الرغبة في استكشاف نوع غريب وغير مألوف من الرسم كان هاجسا دفعنا للاقتراب من «رواق الفنانين» في الشارقة. من الخارج يحمل هذا المكان الشيء الكثير من عبق التراث، لكن عندما وطئت أقدامنا الرواق أحسسنا بالأسى للحفر الكثيرة التي يعج بها المكان.
وصلنا إلى مرسم الفنانة أمل الغصين التي كانت بانتظارنا لتقص علينا كواليس الرسم بالتنقيط. في بادئ الأمر أزاحت الستارة عن لوحة للمغفور له زايد بن سلطان آل نهيان، قائلة: صورة «بابا زايد» أول محاولاتي في الرسم بالتنقيط باستخدام الألوان المائية، وبفرشاة صفر، التي تكون مدببة نوعا ما، وهذا لا يمكن الحصول عليه إلا في فرشاة الصفر.
حينها جلسنا لدقائق نتأمل الملامح الدقيقة لصورة وجه المغفور له زايد، متسائلين كم من الوقت والعناء استغرقته أمل للخروج بهذه التحفة.
حينها قالت: كثير من الأصدقاء لاموني لأنني قضيت سنتين ونصف السنة من عمري في رسم خط جديد لحياتي الفنية في اتباع الرسم بالتنقيط، لاسيما وأن رسم لوحة كهذه يحتاج إلى ما يقارب شهرين على أن أخصص أربع ساعات يومياً من وقتي للخروج بمثل هذه اللوحات. لكن النتيجة بين يديكم يمكنك الحكم على هذا النوع من الرسم.
لسنا الوحيدين
بعدها ساد جو من السكوت لنتبع تفاصيل المكان الذي تواجدنا فيه وبدأت جولتنا بالحديث عن أهمية التنقيط والمدارس التي ينحدر منها.
قالت أمل: «هناك بعض المدارس الفنية التي تعتبر النقطة «the point» هي أول العناصر الفنية في الفنون البصرية، إلا أن مدارس أخرى تؤكد على أن الخط «Line» هو أول تلك العناصر بدلاً من النقطة. والحقيقة أن الفريقين على حق.
هذا إذا ما اعتبرنا أن التعريف الرياضي للخط هو عبارة عن «الأثر الناتج عن تحرك نقطة في مسار»، كونهم يشيرون إلى أن النقطة هي وحدة فنية مستقلة بذاتها يمكن باستخدامها إخراج عمل فني متكامل دونما الحاجة إلى استخدام أياً من العناصر الفنية الأخرى، وتكمن أهمية النقطة بالنسبة للعقل البشري الذي يمكنه من الناحية السيكولوجية التعامل مع النقطة بطريقة سلسة مقارنة مع الخط، وتدفع بالمتلقي لإثارة حسه لربط النقاط مع بعضها البعض.
الرسم بالتنقيط..كيف؟
بينت أمل أن الرسم بالتنقيط يحتاج إلى قلم «روترينغ» مدبب وورقة بالحجم الذي يتلاءم وفكرة الرسام، التي تعتبر أول الخطوات التي يلجأ إليه قبل البدء بالرسم، فمتى وضعت الفكرة الرئيسية يجب الشروع بعمل بحث مصغر والقراءة بشكل مستفيض عن كل حركة من حركات الطيور على سبيل المثال، وهذا ما قمت به خلال معرض الطيور، حيث كونت بحثا مصغرا من 48 صفحة عن أنواع طيور الحبارى وألوانها وأشكالها لتكون نقلا واقعيا للطبيعة.
بعد ذلك أقوم برسم تفاصيل الأشكال ريشة تلو الأخرى وعضلة بعضلة حتى تتكون تفاصيل الشكل النهائية، مبتدئاً برسم الشكل الكامل بقلم الرصاص بشكل فاتح ومن ثم وضع نقاط قريبه من بعضها بشكل عشوائي، وبالتدقيق أثناء التنقيط حتى لا تكون أحجام النقاط مختلفة قدر المستطاع.
حيث تختلف عدد النقاط التي توضع حسب ظلال ولون الأشكال المراد رسمها، فالأماكن الغامقة تحتاج إلى نقاط قريبة ومتراصة بعضها مع بعض. أما الأماكن الفاتحة أو الألوان البيضاء فتحتاج إلى نقاط متفرقة، هذا بالنسبة للرسم بالأبيض والأسود الذي لا يختلف كثيراً عن الرسم بالألوان إلا بأداة الرسم والتي يستبدل فيها قلم Rotring إلى فرشاة رقم صفر.
خط خاص
وردا على سؤال «الحواس الخمس» عن السبب الرئيسي لاختيار هذا النوع من الرسم، أجابت أمل: «سعيت طويلا لإيجاد خط خاص يميزني عن سواي من الفنانين من خلال ترك بصمة في عالم الفن بعيداً عن الخطوط السهلة والمترابطة، وهذا فعلا ما حققته رغم المعوقات والمصاعب الكبيرة التي مررت بها لتجسيد هذا الحلم، الذي تخلصت من متاعبه من تجسيد جميع انفعالاتي وأحاسيسي في الصقور والأحصنة التي أرسمها.
أما عن سبب اختياري للرسم بشكل تفصيلي عن هذين الحيوانين فهي الحرية بعيدة المدى التي يمتاز بها الصقر ونفتقر لها نحن جنس البشر، وأما الحصان فهو معنى الوفاء العميق الذي طالما بحث عنه كل من على الأرض».
واستطردت قائلة: «أهم معوق يعاني منه الفنانون بشكل عام على اختلاف أنواع الرسومات التي ينفذونها، هو عدم قدرتهم على بيع لوحاتهم وتصريفها داخل الدولة، بينما تلقى كثير من اللوحات إقبالاً كبيراً وترويجاً خارج حدودها، ولا يعلم أحد السبب الرئيسي وراء ذلك. هذا من جانب، أما الجانب الأخر عدم وجود جهة معينة يمكن من خلالها الاستفسار والحصول على معلومات عن كيفية التواصل مع المعارض التي تقام خارج حدود الدولة.
تاريخ التنقيط
وذكرت الفنانة أمل أنها ليست متأكدة من أي ثقافة ينحدر رسم التنقيط، «لكن ـ حسبما أعلم ـ فإن سكان أستراليا الأصليين مارسوا الرسم بالتنقيط منذ القدم، ويعتبرونه جزءاً من تراثهم وحضارتهم، وعلى الرغم من ذلك فإن القليل من الفنانين التشكيليين يمارسون هذا النوع من الرسم على مستوى العالم، ويعود ذلك لأسباب عديدة أهمها الدقة المتناهية والجهد الكبير الذي يصرفه الرسام لاستكمال لوحته.
ورغم انقضاء أوقات طويلة لاستكماله فإن البعض يعتقد أن هذه اللوحة رسم كمبيوتر ويشككون بأنه رسم طبيعي. لكن رغم ذلك فأنا بصدد البدء باستخدام الألوان الزيتية في رسم لوحاتي بطريقة التنقيط بعدما قطعت شوطاً كبيراً في الرسم بالقلم الرصاص الصيني الذي لا يتغير لونه مهما أكل الدهر على اللوحة وشرب، وبعد الانتهاء من معرفة خفايا الرسم بالتنقيط».
وضعنا نقطة في نهاية السطر وودعنا معها الفنانة أمل الغصين..!
دبي ـ فضيلة نجيب