لا يمكن أن تتوسع رؤية الكاتب للعالم، إلا إذا كان فنانا وليس مجرد صاحب حرفة، وإذا كان صانعا للقيم، وليس مجرد ناقل لما يحدث للحياة بشكل ثقيل. فبعد قراءة قصة، أو رواية طويلة ربما، قد لا يبقى في الذاكرة غير ضوضاء لأشخاص غائمين، مطموسي الملامح، ويجاهد القارئ لكي يرى هؤلاء الأشخاص لكنه لا يراهم.
فالحدث في هذه الحالات التقطه الكاتب ببرود، خاليا من الحرارة والضوء، فمن وسط هذه الأشياء التي سماها ولم يرها، لا يمكن أن تظهر للقارئ، فالحماسة الزائفة لن تنقذ الكاتب من العجز، بل ستبقيه محدودا في زوايا لم يستطع أن يتخطاها، لأنه يضج تحت وطأة خمول الرؤية، وتحليل ما يرى، واستبعاد ما لا يلزم، و حرفيته باستخدام ما يلزم.
عندها تتملك الإنسان رغبة بأن يرمي هذا الكتاب الذي بين يديه، ويدفع بكل ما تحتويه الرواية لتتناثر بالهواء وتتحرر أوهام من كتبها على الورق، ليقضي على تلك الحياة المبهمة المضطربة، التي لا تعبر عن إبداع حقيقي بقدر ما تعبر عن أهوائه وإثبات وجوده في عالم تكثر فيه الكتب
وتقل فيه الإبداعات، وكأن هذا الكاتب قد خط كلماته لأناس لا يبصرون، وإن كان على الإنسان الذي يبصر أن لا ينظر من حوله فقط بل أن يتعلم أن يرى، وغالبا ما ترجع سطحية النص إلى ضحالة حساسية من كتبه، وربما نقص ثقافته، ولهذا يبدو الأمر أحيانا قابلا للإصلاح.
بينما يستطيع الرسامون أن يعلموا الناس كيف يروا من جديد، وكيف يقيمون الضوء والظل والألوان من جديد، لأنهم يرون بالعمق، فالفنان الحقيقي يرى أن البصر الجيد يمكن أن يكتسب بالتدريب، ولهذا يقولون علينا شحذ بصرنا باستمرار، وعندما يقرر الإنسان أن يرى
فإنه يرى فعلا الأشياء ذاتها بطريقة مختلفة، وربما بطريقة ممتعة للغاية، فالطبيعة وكل ما يحيطنا من أشياء، يمكننا أن نكتشفها بطريقة مختلفة، فالأرض تمتلك من السحر والفتنة، أن يكون مادة للكثير من الأعمال الفنية الرائعة، و لو كان الإنسان في الكثير من الأحيان يصر على سحق الأرض وتدميرها، وإخفاء تلك الفتنة الأزلية.
وفن الرؤية في العمل الفني، والأدبي ليست كل شيء، هناك فن اقتناص ما لم يمكن أن يحدث دائما، و ما لم يمكن أن يحدث بسهولة، وبالتأكيد دائما على العمق، وهنا يحضرني الفنان الفرنسي (مونيه) عندما سافر إلى لندن، ورسم كنسية (ويستمينستر) في يوم ضبابي عادي يلف لندن، ومن وراء ضباب لوحته كانت خطوط الفن القوطي للكنيسة لا تكاد تظهر من الضباب.
ولكن عندما عرض (مونيه) اللوحة أثارت احتجاج اللندنيين، فضباب (مونيه) كان قرمزيا، بينما كانت كتب القراءة تكرس في العقول، أن الضباب رماديا. لقد أثارت جرأة (مونيه) أن يرى الناس الضباب من جديد، ويحدقوا فيه بعمق ليلاحظوا أنه قرمزي بحق.
وعندما بحثوا عن السبب وجدوا أن درجة اللون الأحمر للضباب، مستمدة من وفرة الدخان، كما أن بيوت لندن الآجرية الحمراء تمد الضباب بهذا اللون، وهكذا سمي (مونيه) خالق ضباب لندن، إنه بحق فن الرؤية الذي يتجلى إبداعا.