يجمع النقاد على أن «دعاء الكروان» 1959، من أعظم أدوار فاتن حمامة واختير الفيلم في المرتبة الـ 14 ضمن قائمة أهم مئة فيلم مصري في القرن العشرين، ورشح لجائزة الدب الذهبي من مهرجان برلين السينمائي الدولي 1960، كما وصل إلى مركز متقدم في المنافسة على جائزة الأوسكار الأميركية كأفضل فيلم أجنبي.
ومحلياً نال الفيلم العديد من الجوائز، خصوصاً في التمثيل لبطليه فاتن حمامة وأحمد مظهر وأيضا زهرة العلا كممثلة واعدة، الفيلم عن قصة عميد الأدب العربي طه حسين، سيناريو وحوار يوسف جوهر، وإخراج بركات صاحب أجمل رومانسيات السينما، وشارك في بطولته أمينة رزق وميمي شكيب. رشح «دعاء الكروان» لجائزة أحسن فيلم في مهرجان برلين الدولي، لما قدمه من نموذج للمرأة المقهورة التي تتعرض للظلم من قبل المجتمع الذي يعاقبها دائما على الأخطاء التي ليست لها يد فيها، ويتناول الفيلم قصة «آمنة» فاتن حمامة الفتاة الصعيدية التي تتمرد على العادات والتقاليد بعد أن تقع أختها «هنادي» زهرة العلا في حب المهندس العازب أحمد مظهر حيث تعمل عنده خادمة، لكنه يعتدي على شرفها فتقتل على يد خالها، ولا ننسى صرخة فاتن وهي تسأل أمها أمينة رزق «وين هنادي يا مايا»؟.
تعاهد آمنة نفسها مع دعاء الكروان على الانتقام لأختها من المهندس، وهناك في منزله تحاول أن تنفذ العهد بالانتقام ولكنها لا تقوى فقد تحرك قلبها وبدأ يميل نحوه، إلا أنها تدوس على مشاعرها وترفض البقاء معه وتقرر الرحيل، لأن طيف أختها «هنادي» سيبقى حاجزاً بينها وبينه إلى الأبد. وعلى الرغم من أن الرواية الأصلية تكاد تخلو من الحوار، إلا أن جوهر وبركات نجحا في توليف تحفة سينمائية منه، بعد حذف وتغيير المشاهد والشخصيات، وإضافة حوار خصب إلى الأحداث والشخصيات يعبر عن طبيعة البيئة وعادات وقيم أهلها، ويعالج ببراعة الدوافع النفسية للشخصيات. والفيلم يمزج بين الإثارة والقتل والمطاردة والمشاهد الرومانسية الحميمة والواقعية الشديدة ولا تخلو أيضا من الحس الفكاهي في بعض المواقف بما يخفف من طابعه المأساوي.
ولا نبالغ إذا قلنا إن الكثير من عناصر الفيلم أصبحت علامات خالدة، من الكادرات الجميلة للطبيعة الجبلية، إلى الحوار المدهش، وسلاسة أداء الممثلين، والموسيقى، وصوت الكروان، والمقدمة بصوت عميد الأدب العربي طه حسين، وقيام فاتن بدور السارد المعلق على الصور والأحداث.
أما على الصعيد السينمائي الدولي، فقد اشتركت مصر بفيلم «دعاء الكروان» في مسابقة الأوسكار، ووصل الفيلم إلى التصفية النهائية، ضمن أفضل خمسة أفلام أجنبية، وأرسلت لجنة الأوسكار شهادة تقدير لوصول الفيلم إلى التصفية النهائية، وإن كان الفيلم لم يفز بإحدى جوائز الأوسكار، كما اختير «دعاء الكروان» لتمثيل السينما المصرية في مهرجان برلين الدولي في نفس العام.
وبعد هذا الفيلم، بدأت تتضح بشكل أكثر الرؤية الفنية ل«بركات»، حيث قدم فيما بعد عدة أفلام مهمة مع فاتن حمامة مثل: الباب المفتوح ـ 1964، الحرام ـ 1965، الخيط الرفيع ـ 1971، أفواه وأرانب ـ 1977، ولا عزاء للسيدات ـ 1979، ليلة القبض على فاطمة ـ 1984.
ومن المعروف للجميع، بأن «فاتن حمامة و بركات» من أنجح الثنائيات بين ممثلة ومخرج وبينهما كيمياء فنية خاصة، وأفضل أعمال الاثنين هي التي جمعتهما معاً. وأهم ما يتميز به أسلوب بركات في الإخراج السينمائي، هو قيادته للممثل.
والتي برع فيها إلى حد كبير، حيث يقول: «للممثل عندي دور كبير، فهو وسيلتي الأساسية للتعبير عن الإنسان»، كما يتميز بركات بتكوينات الصورة السينمائية المريحة جداً للعين، والتي تخلو من الافتعال والاستعراض الفني، هذا إضافة إلى كاميرته وحركتها الناعمة التي تتناسب والمونتاج الهادئ لهذه النعومة والشاعرية.. وقد بدا ذلك واضحاً إلى حد كبير في فيلمه الآخر «الحرام ـ 1965».