قبل عدة أعوام خرجنا بمعية مجموعة من الصحافيين، لإنجاز استطلاع «غير صالح للنشر والإطلاع» حول مدى معرفة الجمهور ـ الذي يطلق عليه اصطلاحاً العادي أو العام ـ بأسماء وإنجازات الشعراء خلال العقود الثلاثة الماضية، الذين تنتفخ أوداجهم ويصبون جام غضبهم حين يتحدثون عن الجمهور بوصفه سطحياً وأبله ولا يجيد شيئاً غير الأكل والشرب وعوداً على بدء، فأننا وجهنا أسئلتنا عن أسماء بعض الشعراء والأدباء من النخبة لهذا الجمهور العربي المسكين الذي يكفيه ما يلاقيه في حياته التي تقارب الفردوس بمضمون مقلوب، جاءت الأجوبة كما يلي:
الشاعر «فلان بن فلان»، اختلفت الآراء حوله فمن قائل إنه مطرب جيد، وبين قائل إنه يلعب في خط الوسط للمنتخب الفلاني، وهلم جرا، أما الأديب الناقد الذي يصدع رؤوسنا بنظرياته عن التفكيكية والبنيوية وعشرات المصطلحات النقدية، فقد كان أوفر من سألنا عنهم حظاً.حيث أجاب أحدهم أنه ملياردير عربي كبير ـ مع علمنا أن هذا الناقد يفترش الأرض ويلتحف السماء ويعيش فقراً مدقعاً ـ واستمرت الإجابات حول قائمة الأسماء بهذا المستوى وأكثر إضحاكاً مما لا يصلح قولها، وعدنا بحصيلة الأجوبة هذه ونحن نتساءل أين الخلل، أهو في وسائل الإعلام.. في الجمهور.. في النخبة المثقفة نفسها، أو ربما تكون الإجابة في الثلاثة المذكورين وبسبب رابع هو ظرف موضوعي تمر به المنطقة العربية منذ عقود.
ما دفعنا لنبش ماضي هذا الاستطلاع هو الحدث الشعري الأبرز على المستوى الجماهيري هذا العام، مسابقة «أمير الشعراء» التي أطلقتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، والتي سيتوج صاحب اللقب فيها يوم الجمعة 7 سبتمبر، فما أن انطلقت هذه المسابقة إلا وصارت محل نقد موضوعي وآخر تهجمي شخصي لا يحمل سوى أسلوب التجريح والتشكيك من قبل ما يطلق عليهم «النخبة العربية المثقفة» التي تقبع وراء أبراج عاجية وتضع نظارات سوداء لا ترى من خلالها إلا ما يعجبها، وهي «لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب».لسنا هنا في محل دفاع عن مسابقة «أمير الشعراء» ولكننا نحاول تحليل المسابقة من خلال آليات التصويت فيها للشعراء، وتحليل ما قدمته للمشهد الشعري العربي من إيجابيات وكيف تناول البعض تفاصيلها، والانتشار الإعلامي الثقافي الذي حققته من عدمه، فلو جئنا إلى فكرة المسابقة ذاتها وتحريكها للمشهد الشعري العربي، لوجدنا أنها ورغم موسمها الأول دفعت بعض الجهات في الدول العربية إلى تقليد الفكرة، حيث نرى نموذج «شاعر الشعراء» في الشقيقة سوريا يحاول نسخ الفكرة، وهنا يكمن السؤال:
هل تذكر القائمون على بعض المسابقات الشعرية الحديثة المنسوخة عن «أمير الشعراء» أهمية الشعر فجأة؟ أم أن مسابقة «أمير الشعراء» ألقت بحجر في بركة راكدة يقبع شعراء العقود الأخيرة في أسفلها مع دواوينهم وأشعارهم التي لم يقرأها أحد سوى الشاعر والمساكين من محرري الصفحات الثقافية الذين يكتبون بعض المقالات النقدية عن تلك الأشعار، وهنا تتمثل أهمية مسابقة «أمير الشعراء» في تحريك تلك المياه المعتمة لمشهد شعري عربي نخبوي متقوقع على ذاته رغم أنفه.
أما من ناحية الألقاب الثقافية، فهي أحجية لطالما حار البعض في فك شفرتها ورموزها، فمن مؤيد لها باعتبارها تقدم تقديراً وتكريماً لمنجز الأديب والمفكر، وبين من يرى فيها فكرة نرجسية تكرس للعظمة التي ينبذها الأدب الحقيقي الداعي للحرية والتخلص من القيود بكل أشكالها، وقد عُرف عن أشقائنا في مصر العربية عشقهم لمنح الألقاب وهو أمر يرتبط بعلم الاجتماع وطبائع الشعوب ـ ليس هنا محل تحليله ـ فهذا «عميد الأدب العربي» .
وذاك «فيلسوف القرن» وتلك «سيدة الشاشة» وذاك «وحشها»®. إلخ، ولا اعتراض على ذلك ما دام لا يعني حجب الإبداع عن الآخرين وحصره في صاحب اللقب، أما حكاية منح الشاعر أحمد شوقي لقب «أمير الشعراء» فهي معروفة لأغلب المثقفين، وما من داعٍ لسردها، فأبيات الشاعر حافظ إبراهيم تسجل لها بقوله مخاطباً شوقي بعد اختياره عضواً في البرلمان:
بلابل وادي النيل بالشرق اسجعي
بشعر أمير الدولتين وارجعي
إلى أن يقول:
أمير القوافي قد أتيت مبايعاً
وهذي وفود الشرق قد بايعت معي
وكان منح اللقب يحمل طابعاً سياسيا وقومياً لمواقف شوقي، أكثر منه موقفاً أدبياً أو بمعالجة نقدية لإبداع شوقي وأدبه مقارنة بنظرائه من شعراء تلك الفترة.
قصائد بلا جمهور
عودة إلى مسابقة «أمير الشعراء»، فإن اللقب يحمل في طياته أمراً آخر غير مفهوم وشرفية اللقب والمكافآت التي ستمنح لصاحبه، فهو يقدم ـ وللمرة الأولى في المشهد الثقافي العربي ـ شاعراً عربياً بلقب يمنحه النقاد والجمهور معاً، كما أن المسابقة قدمت خدمة كبيرة لعشرات من الشعراء المشاركين في المسابقة لتقديم نتاجهم للجمهور وعرفت هذا الجمهور بهم.
وللمعلومة فقط ـ وهذا أمر ربما يعرض لأول مرة على القراء ـ أن ما نسبته 99% ـ غير الأسماء الجماهيرية المكرسة كنزار ودرويش وأحمد مطر ـ من الشعراء العرب في العقود الثلاثة الأخيرة يدفعون أجوراً باهظة لأصحاب دور النشر لطبع دواوينهم ومجموعاتهم الشعرية، وليس العكس، بغرض طبعها ونشرها فقط.
وأن أغلب تلك الدواوين تلتحف الأتربة والغبار في معارض الكتب والمكتبات العامة، لأسباب يصعب شرحها، بل إن أغلب هؤلاء الشعراء يوزعون دواوينهم مجاناً لمن يريد لكساد سوق الشعر الفصيح في العالم العربي، فهل حققت مسابقة «أمير الشعراء» مكسباً للشعراء في كسر هذا الحاجز والإجابة، نعم بدليل متابعة الملايين لها وهذا ما سنأتي على ذكره.
اعتاد المحرر الثقافي أو الصحفي الذي يتابع الأنشطة الثقافية، على «أمسيات الشعر المنومة» بالطريقة التالية: يدعوكم اتحاد كتاب وأدباء ... لحضور الأمسية الشعرية للشاعر فلان بن فلان في تمام الساعة... الخ، ويذهب المحرر إلى الأمسية، فيجد جمهوراً غفيراً بعدد «أصابع اليد الواحدة» ويقرأ الشاعر قصائده.
ويغفو المحرر ومن معه، ويرسل تغطيته للأمسية التي تنشر ويكون عدد قراءها بنفس عدد جمهور الأمسية مضروباً في ثلاثة على أكثر تقدير، وتعلو نفس الأصوات «الجمهور سطحي.. غير متذوق، غير مثقف، وغير، وغير» وحين تأتي مسابقة بحجم «أمير الشعراء» بمتابعة جماهيرية هي الأكبر من نوعها لأمسية شعرية عبر ملايين المشاهدين في الفضائيات، يحتج البعض ويقول أن المسابقة نزلت بالشعر إلى مستوى غير ملائم، وكأن الشعر ميراث ورثه هؤلاء عن أجدادهم.
ولكن، يبقى جانب واحد يتعلق بالإعلام الثقافي وتقصير لا بد من ذكره للجهة المنظمة للمسابقة، ألا وهو البث الحصري للمسابقة على محطتين فقط رغم سيل الطلبات التي تقدمت بها عشرات الفضائيات للبث مما يحقق للمسابقة انتشاراً أكبر، ونرى أن تفكير الجهة المنظمة للعمل في هذا الاتجاه غير صحيح، فإن كان السبب وراء حصر البث يكمن في المبدأ الإعلاني التجاري، فهناك عشرات الآليات القانونية لحفظ الحقوق المادية والمعنوية يمكن الاتفاق عليها.
مشكلة النخبة المثقفة
نعود الآن إلى آلية التصويت على مسابقة «أمير الشعراء»، وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية، فالمسابقة تجعل الجمهور حكماً على تأهل وخروج الشعراء في محاولة لزج الجمهور العربي في اختيار شاعره المفضل، وهي آلية لم تستسغها النخبة المثقفة لرأيها المسبق حول «الضحالة المعرفية والثقافية لهذا الجمهور»، وهنا يمكن توجيه السؤال لهذه «النخبة» على فرض ابتعاد الجمهور عن التصويت:
هل اتفق رأيكم على شاعر بعينه، خصوصاً ونحن نعلم «المطاحنات» و«المجازر الثقافية» بين مختلف أصناف الأدباء العرب حول قضايا ـ ليست ذات شأن مقارنة بمن يستحق اللقب ـ فهذا الشاعر يقول أن فلاناً «لطش ـ بمعنى سرق» قصيدتي، وذاك يقول أن فلاناً ليس بشاعر أصلاً، وذاك يقول أن الشاعر الفلاني لا يجيد من الشعر إلا كإجادة «البعير للسباحة».
إضافة لعلمنا بالتكتلات الثقافية ومحاباة هذا لذاك، ناهيك عن المعارك التي تصل إلى حد التشهير بين رواد الشعر الحديث والكلاسيكي وعشرات من الخفايا التي لا يعلم بها إلا الله والمبتلين بأمثال هذه النخبة، فكان أن قطعت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث «نزاع القوم» وجعلت الأمر مناصفة بين لجنة تحكيم نقدية مختصة، وبين جمهور عربي يحكمه الذوق مرة، ويحكمه حبه لشاعر وطنه مرة أخرى.
وهي آلية مقبولة، لأن صاحب اللقب لن يكون أميراً نخبوياً سيرضى عنه «الحداثيون» ولا «الكلاسيكيون» حين يتبع ملتهم، ولن يكون أميراً لجمهور متهم من قبل النخبة بالبلادة والجهل، بل هو «أمير شعراء» يظهر في عصر ديمقراطية وحرية نتمناه ويتمناه كل حر، ويمكن للمسابقة أن تضيف عنصراً ثالثاً لآلية التصويت، يتمثل باختيار «1000» مثقف عربي، من ناقد وشاعر، وأديب ومفكر وناشط في المجال الثقافي، وتخصيص حيز لهم للترشيح في مختلف المراحل عبر بريد إلكتروني يوضع خصيصاً لهم، ويكون لهم نسبة تمثل ما بين 10 ـ 30 % من نسبة التصويت، وهو برأينا عنصر مكمل لآلية الاختيار ولا غنى عنه.
بعد كل هذا، فأن مسابقة «أمير الشعراء» حققت ومنذ موسمها الأول بعضاً مما أرادته بإعادة بعض الألق للشعر العربي الفصيح، وقدمت للجمهور العربي أسماء شعرية تناسب العصر، كما أن المسابقة حركت مياهاً راكدة منذ عقود في المشهد الشعري العربي، واستطاعت أن تعيد اهتمام الجمهور العربي بالشعر الفصيح، كما أنها ومن ناحية «محلية بحتة» استطاعت أن تستقطب الضوء لدولة الإمارات العربية المتحدة باعتبارها مركزاً فاعلاً في المشهد الثقافي العربي، وليس مجرد مستهلك لثقافة «المراكز العربية السابقة».
أبوظبي ـ محمد الأنصاري