في صيف العام 1983 أصدر الألبوم الثالث لمطرب الملامح المصرية الخالصة، محمد منير، محتضنا ألحان الموسيقي وعازف الدرامز العائد حديثا من الولايات المتحدة الأميركية محملاً برؤية لحنية معاصرة وجديدة على الحياة الموسيقية المصرية، إنه الموسيقي يحيى خليل الذي واصل منذ ذلك التاريخ تقديم ألحانه المحمَّلة بروح التراث الشرقي الذي تربَّى وجدانه على مقاماته وإيقاعاته..
ولا يمكن أن ننسى ما قاله عنه الموسيقار كمال الطويل.. «إن يحيى خليل يعد النغمة الصحيحة لما يجب أن يقدمه الشباب».. مع رجل عاش 50 عامًا من موسيقى الجاز يمتد الحديث عن حفلاته بدار الأوبرا المصرية، وآخر ألبوماته، إيقاع الروح، وبالطبع موسيقى الجاز ومهرجانها الذي سينطلق منتصف أكتوبر المقبل..ما الأهداف التي رسمتها منذ إنشائك فرقة موسيقية تحمل اسمك؟كنت أهدف إلى صياغة موجة جديدة في تاريخ الموسيقى في بلد مثل مصر يحفل بشتى ألوان الغناء والموسيقى؛ لذا كان لابد من دراسة الأمر جيدا واختبار أساليب التوزيع الحديثة.
واستخدام الآلات الغربية والشرقية معا بميزان الذهب، وكنت مغرما بجمع العازفين المهرة في فرقتي أمثال فتحي سلامة على البيانو، وعزيز الناصر على الباص جيتار، وعندما تعاملنا مع ألحان أحمد منيب وبليغ حمدي وأشعار عبدالرحيم منصور ومجدي نجيب، وصوت مصري الهوى والنبرات مثل محمد منير كان الانقلاب الكبير، فقد أعدت الغناء من خلال صوت منير إلى الحرم الجامعي واجتذبنا الشباب في وقت كانت السطوة فيه للأصوات المنغلقة.
هل هناك ارتباط أبدي بينك وبين محمد منير؟
لا يمكن أن يكون هناك ارتباط أبديٌّ بين ملحن ومطرب، فالملحن يحتاج إلى تجربة أصوات مختلفة ومناطق موسيقية مختلفة قد لا تتفق كلها مع مطرب واحد، كذلك المطرب يحتاج إلى تنويع موسيقى أغنياته وتحقيق طموحات مختلفة، وهذا حق مشروع لكل إنسان.
مفاوضات العودة
تاريخك مع موسيقى الجاز كبير خاصة في التعريف بها ونشرها لدى الجمهور المصري من خلال برنامجك التلفزيوني «عالم الجاز»، فلماذا توقف البرنامج؟
مع افتتاح دار الأوبرا المصرية قبل أكثر من 20 عاما حاولت تقديم حفلات متنوعة من الجاز العالمي إلى جانب بعض أعمالي، استقطبت هذه الحفلات قطاعا كبيرا من الشباب المتطلع إلى التعرف إلى ثقافات موسيقية من العالم، وكنت أحيانا أستضيف بعض الموسيقيين من أميركا وأوروبا في حفلاتي.
وهذا ما دعاني لتدعيم فكرة تعريف الجمهور بموسيقى الجاز أكثر، فكان برنامج عالم الجاز على القناة الثانية المصرية الذي من خلاله تعرّف محبو الجاز إلى فنانين عالميين؛ كنت أحصل على شرائط حفلاتهم من خلال معارفي الشخصية بهم، لكن للأسف توقف البرنامج بعد أعوام طويلة بسبب اعتراضي على توقيت عرضه في وقت متأخر، الأمر الذي أضر بأهدافي، إلا أن هناك مفاوضات للعودة حاليا مع مسؤولين بالتلفزيون للاتفاق على برنامج جديد، كما سأبدأ برنامجا آخر مع الإذاعة من خلال محطة راديو مصر خلال الأسابيع المقبلة.
موسيقى الإنسان المعاصر
هل توقف حلمك عند حد تعريف الجمهور بالجاز العالمي فقط؟
الأحلام لا تنتهي، كنت أسعى منذ البداية إلى الخصوصية الموسيقية للجاز المصري، بمعنى أن نتمكن من صنع جاز مصري أو ما يمكن تسميته اصطلاحا ه؟ُِّيفَ تف»» ئَِّّيَُ، فوضعت خبرتي في صياغة هذه الموسيقى من خلال إعادة صياغة لألحان سيد درويش وأغنيات أم كلثوم وفيروز، وصبغتهما بأسلوب وإيقاعات الجاز الذي يستطيع تلوين أي موسيقى، فهو أسلوب عزف في الأساس؛ لذا ينتشر في العالم بسهولة خاصة في الـ 30 عاما الفائتة، فأصبح الجاز موسيقى الإنسان المعاصر بسحره الجاذب للجماهير في كل أنحاء العالم.
دائما تكون المهرجانات ملتقى لكبار الموسيقيين، فما حجم مشاركاتك في مثل هذه المهرجانات؟
تصلني كثير من الدعوات للمشاركة في معظم مهرجانات الجاز وأهمها مهرجان بانسكو ببلغاريا، وسان جوسيه بأمريكا، وكيب تاون بجنوب أفريقيا، وحسين بوسعيد بتونس، وهذه المهرجانات بالفعل فرصة للاطلاع على ما يقوم به أصدقاء الجاز في العالم؛ فنتبادل الخبرات التي تتطور بشكل مذهل وسريع، أما داخل مصر فسعدت بوجود مهرجان القاهرة للجاز الذي خطط له الموسيقي عمرو صلاح، مؤسس فرقة إفتكاسات، وقد كُرّمتُ في أول دورة للمهرجان منذ عامين، وسعدت هذا العام بحضور الموسيقي اللبناني زياد رحباني وتكريمه في الدورة الثانية للمهرجان، وأرجو أن تتاح له الفرصة للحضور إلى القاهرة مرة ثانية لألتقي به عن قرب، وليقدم حفلات في أماكن مختلفة.
مهرجان أكتوبر
هناك أخبار تقول إنك تنوي تنظيم مهرجان آخر للجاز، فما حقيقة الأمر؟
بالفعل سيكون هناك مهرجان في أكتوبر المقبل يومي 14، 15 على مسارح دار الأوبرا المصرية بالتعاون بين مؤسسة يحيى خليل لنشر ثقافة موسيقى الجاز وقطاع العلاقات الثقافية الخارجية، وبدأنا في الإعداد له منذ فترة وستكون الأسماء المشاركة فيه مفاجآت ستسعد جمهور الموسيقى عامة والجاز بشكل خاص.
هل تعتبر مصر بلد كرنفالات ومهرجانات موسيقية أم أننا لا نزال نفتقد هذه الروح؟
نحن نفتقد هذا الأمر، ليس لنقص ثقافتنا الموسيقية، إنما لعدم تنفيذ مثل هذه المهرجانات في الشوارع، فمعروف عن مصر أنها بلد مهرجانات منذ القدم، وتطبيقا لهذا المبدأ سيقام احتفال بمرور 105 أعوام على تأسيس ضاحية مصر الجديدة، ويحضر الحفل نحو 30 ألف متفرج، وسيقام هذا المهرجان بأحد الميادين الرئيسية بمصر الجديدة، وهذا شيء رائع وتقليد جديد يحدث في مصر على غرار ما نراه في أوروبا وغيرها من مهرجانات وكرنفالات في الشوارع، وهذا ما سيجعل الموسيقى جزءا من حياة المصريين.
أصدرت هذا العام ألبوما بعنوان إيقاع الروح؛ فماذا أردت من ورائه؟
إيقاع الروح توثيق للحالة الموسيقية التي أعمل عليها منذ أعوام، وهذه الحالة هي التي أعيشها وأحلم بأن تحقق مزيدا من النجاح، وتمنح الجمهور مزيدا من الإحساس بالنشوة والمتعة والإقبال على الحياة، وأعتقد أن هذا الألبوم توليفة موسيقية اجتهدت مع أعضاء فرقتي في تقديمها للجمهور في أحسن شكل وبروح مصرية مغلّفة بقوة موسيقى الجاز.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية