سيناء هي أرض التاريخ ومنبع التراث المصري العريق، فكل وادٍ من أرضها ينطق تراثًا يتعرف إليه العالم من خلال فِرق فنية تقدم شبابًا يجمعون بين فنون القول والحركة والتشكيل والموسيقى الشعبية، لتظهر ثقافة سيناء الشعبية على هيئة رقصات وأغانٍ وطقوس في الأفراح والمآتم منطلقة من «فرقة العريش للفنون الشعبية»، والتي تكوَّنت العام 1979.
ومهمتها الأساسية تحسين عناصر الطقس الشعبي بكل مفرداته في إطار فقرات فنية تقدم على المسرح مع استخدام كل الوسائل للإبهار المسرحي، مستعرضة عادات وتقاليد الشعب السيناوي.
فرقة «العريش للفنون الشعبية» تقدم الموروث المعبِّر عن خصوصيتها البدوية التي تمتد إلى آلاف السنين، هكذا يقول نبيل فهمي مدير فرقة العريش للفنون الشعبية، مؤكداً أن هذه الفرقة تكوَّنت من أبناء سيناء الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 - 25 عامًا، كما أن الفرقة تابعة لهيئة قصور الثقافة المصرية.
ويضيف: إن منطقة سيناء مليئة بالعادات والتقاليد الخاصة بالملابس والأغنيات والرقصات الشعبية التي تشجع على إخراج هذا الفن بشكل متميز؛ حيث قام مصممو الرقصات بالفرقة بتجسيد كل ذلك من خلال البيئة، كما أن للفرقة أكثر من 18 رقصة شعبية ممزوجة بالأغنيات البدوية.
رقصات
ويشير إلى أشهر الرقصات الخاصة بالفرقة، ومنها رقصة «الساهر السيناوي»، وهي رقصة تتناول عادات وتقاليد ساكني البادية في ليالي السمر عند اكتمال القمر؛ حيث يوقدون النار أمام الخيام ليهتدي بها الغريب، كما أن هناك رقصة «الفرح السيناوي» التي تتناول الطقوس الشعبية المتَّبعة في مرحلة الخطبة ثم عقد القران والزفاف، وفي هذا الطقس يتضح حفاظ البدوي على عاداته وتقاليده.
حيث لا يزوِّج الأب ابنته إلا من أبناء عمومته في القبيلة، فيقوم البدو بنحر الذبائح في أفراحهم، وإكرام الضيوف، وإقامة الموائد للمجاملين من القبائل الأخرى، وتستمر طقوس الفرح البدوي 7 أيامٍ كاملة..
كما لا تنسى فرقة العريش طقس «الزَّفة» الذي يكون جمهوره من النساء والأطفال يرددون الأغاني الشعبية المتداولة في الدلتا والوادي، إضافة إلى رقصة «الاسدارية» وهي قصة فنية تتناول كيفية اختيار الشباب للفتاة التي يرغب في الزواج منها في البادية من بين بنات عمومته في إطار من الالتزام بعادات وتقاليد القبيلة.
فرقة العريش توثق قيَّم الشرف، وطقس «السِّبوع» من خلال رقصات تعبر عما تفعله القبيلة في مثل هذه الأمور، كما أن لديهم رقصة «الصيادين» التي تعبر عن رحلة حياة الصيادين في بحيرة البردويل - أشهر بحيرات صيد السمك في مصر - بالأغاني التي يتم ترديدها أثناء رحلة الصيد، كذلك رقصة «الدمية».
وهى أشهر رقصات البادية، وتعبر عن الترحيب بالضيف، وهي جزء من طقس السامر السيناوي، وتنقسم الفرقة فيها إلى مجموعتين ترقصان على أقوال «البديع» الخاص بكل جماعة، والبديع- كما يقول مدير الفرقة - هو الذي يُبدع الأغنيات في التو لكل مجموعة.
رقصات القهوة والسيف
يضيف نبيل فهمي: هناك أيضا رقصة «الهباش» وهى عبارة عن فقرة فنية تتناول في تفاصيلها كيفية إعداد القهوة العربية وتناولها واستقبال الضيوف، باعتبارها دلالة على الكرم العربي، أما «السيف العربي» فهي أيضًا من ضمن الرقصات؛ ذلك لأن السيف العربي له تاريخ طويل في البادية العربية، فالسيف خليل البدوي في البادية، يواجه به الأعداء، ويبعد المعتدين عن القبيلة، ويرفع به لواء العقيدة.
وتنضم «المرواس» إلى رقصات فرقة العريش، والمرواس آلة من آلات الإيقاع في البادية العربية، وتنتشر في شبه الجزيرة العربية، وبادية سيناء، وتستخدم في المناسبات القومية والدينية، وأيضًا عند إعلان الحروب بين القبائل، ما يسمونه ب«طبول العرب».
ولا يوجد لها مثيل إلا في الدول الإفريقية في الجنوب، علاوة على بعض الرقصات الأخرى مثل «أقيموا الأفراح، السمانة، الحصاد، رجال سيناء»، فكل هذه الرقصات تقدمها «فرقة العريش للفنون الشعبية»؛ للتعبير عن عادات هذا الشعب العريق المليء بالتراث والحضارة.
أزياء بدوية
ملابس رجال الفرقة عبارة عن سروال واسع، وقميص من قماش قطني، أو «فانلة» بأكمام طويلة وفتحة عنق مستديرة، ثم قفطان من الصوف الخفيف يُلبس عليه حزام من الجلد يسمى «الشبرية»، ويُضاف إليه سيف، ويتكون غطاء الرأس من «العقدة».
وهى مربع من القماش الأبيض الخفيف يُطوى في شكل مثلث، ثم يُلف حول الرأس عقال أسود مبروم يسمى «صدير»، أما زي المرأة فهو ثوب من قماش القطن الأسود، طويل القدمين، مطرَّز بالخيوط الحريرية الملونة في وحدات تلقائية متقنة تغطي معظم فراغات الثوب، وتلف النساء خصورهن بأحزمة من الصوف القرمزي تسمى «صوفية»، وأحيانًا تلف رأسها وجسمها بوشاح أسود اللون، مطرز بوحدات زخرفية بسيطة في طوقه ووسطه، كل ذلك يمتزج ليعبر عن الروح السيناوية.
أعضاء الفرقة
العمود الفقري لهذه الفرقة من شباب سيناء المتحمس إلى الحفاظ على العادات والتقاليد التي تتمتع بها هذه المنطقة المهمة من العالم، فمن أعضاء الفرقة سامح كامل، وهو راقص عمره 25 عامًا، ويدرس في المرحلة الجامعية، والتحق بالفرقة منذ 8 أعوام.
ويقول إنه عاشق لهذه الفرقة، وفخور أنه من أعضائها؛ لأن عروضها مميزة وتعبِّر عن الحضارة والتراث، أما «غادة أشرف»، 17 عامًا، فتقول إنها عندما شاهدت هذه الفرقة وعروضها، انبهرت بما فيها، وقررت الانضمام إليها منذ عامين، وتدرَّبت على أيدي المصممين، ونجحت في أن تقدم فنًا تعشقه وتراثًا للشعب السيناوي، وهذا «غريب مؤمن»، مطرب الفرقة، يؤكد أن فرقة العريش هي الفرقة الوحيدة التي تقدم مثل هذا التراث.
وباعتباره من أبناء سيناء فهو سعيد بمشاركته في تصدير هذا التراث إلى العالم، فهو يرى استمتاع الأجانب بهذه الفنون، ويطلبون المزيد منها، كما أنه يصاحب الراقصين بالمواويل الغنائية التي تكمل الرقصات والأزياء؛ لكي يخرج العمل مكتمل العناصر التي تعبر عن البيئة السيناوية وفنونها المختلفة.
القاهرة - دار الإعلام العربية