لا يسحره شيء في هذا العالم مثلما تسحره السينما، انه الناقد السينمائي المعروف كمال رمزي صاحب الذاكرة المليئة بالمشاهد، واللقطات، والحوارات، والألوان، ووجوه الممثلين، هذه العناصر السينمائية التي استقرت في وجدانه، كلما انطفأ ضوء في صالة عرض، وراح يبحث في تلك العتمة الباهرة عن وهج الإبداع الذي يغزله عباقرة الفن السابعش أفلام من الإمارات، التقاه «الحواس الخمس» في دردشة سريعة حول انطباعاته وتقييمه لهذه الأفلام وعن تجربة السينما في الإمارات وكان الحوار التالي:
ما رأيك في أنك الناقد الرسمي لمسابقة (أفلام من الإمارات) ؟ هذه الفكرة في الحقيقة أدهشتني وبعد أن استوعبتها اقتنعت بها جدا، فالتعبير جديد وغير مطروق أن تكون الناقد الرسمي لمجموعة من الأفلام، ووجدت أن هذه المغامرة تستحق التوقف والتأمل، فأي مبدع يعمل في الفن متعطش دائما لمعرفة رؤية نفسه في مرآة الآخرين، لاسيما عندما تكون هذه المرآة على قدر من الخبرة والدراية. وأنا أتحدث عن ذلك من الناحية النظرية ، فمعظم المشاركين في المسابقة من جيل الشباب، ومن حقه أن يتعرف على جوانب القوة والضعف لديه، وهذه التقييمات لا تأتي من لجنة التحكيم بل من الناقد الذي يفند ويحلل ويضع الأمور جميعها في بؤرة الاهتمام المطلوب، كما أن اللقاء البشري مع المبدعين إضافة أخرى بين رجل مسن لديه المعرفة وبين شباب يبلور رؤيته للفن والحياة.
وبماذا خرجت من هذه التجربة؟ أعترف بسعادتي بعد أن تمت هذه التجربة، لأنها لفتت نظري للتنوع الشديد في الثقافات بين أصحاب هذه الأفلام، وتنوع الأساليب الفنية ، فبعضهم اتجه للكوميديا، والآخر إلى النقد الاجتماعي، والبعض الثالث إلى الدراما النفسية، وبعضهم استبدل كل العنصر البشري بعناصر أخرى من الطبيعة، ففي أحد الأفلام البطولة تكون للحمامة، وهذا أمر لافت للانتباه، والتأكيد عليه يشجع هذا المخرج وآخرين للدخول إلى آفاق ومجالات ثانية، واستطيع أن أقول بضمير مستريح أنها كانت تجربة مفيدة وجيدة. ما ملاحظاتك على الأفلام التي قدمت في هذه المسابقة؟
أول ملحوظة أن هناك ميلا كما قلت للكوميديا، سواء عند المبدعين أو لدى المتلقين، وكنت قد شاهدت هذه الأفلام في القاهرة بعد أن تم إرسالها لي، ولكني حرصت على مشاهدتها مرة أخرى مع الجمهور في صالة العرض، حتى أرى رد الفعل عليه، وهي مسألة مفيدة جدا للنقد وللناقد، ووجدت أن إدارة المهرجان دعت طلبة كليات التقنية والإعلام، وكان استقبالهم للعروض حساسا وفنيا جميلا، ووجدت أن الجميع لديهم هذه النزعة الكوميدية.
هل يمكن أن تعطينا مثالا؟
في فيلم (أحزان صغيرة) للمخرج هاني الشيباني، كان من الممكن بما يطرحه من فكرة أن يقع في دوامة الميلودراما والمغالاة فيها، لكنه كان حذرا جدا، و يسير على خط دقيق من عدم السقوط في هوية الميلودراما، وبالتالي جاء فيلمه مخاطبا للعقل وللعاطفة في نفس الوقت.
وما الذي توقفت عنده بالسلب؟
كانت هناك بعض التجارب المزعجة للمشاهد والمزعجة أكثر لأصحابها لأن لديهم الإمكانات الهائلة الممتازة ولكنهم بددوها فيما لا يفيد، وأقصد بذلك فيلم الرعب الذي حمل عنوان (الغرفة الخامسة)، فمن كتب الفكرة لديه الاستيعاب الجيد لأصول فن أفلام الرعب من ناحية المؤثرات الصوتية أو استخدام الأبواب ذات الصرير الذي يضفي الإحساس بالخوف عندما تفتح وتغلق، أو من ناحية الإضاءة أو استخدام الأصوات البشرية في الصرخات أو الاستغاثات.
لكن في النهاية كان الفيلم عبارة عن استطرادات وراء استطرادات من دون أن يكون هناك أي طائل، أو قيمة يمكن أن تترك أي أثر على المشاهد، وكأن المسألة فقط استعراض مهارة ليس أكثر، وبالتالي أؤكد على ضرورة أن يسخر أصحاب هذا العمل إمكانياتهم فيما يفيد.
وما الذي لفت نظرك أيضا؟
أن هناك بعض الأعمال لها طابع إعلامي، ولكنها تثير قضايا فهناك المخرجة حنان المهيري التي صنعت فيلما حمل عنوان (حقنا في الفروسية)، ربما فيه بعض التطويل والتكرار والكلام الزائد، ولكنه أكد على قيمه أن الفتاة العربية والخليجية خصوصا أكثر تقدما من الناحية الفكرية من الشاب، فعدد كبير من المشاهدين الشباب ضد تعلم البنت ركوب الخيل والفروسية بما فيهم صانعة الفيلم نفسه، ولكن الإصرار والدأب وقوة الإرادة والعزيمة واضحين بشكل فعال على الفتيات الآتي كون فريق للفروسية، واستطعن أن يلفتن الأنظار إلى مهارتهن في الإمارات وهي مسألة جديرة بالإعجاب.
هل هناك أعمال تستحق الإشادة من وجهة نظرك؟
طبعا بخلاف (أحزان صغيرة)، و(عبور) الذي اعتبره عملا سينمائيا استثنائيا وليس به جملة حوار واحدة ويخلو من العنصر البشري معتمدا كما قلت على حمامة، هناك أيضا فيلم (مساء الجنة) وطوال الثلث ساعة وهي مدته، لم تغادر الكاميرا خندقا ضيقا يضم جنديين أثناء حرب الخليج الأولى 1990، ومع هذا لا يتسرب الملل إلي المشاهد ولو للحظة واحدة، فالمخرج جمعة السهلي منذ البداية اختار ممثلين مختلفين تماما، أحدهما بدين ضخم الجثة نابت شعر اللحية، لا يكاد يتوقف عن الكلام، والآخر نحيل صامت معظم الوقت.
وهذا التباين أحدث نوعا من الحيوية الإنسانية، ولأن جمعة السهلي يتمتع بعين لاقطة، تجده ينجح في استخدام قطع الإكسسوار القليلة، زمزميه الماء، وطريقة الشرب منها، التي تحافظ على كل قطرة فيها، الخطاب العزيز الذي يقرأ البدين سطورا منه إلى زميله ثم يرده إلى جيبه كشيء غال، ولا يفوت (مساء الجنة) الذي يحتج على الحرب، أن يعبر بعيون إبطاله على قتامه الليل الموحش، وقلق النهار الذي يحمل كل التوقعات.
من خلال متابعتك الدقيقة لهذه الأفلام ،كيف ترى السينما الإماراتية؟
أرى أنها مشروع طموح والأعمال الحالية ملفته للانتباه سينمائيا، ومعظم من شاهدت أعمالهم لا يتعدون الثلاثين من العمر، وبعد عشرة سنوات سيكون هناك إفراز طبيعي لهم أكثر نضجا وقيمة، وسيواكبهم عناصر أخرى في مقتبل العمر، وكل ذلك يؤكد على أن هناك مشروع كبير تتضح معالمه، وفي تقديري أن هذا المشروع مع الوقت وزيادة الخبرة وتوفر الإمكانات الحقيقة سيساعد على إيجاد أفلام حقيقة وصناعة سينما تحمل المواصفات الخليجية، وكلما كان التحدي ضخما كانت الاستجابة أكبر.
وهذا لمسته في فيلم (بياض) للمخرج خالد الكلباني، وهو مصنوع في يوم واحد، ومتعدد الأماكن وزوايا التصوير، ولكن النتيجة جميلة وتؤكد التحدي الذي يحمله هؤلاء الشباب بداخلهم والذي يدفعهم للطموح وللإبداع تحت كل الظروف، كما تساهم منحة الشاشة التي حصلت عليها المخرجة السعودية هيفاء المنصور في تضافر كل العناصر من أجل ترجمة حقيقية للفن السابع على أرض الواقع الخليجي.
بقي أن نقول : إن الناقد السينمائي كمال رمزي يعد أحد أبرز الأسماء في مجال النقد السينمائي، خاض معارك كثيرة بسبب آرائه النقدية، له مؤلفات عدة من بينها: «الفن بين العمامة والدولة»، «سعد نديم رائد السينما التسجيلية»، «محمود مرسي عصفور الجنة والنار»، «نجوم السينما المصرية الجوهر والأقنعة»، «كمال الشيخ نصف قرن من الإبداع»، بالإضافة إلى مقالات ودراسات وأبحاث في المجلات والصحف المصرية والعربية، قدم فيها خلاصة تجربته مع الفن السابع، كذلك شارك في لجان التحكيم والمهرجانات المحلية والعربية.
حوار ـ أسامة عسل