منى واصف نجمة بكل المقاييس وصاحبة حضور استثنائي، فهي نموذج للفنانة المثقفة التي تعرف ما تريد، وتختصر بشخصيتها الإشكالية تاريخاً من العطاء والإبداع. تفردت بما قدمت وانتقلت بين ضفة وأخرى ببراعة، ووقفت على خشبة المسرح بحب وشغف، وواجهت الكاميرا بثقة الفنان المتمكن من أدواته. قدمت واصف عبر مسيرتها الفنية الكثير من الأعمال، التي امتازت بالجرأة العالية وبالشفافية في الطرح، وجاءت أدوارها مميزة ومطبوعة ببصمتها الخاصة..
* التقينا الفنانة السورية في دمشق وكان معها الحوار التالي: كيف طورت أدواتك وتقنياتك التمثيلية، حتى وصلت إلى هذا الأداء العالي.. وهل تكفي الموهبة لذلك؟
ــ عندما تعشقين تقدمين كل شيء للحبيب، وعلاقتي بالفن مشبعة بالعشق، بحثت عن كل ما يطورني، تملكتني رغبة قوية في الاطلاع والتثقيف الذاتي، قرأت كل ما كتب عن المسرح وكل ما وقع بين يدي من كتب التاريخ والشعر والروايات، سهرت الليالي وأنا أدرس اللغة العربية، وأبحر في قواعدها، حتى جمعت حصيلة ثقافية صنعت بداخلي التوازن الذي فقدته بغياب التعليم الأكاديمي.
وكان من حسن حظي أنني عملت في المسرح العسكري، وكانت كل أدواري التي قدمتها مستمدة من الأدب العالمي وباللغة الفصحى، ما جعلني أشعر بجمالية لغتنا وقوتها ومتانتها، هذه الأدوار هي التي صقلت فني، أما معهدي وجامعتي اللذان تخرجت منهما فهما ندوة الفكر والمسرح القومي.
صبغت أدوارك بشخصية المرأة القوية والقاسية، لم هذا التركيز على القوة، وكيف تقاربين عوالم الشخصيات التي تؤدينها؟
أنا اعشق التحدي الذي أعيشه من خلال تجسيد هذه الأدوار، فهي تحفز كل طاقاتي وإمكاناتي الفنية للدخول إلى عوالم الشخصية الداخلية وسبر أغوارها، بعد أداء هذه الأدوار الاستفزازية أعود إلى بيتي مرتاحة. وخلافاً لذلك، عندما ألعب أدوار المرأة المسكينة أشعر بأن ضعف هذه الشخصية يتصارع مع داخلي الذي يرفض الخنوع، لذا عندما اقرأ الدور وقبل كل شيء ابحث عن نقاط الضعف وأحاول تقويتها ومناقشتها مع المخرج، كما أن أدوار القوة تناسبني، فشكلي ونبرة صوتي وتركيبتي توحي بالقوة والجمهور اعتاد على ظهوري بهذا الشكل الذي لا أعتبره غريبا على تكويني النفسي.
هل كانت الدراما صادقة في نقل صورة المرأة بشكلها الحقيقي بعيداً عن التزييف؟
حاولت الدراما الاقتراب من عالم المرأة، ولكنها لم تدخل في الجوهر بل بقيت على السطح، فلم تقدم المرأة بشكلها الحقيقي أو الواقعي، فنحن مجتمع تقليدي، صورة المرأة فيه محاطة بهالة من القداسة، والدراما ابتعدت عن توصيف المرأة بحالاتها الشاذة، إلا من خلال بعض الأعمال السينمائية، أما تلفزيونياً، فالصورة اقرب إلى المثالية، إذ إن التلفاز فن أسروي، ويخاطب مختلف الأعمار والمجتمع العربي، ورغم كل العولمة لايزال مجتمعاً تقليدياً متمسكاً بعراقته، وهذا التقيد بالصورة المثالية لم يقف عند طرح قضية المرأة فقط، بل إن مقص الرقيب طال الكثير من التفاصيل التي نرفض الاعتراف بوجودها في مجتمعنا.
كيف تقرأين واقع الدراما السورية، وما الذي يميزها عن غيرها وخاصة المصرية؟
تميزت الدراما السورية بجرأتها في طرح قضايا الإنسان العربي، وعكس أفكاره وأحلامه وأنا من رعيل الجيل الأول الذي وضع أسس هذه الدراما بشكلها الملتزم وبواقعيتها التي دخلت عمق الحياة اليومية، ومن ثم جاءت هذه الإبداعات الشابة لتلامس الواقع أكثر، فدخلت البيوت والحارات الشعبية واخترقت العشوائيات، وأظهرت الوجع الحقيقي والترف الحقيقي.
كما أن الممثل السوري يخدم دوره بكل طاقاته الفنية بعيداً عن غرور النجومية والبطولة الفردية، وهذا ما تفتقده الدراما المصرية التي وقعت في فخ النجم الواحد، لدرجة أننا نرى أعمالاً تكتب لفنان محدد، فيأتي الدور على قياس هذا الفنان وبحجم إمكاناته، ويكون هو المحرك الدرامي والمحوري للعمل وباقي الأحداث والشخصيات تدور حوله بشكل ثانوي. فأعمال الفنانة فاتن حمامة تكتب مسبقاً، وعلى وجه التحديد لها، وهذا أمر لم نعتد عليه في الدراما السورية، حيث الخيارات والبدائل دائماً متاحة وموجودة.
في رصيدك الفني العديد من المشاركات مع الدراما الخليجية، كيف وجدتها، وما رأيك بهذه الأعمال العربية المشتركة؟
هذا التعاون الفني ظاهرة مهمة على مستوى الوطن العربي، وأنا مع الممثل القادر على أداء كافة الأدوار وتجسيد كل الألوان، نحن نتمنى انتشار وتشجيع مثل هذه الأعمال فهمومنا مشتركة، وهذا التكامل الدرامي العربي يتيح تبادل الخبرات العربية، كما أن الدراما الخليجية بدأت تأخذ حيزاً مهماً، وهناك فنانون خليجيون متمكنون، والعمل معهم تجربة غنية جدا ومميزة وقد شاركت في العديد من هذه الأعمال وهي التي قدمتني إلى الجمهور العربي بشكل راق ومميز.
ما خصوصية مشاركتك في مسلسل «صراع على الرمال»، وما الجديد الذي يطرحه هذا العمل ؟
تدور أحداث العمل في الصحراء، على أطراف شبه الجزيرة العربية والعمل ليس دراما بدوية بقدر ما هو تاريخي، فالأحداث تعود إلى مطلع القرن الثامن عشر، ويأتي على ذكر الأتراك وتأثيرهم في الحياة العربية آنذاك، وسيكون من أضخم الإنتاجات الدرامية للعام 2008، فهو من إنتاج المكتب الإعلامي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي رصد له ميزانية مفتوحة.
فضلاً عن النص الجميل والرائع المستوحى من أشعار وخيال سموه، أما الإخراج فهو للمتميز حاتم علي، وأجسد في هذا المسلسل شخصية أم فهد وهي زوجة شيخ القبيلة التي تقف ضد الثأر بين القبائل خوفاً على أولادها، وتدخل في صراع من اجل الحياة بسلام، واعتقد بان هذا العمل سيغير نظرة وقناعة الكثيرين حول هذه النوعية من الأعمال.
كيف تقيمين تجربتك السينمائية، وما الأثر الذي تركه مصطفى العقاد في حياتك ؟
تجربتي السينمائية بدأت مع القطاع الخاص الذي ضم خليطاً من الممثلين العرب، صادف أن عرض لي فيلم في الفترة ذاتها التي كنت أقدم فيها إحدى المسرحيات، فاختلفت السوية الفنية بين الاثنين فهاجمني النقاد بقوة، هنا توقفت مشاركاتي في السينما، إلا ما يتوازى مع مسيرتي المسرحية كأعمال المؤسسة العامة للسينما التي قدمت معها مجموعة أفلام مثل: «بقايا صور»، و«آه يا بحر»، و«الشمس في يوم غائم»، عندما اختارني مصطفى العقاد لفيلم «الرسالة» بالنسخة العربية.
كان المصريون قد رشحوني له ولم أصدق في البداية وخوفي المختبئ خلف ملامحي القوية كان كبيراً، كانت تجربة غنية ورائعة، عشت سنة كاملة مع حملة الاوسكارات ومع كبار النجوم ما خلق بداخلي دافعاً ليبقى طموحي كبيراً، العقاد صاحب مشروع وحلم وبقدر ما كان إنسانياً في تعامله، بقدر ما بدا واعياً لخطورة عمله، إنه صاحب «عمر المختار» و«الرسالة» لم يستطع أن يقدم فيلمه الثالث، وأعتقد بأن هذه نهاية تراجيدية للعظماء.
كنت سفيرة فخرية للنوايا الحسنة، ماذا أضاف لك هذا اللقب، وماذا قدمت في تلك الفترة ؟
بغض النظر عما تمكنت من فعله، إلا أنني استطعت استغلال شهرتي الفنية في خدمة مجتمعي، وساعدني هذا المنصب على فهم معضلات الفقر في بلدان العالم، ما جعلني أقدم خدماتي للناس كفنانة تشارك في مشروعات إنسانية وخيرية، وتعرفت على الكرم الحقيقي عبر السخاء الذي لمسته من بعض الحكام العرب ومن أهمهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي لا تعرف يده اليسرى ما تقدمه يده اليمنى، فمؤسساته الإنسانية تناضل من أجل محاربة الفقر في العالم، وتبحث عن المناطق الفقيرة التي تحتاج المساعدة فعطاء هذا الرجل الكبير لا ينتهي، وهو قدوة لنا في العطاء.
سيرة
نسيج إنساني
منى واصف نسيج إنساني تشكل من زواج أب مسلم وأم مسيحية، هذا الزيجة خلق في داخلها تسامحاً دمشقياً مليئاً بأحلام اليقظة وعوالم روايات قرأتها.. تقول: «رفعت مزاجيتي بتذوق الكلمة، لم ابتعد يوما عن الشارع الذي كنت امشي فيه، وأنا صغيرة أنا ولدت في شارع العابد مقابل البرلمان السوري في المكان ذاته، عشت طفولتي ومراهقتي.
ومن ثم عشت شهرتي وتذوقت معنى النجاح، أستطيع في لحظة ما أن أسترجع ذكرياتي القديمة في كل زاوية لي قصة عشتها وتجربة اختبرتها، أنا امرأة تستقي قوتها من أشجار شارع الربوة التي كبرت معي أنا ملتصقة بهذا الوطن، وكلما كبرت عشقته، لا تزال هديتي المفضلة وردة حمراء وكتابا، والفضة أغلى من الألماس، بيتي مملكتي الخاصة، وورودي الدمشقية جزء من صباحي، أنا صنيعة الكلمات، بداخلي شيء من شكسبير وغوركي وموليير وراسين وحنا مينة وسعد الله ونوس وممدوح عدوان.
تجربة
«العطر الأخضر» ساهم في تغيير حياتي
في البداية لم يكن التمثيل حلمي، أردت بشكل من الأشكال التفرد والتميز وكان الهاجس المسيطر على تفكيري الشهرة وإثبات إنسانيتي بعيداً عن تصنيفي كرجل أو كامرأة وذلك يعود لتربية أمي التي كانت ذات شخصية قوية جدا، وكانت دائما تقول لي:«أنت لا تقلين عن أي شاب في الذكاء والقوة والإرادة ولا تختلفين عنه، خضت تجارب عديدة للبحث عن هويتي عملت كعارضة أزياء، وبائعة «غزل بنات» وفي الكثير من المهن.
ومن ثم تقدمت إلى مسابقة المسرح العسكري للرقص الشعبي، ونجحت ووظفت لكنني لم أمارس الرقص الشعبي، وباشرت التمثيل على خشبة المسرح العسكري، فجاءت الظروف مواتية لطموحي حيث قامت الوحدة بين سوريا ومصر، واستحدث المسرح القومي وافتتح التلفزيون وعبر هذه الحراك بدأت أتلمس خطا أكثر وفي خريف عام 1961، وقفت على خشبة مسرح معرض دمشق الدولي ضمن عرض مسرحي بعنوان«العطر الأخضر»..
هنا بدأت قصة عشقي للفن تكتب ووجدت نفسي غارقة بقوة في هذا العشق.
دمشق ـ نهى سلوم
