حضر طيف سعدالله ونوس الليلة قبل الماضية في فضاء مسرح دبي الشعبي، حيث قدم المخرج الإماراتي خالد البناي رؤيته الفنية الأمينة لمسرحية «الفيل يا ملك الزمان» للكاتب المسرحي السوري الراحل، في ثاني عروض الدورة الأولى لمهرجان دبي لمسرح الشباب التي تستمر فعالياتها لغاية الثلاثين من الشهر الجاري في مقر جمعية دبي للفنون الشعبية.

ولم يكن الحضور كما هو الحال في ليلة الافتتاح، حيث شغل المشاهدون نصف مقاعد القاعة، وهي ظاهرة لا بد من التوقف عندها ملياً، في محاولة لتعزيز التواصل بين الساحة الفنية والمتلقين في المجتمع المحلي. شهدت خشبة المسرح حالة نادرة فاجأت الحضور، إذ عمد المخرج خالد البناي إلى دفع فريق الورشة المسرحية لمسرح رأس الخيمة الوطني بأسلوب ذكي لتقديم اسكتشات ارتجالية سبقت العرض المقرر «الفيل يا ملك الزمان»، وهذه المشاهد التي تناولت قضايا يعيشها الشباب في واقعنا المعاصر، أراد منها البناي تظهير قدرات الممثلين الشباب في الارتجال على الخشبة.

و«الفيل يا ملك الزمان» نص كتبه ونوس في العام 1960، وقدمته العديد من الفرق المسرحية في أكثر من قطر عربي، وهو كناية عن حكاية شعبية تتناول فيل الملك الذي يجتاح قرية ويقتل أهلها ويدمر محاصيلها، وإزاء ذلك يتنادى الأهالي ويتباحثون في بث شكواهم إلى الملك، وبعد الاتفاق على المثول في حضرة الملك، يصمتون جميعاً من دون أن يبوحوا بطلبهم.

وحين غضب الملك من صمتهم، اضطر أحدهم للقول إنهم يحبون فيل الملك، ويريدون تزويجه، للإكثار من فصيلته، فضحك الملك من طلبهم، ولبى لهم رغبتهم بفرمانات، وبعد مرور وقت من الزمن صار في المملكة عدد كبير من الفيلة راحت هي الأخرى تجتاح أهل القرية وتقتلهم وتدمر أرزاقهم. وهذه القصة تلخص حالة الناس البسطاء الذين يتعرضون للأذى، ولكنهم يخشون البوح بمشكلاتهم أمام الملك الظالم.

وفي رؤيتنا للفضاء المسرحي، لاحظنا نقصاً في الديكور الذي اقتصر على تغيير واحد، بينما كانت الإضاءة ترتكز على اللونين الأبيض والأزرق. كما تبين بشكل جلي كيف اختلف أداء الممثلين بين المقدمة الارتجالية التي قدمت باللهجة المحلية، وبين تعامل الشباب مع النص الفصيح للراحل ونوس.

ربما أراد المخرج خالد البناي في تقديم «الفيل يا ملك الزمان»، برؤية وفية لنص ونوس، وهو ما قيد حركته على زوايا المسرح. ورغم كل ذلك، بذل شبان وشابات ورشة مسرح رأس الخيمة الوطني مجهوداً ملفتاً، خاصة أنهم قدموا العرض قبل شهرين بعد إنجاز ورشتهم المسرحية على خشبة المركز الثقافي في رأس الخيمة. ولعل انقطاعهم طوال تلك الفترة، ثم اجتماعهم قبل أيام أربك أداءهم في بعض المشاهد، وأظهره رتيباً في بعضها الآخر.

الندوة التطبيقية

شارك في الندوة التطبيقية حول العرض المسرحي كل من المخرج العراقي محمود أبو العباس والشاعر والإعلامي المغربي حكيم عنكر ومخرج العمل خالد البناي. واستهل الكلام محمود أبو العباس معرفاً بفرقة مسرح رأس الخيمة الوطني وكيفية تعاملها مع النص المسرحي، مثنياً على فريق العمل في تقديم هذا العمل الصعب.

ثم تحدث عنكر عن أهمية هذه الورشة التجريبية، وكيفية نقلها وتجسيدها على خشبة المسرح، متمنياً أن يؤدي ذلك في دورات لاحقة إلى وجود مسرح شبابي متميز، ينقل همومه وهواجسه على الخشبة.

ورأى عنكر أن المخرج الإماراتي خالد البناي اختار المركب الصعب في تقديمه نص سعد الله ونوس، ولكنه تعامل معه بدراية رغم أن النص كتب منذ أكثر من أربعين عاماً، ولا تزال الأجيال الفنية المتعاقبة بتقديمه. وتمنى لو أن عرض مسرح رأس الخيمة اقتصر على المسرحية المقررة «الفيل يا ملك الزمان»، أو تقديم الاسكتشات الارتجالية التي كان يمكن إنضاجها أكثر لتتحول إلى عرض مسرحي مستقل وقائم بذاته.

واعتبر عنكر أن المقدمة الارتجالية باللهجة المحكية، التي سبقت تقديم مسرحية بالعربية الفصحى، جعلت المناخ المسرحي يفقد ترابطه وانسجامه، وأشار إلى أن المخرج استطاع تقديم النص بحرفية، في مشهدين رئيسيين الأول هو فصل تغيير الديكور، والثاني طرح فيه المخرج ما يسمى إعادة الفعل المسرحي، وتمكن فيه من الحفاظ على الخط البياني في المسرحية.

وفي مداخلته، حيا رئيس اللجنة المنظمة لمهرجان دبي لمسرح الشباب عمر غباش الفرقة، وأثنى على العدد الكبير من الممثلين المشاركين في ورشة مسرح رأس الخيمة الوطني، متمنياً لو أن العمل تم تشذيبه، لكان المخرج البناي تفادى التكرار في كثير من المشاهد. كما نوه غباش باستخدام اللون الأزرق في الإضاءة، مما أضاف بعداً آخر في العمل، وأظهر بشكل جيد حركة الممثلين والديكور المسرحي.

وعلق الفنان الإماراتي عبيد بن صندل على المهرجان والعرض المقدم، متوجهاً بالتحية لمجلس دبي الثقافي على إقامته هذه التظاهرة الفنية، منوهاً بالعرض الارتجالي الذي قدمه شبان وشابات ورشة مسرح رأس الخيمة الوطني، وأشار إلى أنه يذكره بأيام كان وزملاؤه يقومون بتقديم مثل تلك الاسكتشات التي تتناول القضايا المحلية وهموم المجتمع.

ومن جهته، أجاب المخرج خالد البناي على التساؤلات والمداخلات التي قدمت، وأوضح أن ضيق الوقت كان سبباً في تقديم هذا العمل بهذه الصورة. ورأى أن نص «الفيل يا ملك الزمان» ينطوي على أهمية، وقد أخرج مرات عدة، وتم تقديمه بأشكال تناسب أفكار المخرج وبيئته وثقافته السياسية وتشوه من صيغته الأصلية.

وقال البناي إنه حرص على حرفية النص الصعب ومصداقيته، مشيراً إلى أنه حاول التغيير في بعض الفقرات، وبما تمليه ضرورة العمل المسرحي. وفي إجابته على تساؤل حول الخروج من خشبة المسرح غلى قاعة العرض، بررها بالقول إنها لأسباب فنية تتعلق ببناء المشهد المسرحي.

دبي ـ سامي نيال