ما المتوقّع أن يتبادله العريس والعروس خلال إتمام مراسم زواجهما وإعلانهما زوجاً وزوجة؟ .. اعترافاتٌ وعهود، أم قبلات وأمنياتٌ بدوام الرفاء والبنين؟

هذه الأفكار كلاسيكيّة ولم تعد تناسب زماننا هذا، حيث إن دانا هانا، العريس الذي احتلّت أخباره أغلب مواقع الإنترنت في العالم، لم يبادر إلى تقبيل عروسته، وإنّما فضّل تحديث آخر أخباره على موقع التواصل الاجتماعيّ الفيس بوك، بعيد ثوانٍ من إعلانه وخطيبته ترايسي زوجاً وزوجة في كاليفورنيا في الولايات المتّحدة الأميركيّة.في 4 فبراير 2004، ظهر أكبر شكل من الإعلام الاجتماعي، أو برامج التواصل الاجتماعيّة على شبكة الانترنت انتشاراً. وكان البرنامج عبارةً عن أسلوب للتواصل يعتمد على الشبكات التي يتّصل بها الناس عبر المدن وشركات العمل أو المدارس وأماكن السكن.

بالإضافة إلى أن أسلوب التواصل هذا سمح للأصدقاء والمعارف بإرسال الرسائل إلى أولئك الذين يعرفونهم، فضلاً عن تحديث أخبارهم بشكلٍ يومي لكي يتمكّن أصدقاؤهم من الاطّلاع عليها بشكلٍ دائم.

التحكّم بالبيانات المشتركة

من المعروف أن النسخة المتوافرة حاليّاً تطوّرت عدّة مرات قبل أن تصل إلى شكلها الحالي، ومع كلّ تطوير، كانت الخيارات تتعدّد، فالموقع الآن على سبيل المثال يتيح لمستخدميه إمكانيّة تحديد البيانات التي يرغبون بمشاركتها مع الآخرين.

وأيضاً تحديد أصدقائهم ضمن مجموعات تسهّل عليهم اختيار الفئة التي يرغبون مشاركتها بفكرةٍ ما. «منى» على سبيل المثال، طالبةٌ في جامعة الشارقة.

تقول: «إنّ لصديقة والدتي المفضّلة حسابٌ على موقع الفيس بوك، وهي من بين أصدقائي، ويمكنها الاطّلاع على صوري وآخر أخباري، ولكنّها غير قادرة على معرفة من هم أصدقائي على الموقع ذاته، ولا يمكنها أيضاً قراءة التعليقات التي يكتبونها على صوري أو تحديثات أخباري».

دعم القضايا الاجتماعيّة

ليس من السهل على مشتركي الفيس بوك الجدد معرفة الفائدة التي يمكن لهذا الموقع أن يقدّمها في دعمٍ قضيّة اجتماعيّة ما، إلا أن المشتركين المخضرمين، إذا صحّ التعبير، يعلمون أغلب الخيارات.

ويعرفون أنّ بإمكانهم إنشاء مجموعات أو صفحات نقاش يطرحون فيها، إن شاءوا، موضوعات اجتماعيّة ذات أهميّة بالنسبة لهم، بل وزيادةً على ذلك، يمكنهم حشد الداعمين لقضيتهم ودفعهم لتقديم المساعدة الماديّة أو الشخصيّة فقط عن طريق منظّمات معترف بها تُعنى بشأن القضايا ذاتها.

فمركز برجمان، كلّ عامٍ يحاول دعم حملته للحد من انتشار سرطان الثدي بإنشاء مجموعاتٍ على موقع فيس بوك، من شأنها أن تحثّ العالم على المشاركة بالحملة ونشاطاتها المختلفة.

تواصلٌ بلا حدود

أغلب من يستخدم موقع الفيس بوك لفتراتٍ طويلة، يعتبره أسلوباً مثاليّاً للتواصل مع المعارف، كونه يزيح عن كاهلهم العديد من المهام التي كان من الصعب الإحاطة بها كلّها في السابق.

ومن هذه المهام الدعوات، تقديم التهاني أو التعازي، تنظيم جداول المواعيد والمناسبات وأعياد الميلاد، وأهمّ من هذا كلّه نشر الأخبار التي يرغبون بأن يعرفها الكلّ عنهم.

وعائق المكان من ناحيةٍ أخرى، لا اعتبار له مع وجود فيس بوك، فلا مشكلة في البلد التي يسكنها المستخدم، لأنّ وجوده الافتراضيّ يبقى حاضراً، ويقاس مدى قربه بعدد المرّات التي يقوم فيها بالاطلاع على صفحته وتحديثها والتعليق على صفحات أصدقائه.

تسهيلات أكاديميّة

بالنسبة لطلّبة المدارس والجامعات، يمكن لهم التواصل والتراسل مع بعضهم البعض بشكلٍ دائم للحديث عمّا يشغلهم في الأمور الحياتيّة أو التقديريّة أو حتّى الأكاديميّة.

وعلى الرغم من أنّ مشاركة الأفكار في فضاءٍ مفتوحٌ هي أمرٌ غريبٌ بالنسبة للكبار، فإنّ ذلك لا ينفي كون استخدام الفيس بوك، أو مواقع التواصل الاجتماعيّ بشكلٍ عام، أمراً ممتعاً وذاخراً بالمعرفة.

وبما أن أفضل المنتجات في العالم لا يخلو تأثيرها من بعض النقاط السلبيّة، لا يُستثنى الفيس بوك من هذه القاعدة، ففي الكثير من الأحيان يمكن لموقع التواصل البريء هذا أن ينقلب إلى سلاحٍ ذي حدّين، ويضع الحدّ السلبي له مستخدمه في مآزق كبيرة ومطبّات اجتماعيّة أو عاطفيّة أو اقتصاديّة، لا يسهل الخروج منها.

علاقات أقل حميميّة

يعتمد الكثير من أفراد الأسرة الواحدة والأصدقاء على موقع الفيس بوك للتواصل مع أقاربهم ومعارفهم المقيمين في أماكن بعيدة، وللحقيقة يُنجز هذا الموقع عمله على أتمّ شكل، حيث إنّه ينقل الأخبار على مدار الساعة، وأحياناً ينقلها بالصوت والصورة.

إلا أنّ هذه الأخبار تبقى رموزاً رقميّة تتمّ قراءتها من على شاشة الكمبيوتر، ولا يدخل فيها أي نوعٍ من الاتّصال المباشر، لذا فهي تُضعف هذه العلاقات، وقد تؤول بها إلى نهاية في بعض الأحيان.

التأثير في صناعة الانترنت

حتّى إذا كان النظام مدجّجاً بالنقاط الإيجابيّة، فإن تلك الحقيقة لا تنفي إمكان أن تكون التأثيرات السلبيّة فيه غايةٌ في الأذيّة.

فصناعة الإنترنت تتأثّر بشكلٍ قويّ بالمواقع التي تظهر بين حينٍ وآخر وتستهدف فئات معيّنة من المستخدمين، من هنا ينطلق مبدأ المنافسة، والاحتشاد بدوره يصبح أمراً محتوماً.

والفيس بوك واحدٌ من هذه البرامج التي ظهرت وحقّقت حضوراً قوياً في وقتٍ قياسيّ، لذا فتأثيره في اجتذاب الانتباه إليه وتحويله عن أمور أخرى كان ضارياً، لدرجة أنّه أثر في الأنظمة التدريسيّة في بعض الأماكن بسبب تشتيت الانتباه الذي تحدّثنا عنه مسبقاً.

اختراقٌ سافر

ملاحقة الأشخاص في الفضاء الافتراضي هي مشكلة، وانتهاك خصوصيّة أحد الأشخاص هي مشكلةٌ أخرى.

وهاتان القضيتان تترافقان بشكلٍ دائم، فمن يكون مهووساً بملاحقة أحد الأشخاص، يكون مهووساً أيضاً بمعرفة آخر التطورات التي تطرأ في حياة هذا الشخص. والكثير من المعلومات التي يتم مشاركتها على صفحة المستخدم الخاصّة في فيس بوك، تكون متاحةً لأناس كثيرين، حتّى المستخدم ذاته لا يعرف بوجودهم.

سطحيّة وضياع هويّة

هذه المشكلة موجودة في الحياة العاديّة، وكثيراً ما تلتقي بأشخاصٍ تظهر السطحيّة أو ضياع الهويّة جليّاً لديهم.

إلا أنّه في فضاءٍ رحب كالذي يؤمّنه الفيس بوك، يُصبح الضائع أكثر تشتّتا. ويمكن ملاحظة هذا الخلل لدى الاطلاع على الأشياء المفضّلة لدى المستخدمين، فبعضهم - على سبيل المثال - يتبع نزعةً ما لدى إحدى المجموعات، ويعاديها تماماً بانتمائه فقط لمجموعة أخرى.

يتبقى أنه علينا الاعتراف بأن الفيس بوك واحدٌ من أعظم ابتكارات القرن حسب تقييمات العديد من المؤسّسات الاجتماعية والاقتصاديّة في العالم.

وكما قيل، فإن لانتشاره صديً تاريخيا يحدّد لمرحلة جديدة في ثورة عالم الاتصالات. أما بالنسبة للعريس دانا، فأمنياتنا له بالسعادة، إلا أنّنا ننصحه بإيقاف تحديث صفحته على الفيس بوك، وعلى الأقل فترة شهر العسل.

دبي - علي محيي الدين