تزدان سماء أبوظبي اليوم؛ بتتويج أول «أمير للشعراء» في القرن الحادي والعشرين، ويجري تتويج «الأمير» بعد الساعة العاشرة من مساء هذا اليوم على مسرح شاطئ الراحة، بتنافس ستة شعراء تبقوا من بين المتنافسين على اللقب، وهم: كريم معتوق من الإمارات، حازم التميمي من العراق، تميم البرغوثي من فلسطين، جاسم الصحيح من السعودية، روضة الحاج من السودان، محمد ولد الطالب من موريتانيا.
حيث يجري إقصاء أحدهم، ليبقى الشعراء الخمسة بتسلسل يبدأ من «أمير الشعراء» نزولاً إلى «وزرائه» في المراتب الأربع المتبقية، حيث يجري تكريمهم اليوم في المسابقة الشعرية التي أطلقتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث. لقب بحجم كبير: «أمير الشعراء»، مكافأة مالية ضخمة: «مليون درهم» إماراتي، ميدالية من الذهب الخالص تحمل شعار المسابقة، طباعة لديوان كامل للشاعر، انتشار جماهيري كبير للشاعر لم يحققه حتى المتنبي في زمانه، هذه هي جوائز مسابقة «أمير الشعراء» للمركز الأول. ولا شك أنها تعتبر الأكبر في عالم الشعر في جميع أنحاء العالم، ويقابل هذا خلال الأسبوع الماضي إلى لحظات قليلة قبل الإعلان عن حامل اللقب؛
توتر وقلق وأرق وهواجس لا تنتهي أحاطت وتحيط بالشعراء الستة الذين سيرتقون اليوم خشبة المسرح لإلقاء قصيدة ارتجالية تحدد لكل منهم في حينها، حيث يتم منحهم نصف ساعة لإتمام قصيدة من ستة أبيات، ويبقى مصير الشاعر معلقاً بخيط من الأمل الرفيع يسنده إبداعه. قبل أن نلتقي شعراءنا الستة في الفندق الذي يقيمون به في أبوظبي؛ دخلنا بهو هذا الفندق من بوابته الإلكترونية؛ فهبّت رياح القلق، وفيها صدى الشعراء من أيام قبل الإسلام وحتى يومنا هذا؛ فهذا «امرؤ القيس» قد أرخى للهم نفسه جالساً عند صخرة يهمس بها: قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل، وذاك «جميل» ينادي «بثينه»: يقولون جاهد يا جميل بغزوة وأي جهاد غيرهن أريد.
بينما يطوف «المتنبي» بركن بعيد وهو يرتشف القهوة متعالياً على زمن الظلم والجبروت: أي محل أرتقي، أي عظيم اتقي، وكل ما خلق الله وما لم يخلقِ، محتقر في همتي، كشعرة في مفرقي، بينما يستقبل «نهر العراق الثالث- الجواهري» ضيفاً ثقيلاً على الناس محبباً لدى الشعراء: « مرحبا.. أيها الأرق»، وبين زحمة الشعراء وأرواحهم التي تطوّف في المكان، رأينا أربعة من الشعراء الستة وهم في زحمة القلق، وكأنهم يقفون في برزخ بين عالمين، الشاعر العراقي حازم التميمي كان أول المتحدثين عن القلق الذي لازمه من حين وطأت قدماه أرض الإمارات للمشاركة في المسابقة الشعرية، فهو يحمل الإرث الشعري الأكبر في العالم العربي، في قائمة تمتد من المتنبي إلى الجواهري:
إرث العراق
عن القلق الملازم له في الأيام الماضية يقول حازم التميمي: إن روح الشاعر بذاتها؛ هي روح قلقة دائبة البحث والتحرك في فضاءات عالمه السحري الذي يتمثله تمثلاً حقيقياً يتجسد بعدها كائناً حياً «القصيدة»، وعلى هذا الأساس فإن الأيام السبعة التي مرّت كانت كفيلة بالكثير من القلق والتوتر، فضلاً عن نقيض ذلك مما حملته هذه الأيام من استقرار ورضا بما تحقق على الصعيد الشعري وما تحقق للشاعر من جماهيرية لم تك متوقعة..
وحين سألنا التميمي عن الإشاعات التي رافقت المسابقة خلال الأيام السبعة الماضية؛ أجاب: أنا مطمئن لكل ما جرى منذ بداية المسابقة، ومبعث هذا الاطمئنان هو ثقتي بنفسي وبلجنة التحكيم والجهة المنظمة، وأعتقد أن النزاهة فيما جرى لغاية الآن كبيرة جداً،
أما ما يقال هنا وهناك من إشاعات وأقاويل؛ فهي رافقت المسابقة منذ البداية وهي إشاعات وأقاويل ذات دوافع مختلفة، وبالنتيجة «فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض». أما عن الحمل الثقيل الذي ينتاب الشاعر التميمي باعتباره يحمل إرثاً شعرياً كبيراً فقال: أن تأتي من العراق بصفتك شاعراً؛ فأنت تأتي وعلى عاتقك مسؤولية كبيرة، فبمجرد أن تقول اني شاعر عراقي، تستحضر في أذهان المتلقين ذلك الإرث الشعري الكبير الذي يتكأ عليه العراق، وأتمنى أن أكون مستوى حمل لقب «شاعر عراقي».
قلق على قلق
أما الشاعر السعودي جاسم الصحيح، فبدأ الإجابة عن موضوع القلق المرافق له في الأيام السبعة الماضية بقوله: الجواب هو ما قاله المتنبي «أرق على أرق ومثلي يأرق وجوى يزيد ودمعة تترقرق» ونحن نقول «قلق على قلق» والقلق يحيط بنا من كل جانب خلال الأيام الماضية، واعتبره قلقاً إيجابياً وليس سلبياً، أي أنه قلق إبداعي لمضاعفة الحالة الإبداعية للشاعر، لأنه يولد مسؤولية أكبر ويضطرني للعمل بشكل أكبر على القصيدة،
لأني أعتبر لقب «أمير الشعراء» الذي نتنافس عليه تكليف أكثر مما هو تشريف، وما رافقني ورافق زملائي الشعراء منذ البدء؛ هو تعب إبداعي حقيقي. وعبر الشاعر الصحيح عن إحباطه من بعض الأقاويل والشائعات التي ظهرت خلال الأيام الماضية، وخصوصاً ما دار حول عدم استحقاقه للدرجة التي منحتها له لجنة التحكيم في الحلقة الماضية،
بينما لم يعر انتباهاً للشائعات الأخرى التي يرى أنها رافقت البرنامج منذ بدايته، وأضاف جاسم الصحيح حول الإرث الشعري السعودي الذي يمثله: يصعب أن أتحدث عن نفسي، لكن المؤازرة الكبيرة التي وجدتها من جمهور السعودية والنخبة المثقفة هناك؛ ربما أجابت عن مدى قدرتي لإعطاء صورة جيدة عن المشهد الشعري السعودي المعاصر.
بلد المليون شاعر
شاعر من بلد المليون شاعر؛ يحمل هواجس القلق الإبداعي في داخله منذ ارتقائه لمنبر الشعر أول مرة في حياته في عاصمة بلاده موريتانيا، هو الشاعر محمد ولد الطالب الذي يرى أن القلق لازمة فطرية تولد مع الشاعر منذ نشأته التكوينية، وأن هذا القلق هو الطاقة الحقيقية التي تمد الشاعر بالطاقة وهو أصل الإبداع، ويضيف ولد الطالب:
لقد تخلصت من قيود القلق السلبي خلال الأيام الماضية، عبر رؤية أن مسابقة «أمير الشعراء» جعلت مزيجاً رائعاً من الحكم على قصائدي واخوتي الشعراء، يتمثل بأن لجنة النقد والتحكيم كانت في منتصف المسافة بين الشاعر والجمهور، وأجمل ما في المسابقة أن الشاعر يجد نفسه في أكاديمية شعرية عربية مختلفة المدارس الشعرية،
حيث نصحو وننام ونأكل ونتنفس شعراً طيلة الأيام الماضية وهو ما خفف عني حالة القلق السلبي، وأرى أني قد وفقت بإعطاء صورة جيدة عن المشهد الشعري الموريتاني المغيب عن الساحة الشعرية العربية لسببين أولهما؛ تقصير من الموريتانيين أنفسهم لأنهم لم يستطيعوا التواصل إعلامياً وثقافياً مع المشهد الثقافي العربي، والثاني يكمن في النظرة الضيقة لبعض النخبة الثقافية المشرقية الإقليمية.
وحول مدى تأثير صلة قرابته برئيس مجلس إنقاذ موريتانيا «علي» الذي أطاح بحكم «معاوية» - كون ولد الطالب ابن عم علي ولد الفال- على شهرة اسمه وتكريس هذه القرابة في المسابقة؛ نفى ولد الطالب أن يكون هناك أدنى صلة بين إبداعه الشعري وهذه القرابة التي يفتخر بها ولا يستفاد منها، حيث يفتخر بأن هذا الرجل العسكري الشنقيطي أنقذ البلاد من الفوضى والاستبداد،
ولم يستفد منها -والحديث لولد الطالب- لأن الرجل كان همه إنقاذ موريتانيا مما هي فيه ولم يوزع المناصب على أقاربه، ويضيف ولد الطالب: ان جمهور موريتانيا هو جمهور ذواق للشعر بدرجة لا يمكن تخيلها، وإن كان يساندني فهو لأمرين، كوني موريتانيا، وكوني أقدم تجربة شعرية يرضى عنها هذا الجمهور بغض النظر عن أية مسميات أخرى.
خنساء النيل
أما من لقبت بخنساء النيل، الشاعرة السودانية روضة الحاج فترى في «قلق الأيام الماضية» حول انتظار الإعلان عن اللقب والفائزين، قلقاً متعباً عادياً، لا قلقاً إبداعياً مما ينتاب الشاعر في إبداعه، وتضيف: القلق الوجودي الملازم للشاعر هو قلق لذيذ يصل به إلى الإبداع والارتقاء، أما قلق الانتظار الذي نعيشه فهو قلق عادي من الذي يراود كل الناس، ولكن ما دامت المعايير النقدية رصينة وعادلة، ومساندة الجمهور السوداني والعربي لي كشاعرة ومبدعة لا كسودانية أو عربية فقط؛ فهذا يكفيني.
وعن الشائعات قالت روضة: لقد سمعنا سيلاً من الشائعات والأقاويل منذ البداية وتساقطت الواحدة تلو الأخرى مع الحياد النقدي والحضور الجماهيري، أما عن الإرث الشعري السوداني الذي أحمله فأقول ان الجمهور العربي لم يعرف من شعراء السودان سوى «الفيتوري» و«الهادي آدم»، ووصولي إلى مرحلة متقدمة من «أمير الشعراء» فهو مسألة جديرة بالفخر وأعتقد أني استطعت تمثيل بلدي السودان خير تمثيل.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري