المهور الرمزية دليل على أن الأصل في المجتمع الإماراتي هو القناعة والرضا والاستغناء عن جميع مظاهر التفاخر الدخيلة على الدولة، وكان الأجداد يزوجون بناتهم مقابل بعض التمر أو عدد من رؤوس الماشية أو الإبل أو خنجر أو سيف، لتأكيد أن المال لا يهمهم مقابل شراء «الرجل» أو النسيب، كما كانوا يقولون.

وفي إطار السطور التالية نعرض قصصاً واقعية متعددة حدثت بين أسر إماراتية، زوجت بناتها بصندوق تمر، وبحفظ آيات من القرآن، ودون إقامة حفل زفاف مُكلف، وهي جميعها خطوات مباركة يسرت، ولاتزال، على الشباب الارتباط ببنات وطنهم، وتجسد صورة من صور التكافل الاجتماعي، التي يحض عليها ديننا الحنيف، وتؤكدها قيمنا العربية الأصيلة.. وهي مبادرات جديرة بالتقدير والاحترام ومثال يحتذى به.

تمر مهر العروس

بعيداً عن الكثير من أشكال التفاخر والبذخ، التي أثقلت كواهل الشباب، وبدأوا حياتهم الزوجية أسرى للديون، وحدهما «الحكمة والقناعة»، جعلتا المواطن عبدالله الشامسي من مدينة العين يلقي بهذه المظاهر الخادعة، وحديث الناس خلف ظهره، وزوّج ابنته بمهر قدره صندوق تمر، حيث أقدم والد العروس على هذه الخطوة التي قد يستنكرها الكثيرون وهو واثق بأنها ستخفف الكثير عن زوج ابنته، حيث يؤكد أن المغالاة في المهور ما هي إلا عقبة تقف في وجه زواج الشباب وإنشاء الأسر الإماراتية.

تم عقد القران في المحكمة الشرعية في العين، ودفع العريس صندوق التمر الذي وجده والد العروس كافياً ليزوج ابنته، ومعبراً عن نعمة وفيرة ظلت بها أشجار النخيل رمزاً لأصالة هذا البلد واهتماماً متوراثاً من الأجداد حتى الأبناء، إلا أن المحكمة رفضت تسجيله في عقد الزواج وسجل القاضي قيمة المهر 100 درهم، مراعاة للإجراءات المتبعة في توثيق عقد الزواج.

ولم ينسَ والد العروس دعوة المواطنين إلى الابتعاد عن المبالغة في مظاهر الأعراس والتخفيف عن الشباب المقبلين على الزواج، مؤكداً أن الكثير من حفلات الزواج الفارهة والمهور الغالية هي نفسها سبب في حدوث الطلاق.

الاقتران بآيات قرآنية

قرأ الشاب الإماراتي جاسم محمد الحمادي، أمام والد عروسه والمدعوين والمأذون خمس آيات من سورة «يس»، كانت كفيلة بإتمام عقد الزواج، وكانت هذه الآيات المهر الذي طلبه والد العروس لتزويج ابنته.

مفضلاً آية من القرآن الكريم على 40 ألف درهم إماراتي قيمة المقدم والمؤخر، عملاً بالقانون المحدد للمهر، حيث رفض والد الفتاة قبول أي مهر وطلب من الشاب قراءة بعض من الآيات القرآنية، موضحاً للحضور أنه ينظر إليه كرجل متدين، يستطيع الحفاظ على ابنته ويقدرها ويحترمها.

نموذج آخر

طلب أب إماراتي من شاب جاء يطلب يد ابنته للزواج، أن يكون مهرها حفظ المتقدم للقرآن الكريم، والشاب المواطن على الرغم من كونه مهندساً لا يتجاوز عمره الخامسة والعشرين وأحواله ميسورة، فإنه لم يكن يمتلك هذا المهر الغالي جداً. وأمام هذا لم يكن أمام الشاب سوى السعي لدى أهل الخير للتوسط عند والد العروس، فما كان إلا أن خفض المهر، إلى عشرة أجزاء من كتاب الله.

هذه الواقعة ليست مشهداً درامياً، بل هي قصة حقيقية، حيث توجه الشاب الإماراتي إلى مؤسسة القرآن الكريم والسنة بالشارقة كي تساعده على حفظ القرآن الكريم بأسرع وقت ممكن، حتى يتمكن من الارتباط بالفتاة التي اختارها شريكة لحياته.

وقامت المؤسسة بمساعدة هذا الشاب وضمه إلى إحدى حلقات الكبار، أي إلى مجموعة من حفظة القرآن الكريم التابع للمؤسسة، لإنجاز هذه المهمة. أما أسباب هذا الشرط من قبل والد الفتاة، فقد جاء نابعاً من إيمانه واقتناعه بضرورة أن يكون صهره على دراية كاملة بدينه وحافظاً لكتاب الله، حسب تعبيره، وعلى الوجه الآخر فهو يوجه رسالة إلى أولياء الأمور.

خصوصاً أولئك الذين يتبارون في ما بينهم لرفع مهور بناتهم، بأن هناك ما هو أهم من الأموال، ألا وهو التمسك بديننا الحنيف، وأن يتقوا الله في بناتهم، إضافة إلى أن العروس ملتزمة وحافظة لكتاب الله، وهو يريد لمن سيقترن بها أن يكون أهلاً لها.

زواج دون زفاف

في خطوة تهدف إلى لفت الانتباه لمشكلة غلاء المهور، وكلفة حفلات الزفاف التي يتكبدها الشاب المواطن في سبيل إتمام الزواج على الصورة المتعارف عليها في المجتمع المحلي، أقدم رب أسرة مواطن في مدينة العين خلال السنوات الماضية على تزويج بناته العشر دون حفل زفاف وبمهر رمزي.

وعمل المواطن علي الأحبابي، المقيم في منطقة الهيلي بالعين، إلى تزويج ابنته العاشرة بالطريقة التي استنها على مدى سنوات، حيث يكون الزواج مقتصراً على إفطار صباحي يحضره الزوج وذووه، إضافة إلى مجموعة من الأقارب والجيران.

وبانقضاء الإفطار يقوم والد العروس بتسليمها لزوجها دون حفل زواج وتكاليف تثقل كاهل الزوجين في بداية حياتهما، مؤكداً أن فكرته بتزويج بناته بهذا الطريقة كانت نتيجة لما رآه من مغالاة في المهور وتكاليف الزواج، حيث تشكل عبئاً على الشباب المقبل على الحياة، مشيراً إلى أن بعض الأعراس التي شهدها قد تعدت مصاريفها مئات الآلاف.

ولفت إلى أن ما قام به هو اتباع لسنة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، وفقاً للحديث القائل «أقلهن مهوراً أكثرهن بركة»، مؤكداً أن ما يتم حالياً من قبل بعض الأهالي يعارض المصلحة المجتمعية العامة، ويزيد نسب العنوسة والعزوف عن الزواج وغيرها من الأضرار التي من شأنها الإخلال بالتوازن الطبيعي في المجتمع.

وأشار إلى أنه خلال سنوات مضت زوّج 10 من بناته على النسق نفسه، من دون حفل أو حجوزات في صالات الأفراح ودعوات مطبوعة، وغيرها من المصاريف التي لا طائل منها، إلا التأثير بشكل سلبي في سهولة وتيسير الزواج على الشباب، والإقدام عليه دون معوقات لها انعكاسات مجتمعية كبيرة.

صداق 100 درهم

وتزوج أحد الشباب الإماراتيين أيضاً بمهر مسمى وقدره 100 درهم مقدم صداق، و100 درهم مؤجل، وأوضح والدا العروسين أن ما قاما به يُجسد نصائح الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، الرامية إلى التخفيف عن الشباب المقبلين على الزواج والابتعاد عن المغالاة في المهور والتكلف والإسراف والتبذير في إقامة حفلات الزواج، تلك العادات الدخيلة على مجتمع الإمارات.

زواج بـ 15 درهما

يذكر الشاب الإماراتي حمد سالم الطنيجي موقفاً حدث مع أحد أقاربه، وهو معروف بالدين والصلاح، حينما تقدم لخطبة فتاة في مدينة كلباء، حيث قام والد الفتاة بكسر غلاء المهور، وزوج ابنته بمهر مقداره 15 درهماً، وهو والد لا يريد إلا الستر لابنته، وذكر والد الفتاة أنه يشجع الآباء على خفض المهور، وعدم المبالغة بطلب مهور كبيرة لا يصدقها العقل، خصوصاً أن رواتب الشباب لا تساعدهم على دفع مهور كبيرة، فمعظمهم من ذوي الرواتب البسيطة.

ومن جانب آخر فإن خفض المهور وخفض الأعباء المادية الأخرى يؤدي إلى ترغيب الشباب في الزواج وبدء حياتهم دون مشاكل ومنغصات، تؤدي إلى عدم استقرار الأسرة الوليدة وفشل الحياة الزوجية، وعودة إلى القصة فإن الشاب العريس اكتفى بقوله: «لست نادماً على الزواج بهذه الطريقة، ولن أكترث لكلام الناس، بل أجد نفسي ممتناً كثيراً لمن أسهموا في تذليل عقبات زواجي، وأتمنى أن يحذو بقية الشباب حذوي».

دبي - جميلة إسماعيل