منذ أن أصابتني «لوثة» امتهان الأدب قبل أعوام بعيدة، والقلق والهموم تأخذ مني شوطاً طويلاً من حياتي مثل أمثالي ممن أصابتهم هذه اللوثة، ذلك لأننا نعيش بحساسية مفرطة جداً قلما يستطيع أحد منا أن يفرملها أو يقننها، وأحياناً تزداد هذه الحساسية أمام طوفان بعض الأحداث المتفرقة وتصبح مطرقة تضرب رؤوسنا، منذ أيام تقلقني ثلاثة هموم:
الحملة الهمجية التي يتعرض لها الصديق الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي، والتي قضت ببيع أثاث بيته وكتبه لسداد حكم مالي يتخذ الشكل الشخصي، إنما هو بالواقع حملة ضد حرية الرأي.
ومحاولة لكسر رقبة من يحاول أن يتطلع لمستقبل بعيد عن الرؤى الظلامية التي يحاول أن ينشرها البعض في مجتمعاتنا تحت عدة مسميات، أحمد عبد المعطي حجازي هو الخط الأول من الهدف العام، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه فيما ذهب في كتاباته فلا بد أن ندرك أبعاد الاتهام، ونحاول أن نقرأ ما بين السطور، إن قضية حجازي ليست فردية ضد شخصه وممتلكاته إنما هي رسالة لجميع الكتاب والأدباء والمبدعين والمفكرين الأحرار، وهي تهديد واضح لمجتمعاتنا المنفتحة المتحضرة المتوازنة.
ولا بد لكل الأقلام المتحررة أن تتحد على اختلاف اتجاهاتها وانتماءاتها ومناهجها لمواجهة هذا السيل الذي يهدد المجتمعات قبل الأفراد، فقضية حجازي ليست قضيته، ولا قضية كتاب مصر، ولا المجتمع المصري فحسب بل، هي قضية الفكر العربي، بكل ساحاته المختلفة، نحن نؤمن بضرورة الاختلاف في الرأي والحوار المنطقي، ولكن نرفض الإرهاب الفكري بأشكاله واتجاهاته وأساليبه.
وفي نفس السياق يمر العراق بموجة همجية أخرى، فبعد الاستمرار في اغتيال الإنسان والإبداع بشكل عام حتى أن اتحادات الكتاب أصبحت تحت الهيمنة الطائفية، كذلك مراكز العلم والمعرفة.
فإن جهات لا تستحي تعلن من مواقع مشبوهة على الإنترنت نيتها في اغتيال أكثر من ثلاثمئة فنان وكاتب وأديب ومفكر عراقي، أعرف البعض منهم كونهم أصدقاء ورفاق درب مبدعين، جمعتني بهم تجارب وحياة، كان من بينهم خالي وأستاذي القاص المبدع محمود عبدالوهاب، الذي سيبلغ عقده الثامن منتجاً ومؤثراً في ساحة الأدب في العراق، وبدلاً من أن نكرم هؤلاء ونفتخر بهم كونهم واجهة العراق الحضارية نهددهم بالفناء الجسدي، ظناً من هؤلاء أن الفكر والإبداع يمكن أن يغتال، جاليليو ظل حياً بينما لعنت البشرية قاتليه من كهنة الكنيسة المسيحية.
الهجرة والغياب القسري أو الاختياري عندي هو الموت، يوم رحلت من العراق كان أبي حياً، ودعته دون أن أخبره بعدم عودتي، وبكيت يومها إذ آمنت بأن هذه اللحظات هي الأخيرة معه، وأنه مات سريرياً أو أنني مت فالغياب والهجرة يعني الموت السريري، الآن أمر بنفس المأساة، هكذا فجأة يقرر صديقي وأخي المترجم والكاتب المبدع د. رعد عبد الجليل.
الهجرة، هذه هي هجرته الثانية بعد الأولى، في نهاية السبعينات من العراق إلى الإمارات، وهذه الثانية ربما الأخيرة له، ولعلي لن أراه بعد أن يلتهمه جسد الطائرة لتنقله إلى بلد بعيد كنا نطلق عليه في حكايات جداتنا جزر الواق واق، ترى هل سيعود السندباد مرة أخرى؟ هل يمكنني أن أراه ثانية؟
إن سنوات طويلة من عمري وعمره ترتبط بجدلية لا يمكن الفصل بينها، هو جاري، وتلميذي في العراق، وصديقي وأخي في الإمارات، هو خزين همومي وأسراري وتطلعاتي، ترى لماذا كتب علينا الترحال لنفتش عن وطن، ومسكن، وأحياناً مقبرة؟!.
مع كل أمنياتي لأخي رعد بحياة جديدة في بلد جديد قد يجد فيه السكينة والفرصة لأن ينجز ما تأخر من إنجازه وهو في مشاغلة اليومية، ولعله يجد وطناً آخر بعد أن فقدنا وطناً جميلاً أشك بأننا نجد بديلاً له.. وعزائي أنه يعيش في السويداء من القلب.