا يعنيها إلا إلهاء الأفواه الجائعة، لم يكلف أحد الوالدين نفسه عناء المتابعة، فإذا تأخرت لم تجد من يسألها عن ذلك، حتى إن فطنة الأم خانتها في ذلك اليوم الذي عادت فيه نسرين شاحبة الوجه، محمرة الوجنتين، دامية الشفاه، ذلك اليوم الذي ودعت فيه عالم البراءة، إلى عالم الرغبة والارتواء.
نداء الجسد
أدمنت الرجال حتى لم يعد جسدها يعرف طريقاً للراحة إلا بعد أن يلبي نداء الرغبة، فلم تكن لتنام ساكنة قريرة ما لم ترو جسدها، لكنها على الرغم من كل ذلك كانت ملولة، ملت من شباب الحي الذي تقطنه، وأصحاب الأعمال التي كانت تلتحق بها، لذلك قررت الخروج إلى منطقة أخرى، تمارس فيها رغبتها دونما اعتراض أو همس، ولم تفشل في مهمتها أبداً، فسلاح الجسد كان قادراً على اختراق أي موانع.
في أحد الأيام دق هاتفها المحمول لتجد شخصاً يطلب التعرف إليها لأنه معجب بها للغاية، أخبرها بأنه حصل على رقمها من أحد أصدقائه، استمرت المكالمة لعدة دقائق، وانتهت بالتعارف، أحست بسعادة غامرة لأن الزبون الجديد سيمنحها الحماية والقوة، لأنه يعمل »أمين شرطة« وعرفت أن عطلته الأسبوعية يوم الأحد، فطلبت أن تقابله لأنه لا يجب الاستمرار في التعارف على الهاتف المحمول®.
وافق مجدي وفي الميعاد تمت المقابلة في شقته الصغيرة، ومع نسمات الساعات الأولى من الصباح، استيقظ »مجدي« كما العريس صباح زفافه، تحسس سريره، لمست يداه جسداً طرياً، مال مبتسماً كأنما يهم بتقبيل زوجته، و®.
وفجأة انتبه لحقيقة وضعه، فمن بجواره ليست إلا فتاة ليل، انتفض حينما أدرك أن شروق الشمس قد يفضح نزوته، ويتسبب في وصم صورته بتهمة شائنة قد تتسبب في فصله من عمله، وفي الحال هزها بشدة ليوقظها، مطالباً إياها بسرعة الرحيل، لكن الأمر لم يكن بالبساطة التي تصورها، فقد ابتسمت في ثقة امرأة محترفة مؤكدة أنها لن تخرج من هذا البيت، إنما ستبقى، ولم تكتف بذلك، إنما طالبته بأن يتزوجها.
فوجئ بتهديداتها بعد أن كان يظن أنها ليلة ستنقضي مثل أي ليلة ساخنة عاشها من قبل. وزاد فزعه عندما ارتفع صوتها فخشي افتضاح أمره، جلس يفكر في كيفية التخلص من المصيبة التي أحاطت به.
وهداه شيطانه للتخلص منها بالقتل، ظناً منه أن أحداً لن يكتشف جريمته، وعلى الفور هاجمها في غفلة من أمرها، أمسك الإيشارب الخاص بها وأداره حول عنقها، خنقها بكل قوة حتى سقطت على الأرض لافظة آخر أنفاسها، وتركها في الشقة وانصرف على غير هدى، وهو يفكر في كيفية التخلص من الجثة
نهاية لقاء آثم
في نهاية اليوم عاد من عمله وقد اتخذ قراراً بالتخلص من جثتها بوضعها في برميل وإلقائها في منطقة جبلية، ومن ثم عاد إلى مسكنه ظناً أن جريمته انتهت وطويت صفحاتها.
في اليوم التالي كان أحد السائقين عائداً من عمله فاسترعى انتباهه ذلك البرميل الملقى وسط الرمال، وما إن اقترب منه حتى فوجئ بجثة الفتاة، فأسرع بإبلاغ الشرطة التي بدأت على الفور إجراء التحريات وجمع المعلومات عن أي مشاهدات تؤدي لكشف غموض الحادث. وجاءت القطرة التي تسبق الغيث عندما وردت إشارة بوجود بلاغ غياب لربة منزل تقترب أوصافها من أوصاف صاحبة الجثة.
وباستدعاء أهلها وعرض الملابس عليهم قرروا أنها ابنتهم، وأنها دأبت على ترك المنزل والهرب ثم العودة بعد أيام وأسابيع دون أن تبرر أسباب غيابها.
هنا أدرك رجال المباحث أن عملية القتل كانت نهاية طبيعية للقاء آثم. وعادت فرق البحث بمعلومات جديدة كان مفادها أن الفتاة شوهدت بصحبة أمين شرطة قبل الحادث. وحينما عاد مجدي إلى منزله فوجئ برئيس مباحث مدينة 51 مايو يلقي القبض عليه®.
ولم يحاول أبداً الإنكار، ففي اعترافاته أمام النيابة، أكد أنه لم يرد سوى قضاء سهرة حمراء®. وأنه شعر بالخوف عندما هددته بفضح أمره أمام أسرته ورؤسائه في العمل®.
وقف يبكي في حالة هستيرية نادماً على ما فعله، وتذكر أسرته التي سوف تصطدم في نجلها الذي يعتقدون أنه ملاك من السماء®. فقررت النيابة حبسه على ذمة التحقيق مع تقديمه لمحاكمة عاجلة تضع نهاية مأساوية لنزوات امرأة، وطيش شاب.
القاهرة - دار الإعلام العربية