مقهى «متروبول» هو مقهى الفنانين والموسيقيين الذي يختلف تماما عن كل مقاهي الفنانين والمثقفين في مصر.. حيث لا يزال يقوم بنفس الدور الذي بدأ به، وهو خدمة هذه الشريحة الإبداعية، حيث تتم بداخله التعاقدات لإقامة الحفلات، ويتلقى المطربون العروض للعمل في الحفلات أو المسارح أو التلفزيون، وكذلك جلسات القراءات الشعرية حتى يختار المطربون ما يناسبهم والاستماع للمواهب الجديدة، حيث أصبح المقهى مكانا لتفريخ الموهوبين من الشباب.

وفي مقهى «متروبول» النكتة لها ثمنها، فلا تتعجب وأنت ترى شخصا يجلس مع آخر يتفاوضان حول شراء ثلاث نكات، وآخر في طاولة مجاورة يطلب من أحدهم الحضور في بروفات مسرحيته لعمل إفيهات تثير الضحك مقابل مبلغ مالي يتفقان عليه، والأغرب من ذلك أن كثيرا من الملحنين يحضرون إلى مقهى «متروبول» للاستماع إلى الكثير من القصائد الغنائية ليشتروا واحدة، كل هذا في مقهى على الشارع في مواجهة مسرح «متروبول» الذي تغير اسمه إلى مسرح «عبدالمنعم مدبولي» مؤخرا.

يقول صاحب المقهى حاليا عادل حسن أحمد إنه ورث هذا المقهى عن والده منذ بداية الثمانينات، والذي أسسه في خمسينات القرن الماضي، وكان المقهى وقتها «بوفيه» خاصا بمسرح «متروبول» الذي كان يقدم كل النمر لكبار النجوم مثل كارم محمود وعبدالعزيز محمود وشفيق جلال والعزبي ومحمد رشدي وسيد الملاح وفكري الجيزاوي، وهذا ما جعل الإقبال كبيراً كل ليلة.

وأضاف: «قبل رحيل والدي كنت أتواجد في المقهى لمساعدته، وأشرف معه على المقهى، وخلال تلك الفترة عاصرت جيلاً مهما من كبار المطربين مثل محرم فؤاد وعبدالعزيز محمود وكارم محمود وشفيق جلال ومحمد رشدي، وقال إن المقاهي التي كانت تختص الفنانين ثلاثة مقاهٍ، أولها مقهى «التجارة» بشارع محمد علي، والثاني مقهى «الدفراوي» بباب الشعرية، وتم إغلاق المقهيين منذ فترة طويلة، ولم يتبق إلا هذا المقهى «متروبول» ليصبح الوحيد للموسيقيين والفنانين».

وحتى في وجود المقاهي الأخرى للفنانين والموسيقيين كان ما يميز مقهى «متروبول» أنه مقهى مطربي الفنادق والمسارح الكبرى والحفلات الجماهيرية والأجهزة الإعلامية؛ ولذلك تجد في مقهى «متروبول» رواده جميعهم يدخلون المقهى في كامل أناقتهم بالبدلة الكاملة، ولا تجد بينهم واحدا إلا وهو كامل الأناقة.

ويضيف صاحب المقهى: «إن رواد المقهى يحضرون الساعة السابعة تماما ويخرجون في التاسعة مساءً؛ فلا تجد بعدها أحدا في المقهى حيث يخرجون إلى ارتباطاتهم الفنية، ويعودون للمقهى بعد الثانية عشرة ليلاً ليجلسوا فيه حتى الفجر».

الفنان «جيمي الإفريقي»، مدرب الرقص الإفريقي، قال إنه عاصر المقهى منذ أكثر من 35 عاما عندما جاء إليها للبحث عن أعضاء لفرقته التي أسسها من المواهب الموجودين في المقهى، حيث أصبحت الآن أهم فرقة للرقص الإفريقي، والتي حازت على جوائز كبيرة في شتى أنحاء العالم.

وأشار إلى أنه منذ تأسست فرقته أصبح مقرها مقهى «متروبول» وحتى ملابسنا الخاصة موجودة بالمقهى، وهذه الفرقة شاركت في عشرات الأفلام المصرية وفي التلفزيون والمسرح.. مشيرا إلى أن أي جهة تطلب فرقته غالبا ما يكون ذلك من خلال تليفون المقهى.. «جيمي» أكد أن كبار الشعراء كانوا من رواد المقهى منهم مصطفى الطائر وابنه سمير الطائر - رحمهما الله - وحاليا عبده البرنس ومحمد الهوا وغيرهما.

لكن حاليا لم يعد الأمر كما كان من ذي قبل حيث كان وقتها بعد السابعة مساء لا تجد كرسيا واحدا لتجلس عليه، ولكن الآن وبعد ظهور التليفون المحمول تراجع الإقبال على المقهى حيث كان في السابق تليفون المقهى هو الحل، وهو الذي يحمل الخير لكل الفنانين والموسيقيين في المقهى، حيث يتلقون من خلاله العروض الفنية «الأوردرات»، ويتم تسجيل هذه «الأوردرات» في دفتر، ويتم إخطار كل فنان أو عازف عن مكان الحفل، وساعة الحضور، والمطلوب منه، والجهة الطالبة، على عكس الآن؛ فالجميع يجلسون في منازلهم حيث يتم الاتصال بهم مباشرة للتعاقد معهم عبر المحمول، ولكن رغم ذلك هناك فئة من الفنانين والشعراء ملتزمين حتى الآن بالحضور يوميا للمقهى ليسوقوا أشعارهم أو ينتظروا ارتباطاتهم الفنية.

وتدخل في الحوار الشاعر محمد الهوا، وهو الشاعر الذي قدم كبار الفنانين للجمهور على رأسهم حسن الأسمر وغيره، وقال: «إن حسن الأسمر وكل أبناء جيله خرجوا من هذا المقهى، حيث كانوا يجلسون مع كبار المطربين والشعراء ليتعلموا منهم»، وأضاف الهوا: «إن هذا المقهى يمثل لي مكان عمل ولقمة العيش، ومنذ العام 1973 لم أفارقه يوما، إلا إذا كنت مسافرا».

وأشار إلى أنه وعددٌ من زملائه لديهم طاولة يجلسون عليها يوميا ليكتبوا النكتة أيضا، وينتظرون من يأتي إلى المقهى ليطلب شراء نكتة أو أكثر، وحتى النكتة لها سعرها الذي يدفعه فنانو الكوميديا، وكذلك يأتي فنانو المونولوج ليشتروا النكات والمونولوجات التي يتواجد في المقهى من يكتبها، وأكد محمد الهوا أنه باع أمس عددا من النكات لأحد فناني المونولوج وقبض ثمنها.

خدمة - دار الإعلام العربية