يبدو أن واقع المجتمعات العربية المزدحم بقضايا الفساد الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو الديني أو الثقافي قد ألقى بظلاله على دراما رمضان هذا العام، فلم تنس الدراما المصرية التطرق إلى أهم الموضوعات الحساسة في المجتمع التي ظل مسكوتا عنها طوال السنوات السابقة بعد أن لاحظ كتاب السيناريو أن تلك الأنواع من الدراما تحظى بجماهيرية ونسبة مشاهدة أكبر مقارنة بالأعمال الدرامية التي تحكي واقع المشكلات الاجتماعية من قصص حب وعنوسة وطلاق وأزمات أخرى.
كثيرة هي القضايا الشائكة التي تفرض نفسها على دراما رمضان، فيعرض مسلسل »العار« لتجارة المخدرات على غرار الفيلم الشهير »العار« وإن كان المسلسل قد توسع في عرض القضية من خلال التطرق إلى عمليات غسيل الأموال والإرث الحرام من حصيلة تجارة الكيف ومن تجارة المخدرات إلى قضية أخرى أكثر سخونة في مسلسل »زهرة وأزواجها الخمسة« الذي يناقش قضايا تعدد الأزواج التي باتت تفرض نفسها على المجتمعات المصرية والعربية خلال السنوات الفائتة، لكن كعادة غادة أقحمت الرقص وارتداء الملابس الساخنة على العمل، حيث قدمت مجموعة كبيرة من الرقصات لكل زوج من الأزواج، الأمر الذي همش القضية نوعا ما.
علاقات مشبوهة
وبينما تطرق مسلسل »بفعل فاعل« إلى قضية التطبيع وتأثيرها على الأطراف المشاركة في العمل الرسمي في مصر والصفقات التي يتم عقدها خلسة مع الكيان الصهيوني، رصد مسلسل »القطة العميا« نوعا آخر من الفساد الذي استشرى بين أعضاء مجلس الشعب حيث يفضح العمل علاقاتهم المشبوهة والسبل التي يتبعونها لتحقيق مصالحهم.
أما أكثر القضايا حساسية والتي جاءت في وقتها، حسب كلام الفنان حسين فهمي، فقد تناولها مسلسله »بابا نور« الذي يجسد واقعاً أليما للأحزاب المصرية التي أصبحت بلا كيانات أو دور مجتمعي، خصوصا أن عرض المسلسل يأتي مواكبا الاستعداد لانتخابات مجلس الشعب®.
في حين يفضح مسلسل »منتهى العشق« لمصطفى قمر الفساد البنكي وهروب رجال الأعمال بأموال البنوك إلى الخارج والاستيلاء على القروض بلا ضمانات.
صياغة جديدة للفساد
ولأن الدراما مرآة تعكس الواقع وتعبر عن نبض الشارع، يؤكد الناقد الفني عصام زكريا أن السلوكيات في المجتمع الآن باتت مجردة من الأخلاق، وبالتالي فالصورة أصبحت في حاجة إلى توضيح بعد أن انتشرت كل الآفات في وقت واحد من سرقة إلى فساد إلى اتجار بالمخدرات.
وقال إنه على الرغم من تسليط الدراما الضوء على أشكال وصور الفساد كافة خلال السنوات السابقة فإن الكتاب هذا العام اتجهوا إلى صياغة جديدة لتلك الأحداث من خلال معالجة مختلفة لكل قضية تبعاً لظروفها ونوعياتها من الزاوية التي تناقشها®.لكن هناك فريقا آخر من الكتاب تاجر بهذه القضايا من أجل جذب الجماهير إليه، حيث جعل المجتمع أشبه بخلية فاسدة.
لغة تسويقية
الرأي نفسه تتفق معه الناقدة خيرية البشلاوي مؤكدة أن دراما الانحراف والفساد والمخدرات والجنس والشذوذ والعلاقات غير المشروعة أصبحت لغة مسيطرة على المشهد الرمضاني كل عام، وذلك بعد أن وجد الكتاب إقبالاً شديداً على هذه النصوص المحملة بجرعة كبيرة من العنف والأكشن، فيما وجد المنتجون أن هذه اللغة هي أفضل الوسائل لتسويق الأعمال الدرامية.
ولم تكن المخدرات وأموال البنوك هي المسيطر الوحيد لكن هناك قضايا أكثر سخونة وهي قضايا الاغتصاب التي بات المنتجون يعدون لها بالمشاهد الساخنة والمثيرة®. ويعد مسلسل »مذكرات سيئة السمعة« للفنانة لوسي، من أكثر الأعمال الدرامية التي توافرت بها جميع التوابل التي يضيفها المنتجون لضمان تسويق العمل.
أوضحت البشلاوي أن لعبة ما تتم بين الكتاب والمنتجين من اجل الإثارة الرخيصة وتحقيق الربح المادي والدخل الإعلاني دون أن يراعوا أن طرح هذه القضايا لا يعالج مشكلة لكنه يضاعفها، وأن عرض الحالات الشاذة من مجتمعاتنا على شاشة التليفزيون هو بمثابة تجارة بالانحرافات العربية الواجب اقتلاعها.
زيادة وإسهاب
أما الكاتب وحيد حامد مؤلف مسلسل »الجماعة«، الذي يعرض حالياً ويتحدث عن مخططات الإخوان المسلمين للسيطرة على زمام الأمور في الدول الإسلامية- فيقول إن رأي البشلاوى غير دقيق بالمرة لأننا كعرب تعودنا على أن ندفن رؤوسنا في الرمال®. فما العيب أن تغوص الدراما في هذه القضايا الحساسة®. وما العيب في أن نفضح تلك العمليات والمخططات وقضايا الانحراف؟®.
أما القول بأننا عندما نفعل ذلك فإننا نفضح أنفسنا فهذا رأي يفتقد الدقة، لأننا نفضح الفساد ولا نفضح المجتمعات، حيث لم تبرر الدراما منذ نشأتها العلاقات الجنسية غير المشروعة خارج إطار الحياة الزوجية ولم تقدمها على أنها نوع من التحرر من قيود المؤسسة الزوجية لكنها تؤكد دوماً أنها من المحرمات ومن الأشياء غير المقبولة.
القاهرة : دار الإعلام العربية