كثر من فازوا بالألقاب ومن ظفروا بالمركز الأول.. وكثر من مروا على تاريخ هذه الدولة أبطالا سطروا أمجادهم على كتابها وحملوا أعلامها عاليا.. ولكن أن تكون الأول على أولئك جميعا وأن تحمل لقب رياضي القرن في الدولة فإنك بالتأكيد لن تكون شخصا عاديا.. وإن كانت الأيام قد أنست البعض من هو فالتاريخ لا يزال يذكر هذا الرجل فبطولاته وألقابه ليست أطلالا وماضيا غطتها أغبرة الزمن وأغلقت من بعدها الأبواب بل هي دروس ما زلنا نتعلمها.. فهو لا يزال يحمل تلك الابتسامة الشهيرة حينما كان يقف على منصات الفوز منتصرا.. ولا يزال يحمل ذاك التحدي والإصرار الذي جعله الرياضي الأشجع في العالم بحسب وصف وكالة الأنباء الفرنسية.. فهو أسطورة من الوزن الثقيل وهو مجد من معدن أصيل..
فهو باختصار «محمد بن سليم» والذي كان مع «البيان الرياضي» في يوم من حياته فإليكم التفاصيل: * ماذا تعني لك رياضة السيارات؟ أحب جمع السيارات واقتناؤها بل أحببت قيادتها.. فهي بالنسبة لي مثل اختيار الزوجة، عليها أن تكون جميلة ومثالية.. وتتصف بأحلى الصفات. * وكيف تعلمت قيادتها في السباقات؟ ـ لم يعلمني أحد كيفية قيادة السيارة في الراليات بل تمكنت من ذلك بمفردي.. وكثير من الراليات فزت بها بعقلي وليس بقوة قيادتي.. وصحيح أنني أحب الفوز ولكن خوفي من الخسارة جعلني انتصر.. فقد اضطررت مثلا لبيع سيارتي وساعات هدايا زواجي مقابل مبالغ زهيدة وقلبي تقطع عليها من أجل خوض السباقات.. ولم انتظر من أي احد أن يعوضني إياها وفوق ذلك كان شقيقي الأكبر قد أوقف راتبي ولم يكن لدي المال حتى لوقود سيارتي من اجل المشاركة في الراليات ولن يقوم أي احد بتكرار ما فعلته.
* ما الذي دفعك لكل هذا؟ ـ من فرط حبي لهذه اللعبة.. وزوجتي ساعدتني بهدوئها وتفهمها لهذه الرياضة في إزالة الضغوط عني وهذه كلمة حق يجب أن تقال وأنا محظوظ بها. * وكيف كسبت جماهيرية كبيرة على مستوى الوطن العربي؟ ـ قال لي الإعلامي أحمد الشيخ ذات مرة ان معظم رياضيينا في مختلف الرياضات لديهم ضعف في الكاريزما والشخصية وضعف في اللغة والثقافة، وظهورك الإعلامي كان يوضح الفرق الذي بينك وبينهم وهذه شهادة أعتز بها.. والدي كان مثقفا وكاتبا وتعلمت كيف أواجه الإعلام وأتوجه إلى جميع الشرائح فحتى لهجتي تعمدت أن تكون سهلة كي تصبح مفهومة لكل المشاهدين العرب.
* الإعلام.. هل ضرك أم أفادك؟
ـ الإعلام ضرني وأفادني.. ففي إحدى السنوات شنت علي حملة تصعيدية من قبل أحد أفراد الإعلام وكنت اضرب زجاج السيارة وأنا أقودها من شدة الغضب من هول الضغوط الإعلامية التي مورست ضدي يومها.. وكنت يوميا أتدرب حتى أنتصر عليهم.. والآن وأنا أحدثك انتابتني نشوة الانتصار نفسها التي أحسست بها في ذلك اليوم.
* يقال انك غيرت اسمك في بداياتك؟
ـ لا لم أغيّر اسمي بل لم أضف اللقب عليه.. ودخلت المنافسات باسم «محمد احمد» بدلا عن محمد بن سليم وكان ذلك في بداياتي.. فقد كنت خائفا من ردود أفعال أقربائي لو حدث وخسرت وثانيا لمعارضة أشقائي دخولي هذه الرياضة التي اعتبروها خطيرة.. ووصلت إلى أن يوقف شقيقي الأكبر سلطان «الفلوس» عني ولكن النتائج التي حققتها جعلته يتراجع عن ذلك بعدها.
* ومتى بدأ عهد رعاية الشركات لك؟
ـ أنا وقعت عقد احتراف براتب ورعاية شاملة كل مصاريفي ومصاريف طاقمي المرافق منذ سنة 1984 لغاية 2002.. والمسؤولون عن الرياضة في الدولة بدأوا يفكرون بضرورة الاحتراف في هذه الأيام في حين أني خضت هذه التجربة قبل أكثر من عشرين عاما.
* ألم تفكر في دخول سباقات من نوع الاوتودروم والفورمولا؟
ـ أحب الصحراء.. وهذه النوعية من السباقات رغم قوتها ولكنها لم تكن تستهويني، فالصحراء هي غايتي.
* ولماذا لم تشارك إذا برالي باريس - دكار الصحراوي مثلا؟
ـ رالي باريس - دكار كان سيأخذ مني معظم ميزانيتي ولو شاركت فيه كنت سأبقى طوال السنة بدون أي مشاركة في بطولات أخرى، والعوائق كانت مادية لا أكثر من قبل الرعاة.
* وهذا ما جعل البعض يقول محمد بن سليم مستواه فقط في نطاق الشرق الأوسط؟
ـ يقولون ما يريدون فانا اعرف قيمتي ومستواي.. ولو نظروا لي هذه النظرة فلعبة كرة القدم لم تفعل شيئا على مر السنين ولم تفز إلا بكأس الخليج ولمرة واحدة بعد ثلاثين سنة من المشاركة فيها، وأنا لم أكن أنافس على المستوى الخليجي بل الشرق الأوسط بأكمله.
* وهل صحيح إنك لا تحب لعبة كرة القدم؟
ـ صحيح أنا لا أحب كرة القدم وهذه اللعبة بالذات لم «تدخل رأسي» مطلقا.. ولكني أتابع المنتخب الوطني وأشجعه في مشاركاته الخارجية وسأكون خائنا لو لم افعل ذلك.
* وهل تغار منها؟
ـ لا لم أفكر فيها ولم يحدث أن حملت على أصحابها أي ضغينة.. ولا كنت أفكر في أن أكرّم من أي جهة ويكفيني كمثال أن يستقبلني سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي في المطار بعد احد انتصاراتي فهل هناك أكبر من هذا التكريم؟.. والجهات والمؤسسات الرياضية لم تفكر يوما في تكريمي. ولا تستطيع أي جهة أن تقول انها هي من صنعت محمد بن سليم بل أنا من صنعت لنفسي كل هذا.
* وهل تفكر في العودة لحلبة السباقات من جديد؟
ـ إن شاء الله سأعود لها قريبا فبعد ابتعادي عنها أحسست أن صحتي بدأت تتدهور ومازلت اذهب للتدريب، فالرياضة دائما ستكون في قلبي وهمي الأول لأنها أعطتني الكثير.
* ما الذي ندمت عليه؟
ـ الشيء الوحيد الذي ندمت عليه هو عدم معايشتي مع أولادي بشكل يومي بسبب كثرة سفراتي سابقا.
* وما البطولة التي حزنت كثيرا لخسارتها؟
ـ لم أتحسر كثيرا فقد كنت أعوضها.. وأتذكر أني كنت متصدرا لرالي تركيا وفي لحظات تذكرت المنصة وحلاوة الفوز فاصطدمت سياراتي في إحدى وصلات السباق وخرجت منها خاسرا.
* أتذكر أنك أعلنت اعتزالك في إحدى السنوات بسبب عدم وجود راع لك؟
ـ نعم أعلنت الاعتزال.. لعدم وجود من يرعاني من الشركات ولكن قبل رالي قطر بعشرة أيام وصلتني رسالة موافقة بالرعاية والتسويق من شركة فورد وعدت للسباق مجددا.
* بشكل عام سباقات السيارات أزهقتك أم ربحتك ماديا؟
ـ في بادئ الأمر دفعت وصرفت كل ما عندي وجازفت بما أملك من أجل التواجد والمشاركة.. ولكن الآن كسبت منها كل ما صرفت وما جنيته منها أكثر مما دفعت لها وكنت استلم راتبا شهريا يعتبر هو الأعلى من بين كل الرياضيين العرب في ذلك الوقت.
* وكيف وصلك خبر حصولك على لقب رياضي القرن في الإمارات؟
ـ هذا تكريم من وكالة الأنباء الفرنسية والتي رأت أنني فعلا أستحق هذا اللقب..ولم اعرف أهمية وقوة هذا الخبر في البداية إلا بعد ان رأيت ردود أفعال الصحف المحلية لذلك والتي أفردت له مساحات واسعة فأدركت حينها مدى أهميتها، فوكالة أنباء دولية بحجم الفرنسية تختارني أنا وتمنحني هذا اللقب أمر ليس سهلا.
* ولكن قناة دبي الرياضية أعطت لعدنان الطلياني هذا اللقب؟
ـ عدنان الطلياني إنسان محترم وأخلاقه وأدبه واحترامه جعل الجميع يقدره ويثني عليه، وأنا افتخر به فهو واجهة لبلدي وأخ وصديق ولكنه لم يكن ينافسني على هذا اللقب، فانا انجازاتي كانت على النطاق الدولي.
* بدأت تدخل في الدولة رياضات مختلفة للسيارات مثل الأتودروم والدراج ريس وتل مرعب.. ما تعليقك عليها؟
ـ بما أنها تطبق القانون فأهلا بها.. فرياضة السيارات ليست مثل باقي الألعاب فأي خطأ وانتهاك للقانون فيها قد يسبب موت صاحبها.. وأتمنى منهم احترام القوانين.. وهذه الحلبات ملك شباب الإمارات ولها الفخر أن يكون رئيسها الفخري صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.
* يقال إنك تحتفظ بكؤوسك وميدالياتك في المخزن؟
ـ لأنني أريد إضافة المزيد إليها.
* كم عدد البطولات التي فزت بها؟
ـ فزت 60 مرة برالي دولي و14 بطولة أحرزت فيها المركز الأول.
تفسير خاص
* حب السيارات يبدأ مع الأطفال منذ الصغر فهم إما يلعبون بالكرة أو بالسيارات.. وعلى كل الأزمان ورغم توفر الألعاب الالكترونية في هذه الأيام إلا أنه ما زال الأطفال يحبون السيارات ويحلمون بها.
معلومة تخص الوصلاوية
* والدي هو من أطلق على نادي الوصل هذا الاسم.. فقد أرسل سمو الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم عبد الله المستريح إلى الوالد وطلبوا منه إطلاق اسم جديد للنادي فاختار اسم الوصل.. فقد كان الوالد مرجعا لأعيان الدولة وعاش في بدايات فترة حكم المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم باني دبي الجديدة.. وكانوا يسمونه بالحكيم وتولى إدارة إذاعة «ديلي» أيام الحرب العالمية الثانية.. ولو كان على قيد الحياة لمنعني من دخول هذه الرياضة من فرط خوفه علي، فهو رجل ثقافة وأدب وكان شاعرا وأديبا والناس قديما لم يكن يستوعبون هذه الرياضة.
دموعي.. وهويتي
* بكيت بعد هدم مدرسة الأحمدية في ديره، فهي التي درست بها وقضيت أروع أيام طفولتي وكان يجب أن تبقى فهذه ذكرياتنا التي يجب أن لا تزول.. فلم نعد نرى الهوية الإماراتية إلا في التلفزيون.. وأرتاح حينما أرى أبناء بلدي في أي مكان فهويتنا لا يجب أن تنكمش وبات من واجب الشباب في هذا الجيل العمل على ذلك.
لا أقود سيارتي.. ولن انسى الصحراء
أنا حاليا لا أقود سيارتي في ظل الزحمة ولدي سائقي الخاص والسبب هذه الزحمة الشديدة والله يكون في عون هيئة الطرق.. ما زلت أحب الصحراء ومازلت عاشقا للمغامرة والسرعة وأعود أحيانا إليها وأجلس بجانب الأشجار التي كنت أمر بجانبها أثناء السباقات في السابق.
سر الفوز.. قصة بطل !
أصبت حقا في حادث سير بالقرب من نادي الشباب وانقلبت سيارتي وسقط سقفها على راسي فانكسرت الفقرتين السادسة والسابعة من ظهري وكنت متصدرا حينها بطولة الراليات وينافسني عليها سعيد الهاجري ولو فاز هو برالي مسقط لانتهت البطولة..
ولكن سيارته تعطلت وأنا لا أزال أتلقى العلاج وكنت شبه مشلول.. وسافرت إلى ألمانيا للعلاج وتعالجت بشكل مؤقت بوضع الجبس من راسي إلى بطني وإعادة الفقرتين من ظهري.. وأخذت ورقة قانونية تخول مشاركتي وعلى الرغم من أنني لا أزال فاقدا الحركة بشكل كامل ولم أكن أستطيع تحريك رقبتي كثيرا.. فعدت للدولة وبدأت بالتدريب.. وتركيزي كله انصب حول السباق.. وفي الانطلاقة الأولى للرالي تمكنت من تصدر المرحلة..
وفي جلسة الاستراحة قال أحد الأشخاص لمنافسي سعيد الهاجري دون أن يدري بوجودي بالقرب منهم أاه من العار حقا أن يفوز هذا «المعاق» عليكم باللقب وكان يقصدني أنا.. وأقسم بالله العظيم إنني بكيت في داخلي بعد هذا الكلام.. وهذا ما جعلني أنسى كل الأوجاع التي بداخلي ودخلت الجولات الأخيرة بقوة لتتعطل سيارة سعيد الهاجري وأفوز أنا بالرالي والبطولة.. وأفردت وكالة الأنباء الفرنسية هذا الفوز ومنحتني لقب الرياضي «الأشجع» في العالم..
وكانت مذمة ذلك الرجل لي حافزا لي كي انطلق بقوة وأنسى كل معاناتي.. فأنا من النوع الذي لا يحب الثناء.. وأشكر كل من وقف ضدي وحاربني من الذين أطلقت عليهم لقب الأخوة الأعداء فقد كانت أفعالهم حافزا ودافعا للفوز ولولاهم لتكاسلت في كثير من السباقات.
حوار ــ عمران محمد