في أمسية ظبيانية استمع الجمهور لأول سبعة شعراء من أصل 35 شاعراً مشاركاً، في أولى منافسات مسابقة «أمير الشعراء»، وهم: الوليد الشهري السعودية، بهيجة مصري إدلبي سوريا، عبد الكريم معتوق الإمارات، عبد الله أبوشميس الأردن، عبود المزيجي اليمن، عمر حاذق مصر، ومحمد ولد الطالب موريتانيا، حيث التقى الشعراء بجمهور الشعر وأعضاء لجنة التحكيم، ليتأهل منهم 3 شعراء للحلقات الأخيرة من المسابقة، وذلك في الحلقة المباشرة من برنامج مسابقة «أمير الشعراء» التي بُثَّت من مسرح شاطئ الراحة في أبوظبي على تلفزيون أبو ظبي الليلة قبل الماضية.
وحفلت الحلقة بمواقف نقدية متقاربة لما قدّمه الشعراء جميعاً من نصوص شعرية، حسمها قرار لجنة التحكيم المكونة من د. على بن تميم، ود. عبد الملك مرتاض، ود. صلاح فضل، والشاعر نايف الرشدان، والفنان غسان مسعود، بتأهّل عبد الكريم معتوق الإمارات إلى المراحل اللاحقة من المسابقة، كما استقرّ تصويت جمهور المسرح على محمد ولد الطالب من موريتانيا وبهيجة إدلبي من سوريا. وتمحورت قصائد الشعراء حول موضوع الغزل والوجدانيات، فتألق الشعراء بما قدموه من نصوص وجدانية ذات عمق إنساني وروحاني حتى قارب بعضهم الصوفية مثل الشاعرة إدلبي، واستعاد حاذق تجارب المجنون في حب ليلى في قالب شعري حديث وصنعة شعرية وفنية عالية.
وشهدت الحلقة تفاعلاً بين الشعراء وجمهور الشعر، وأظهرت ضرورة النقد في تصويب تجارب الشعراء ومسيرة الإبداع الشعري من خلال ما أبداه أعضاء لجنة تحكيم المسابقة من آراء نقدية عبّرت عن ذائقة نقدية سليمة وعميق نظر إلى نتاج الشعراء المشاركين، فقد رأى الفنان غسان مسعود في شعر الوليد الشهري لغةً جزلة عتيقة لها جماليتها، معتبراً أن اللغة عنده أعلى من الصورة. بينما أشار الشاعر نايف الرشدان إلى أن قيمة الإلقاء هي قيمة ثمينة لدى الشعراء على مر الأزمان، وقد أناب بعض الشعراء عنهم من يلقيها أحياناً كثيرةً، واعتبر أن ما يميز الوليد الشهري ثقته القوية ولغته المتميزة. أما الدكتور صلاح فضل فقد أشار إلى أنّ من حق الشاعر أن يعبر بحرارة عن وهج الصبا بلغته الجزلة وعبارته القوية وحماسته الحارة، لكن يؤخذ عليه أنه حاول أن يجمع طرفين بينهما قدرٌ من التناقض، بين كبرياء المتنبي وتجسيده للشخصية العربية.
واستدعاء أبي العلاء المعري في تأمله الفلسفي الهادئ، ما بيّن حاجة الشاعر إلى مزيد من التأمل وامتلاك لغته الخاصة كونه يستعير حبر الآخرين ويكتب في ظلال أشعارهم. واعتبر الدكتور على بن تميم أن نص الوليد الشهري استدعى التقاليد الشعرية العربية كما هي دون النظر فيها، وأيّده في رأيه الدكتور عبد الملك مرتاض الذي نصح الشاعر بأن يقرأ للشعراء الكبار من القدامى والمحدثين حتى تنصقل موهبته، بعيداً عن التناص مع تجاربهم الشعرية المقحمة في نصه الشعري.
وأجمع أعضاء لجنة التحكيم على اعتبار أنّ قصيدة بهيجة إدلبي تشف عن شعرية واضحة، فرأى الشاعر نايف الرشدان أنها قصيدة مترعة بالألم وإن جابهت مشاعر إنسانية كالعشق والألم بالعنفوان، ما أضعف اختيار الشاعرة للنص كونه لا يمثّل خياراتها الشعرية الجميلة، واعتبر الدكتور صلاح فضل أن في القصيدة امتزاج الشعر والقصة في العنوان «إسراء» كأنها تلامس عروج الروح في قصيدة الوجد الخالص المتضمنة مزجاً شعرياً جميلاً في صياغاتٍ لغوية مبتكرة.
أما الدكتور علي بن تميم فقد أشاد بالنص الجميل الذي حلّق بالمستمع إليه بعيداً، وأبرز ثنائية الخفاء والتجلي في مفردات «الغيب، الإخفاء، الفناء، السر، الكشف، والحضور»، واعتبر أن بين القصيدة ونص الحلاج تناصاً واضحاً لجهة بنيته والرموز الصوفية التي يحملها.
ووافقه في رأيه الدكتور عبد الملك مرتاض الذي لاحظ أن لغة بهيجة إدلبي لغة صوفية فيها الإشراق والسر والعشق، ورأى أن في ذلك إثباتاً لقدرة الشاعرة على امتلاك لغتها والتحكم بها. كما أشار الفنان غسان مسعود إلى أن عندها رصانة الإلقاء والتمثل بالمعنى، غازلت اللغة برقة الأنثى ولامست جماليات الصوفية.
وأشاد أعضاء لجنة التحكيم بقصائد عبد الكريم معتوق ونُضج تجربته ولغته الشعرية التي تأسر الشعر أسراً وتقتله قتلاً وتسحر وتبهر كما رأى الدكتور عبد الملك مرتاض، وقال الدكتور صلاح فضل إنّه نثر في قصاصاته الشعرية أوراقاً من الورد في الجنون الذي استهل به، وتلك المعارضة الرائعة لبيت المتنبي «الخيل والليل والبيداء تعرفني..».، واعتبر أن الشاعر يمتلك حساً موسيقياً أصيلاً ووعياً شعرياً وقدرةً ذكيةً على استدراج القارئ إلى فخ الاستمتاع بنصه الشعري، ووافقه الدكتور علي بن تميم رأيه فأشار إلى أنه يستعمل تقنية الكولاج، أو الملصقة في تقديمه وجهات نظر مختلفة في المرأة وعلاقة الرجل بها في تلوّن شعوره وتعدد قصاصاته التي كوّنت عالماً شعرياً خاصاً بالشاعر.
وجاء نص عبد الله أبو شميس حافلاً باللوحات في حضور الأم والخالة والجد، أخذ عن لغة الشارع لا الشاعر برأي الدكتور عبد الملك مرتاض، وتعمّد الغنائية واستحضار المشهد الدرامي في تراجيدية حادة كما رأى الشاعر نايف الرشدان، ولم يستطع فيه الشاعر أن يطوّع لغته الشعرية برأي الفنان غسان مسعود. وقد جاء رأي الدكتور صلاح فضل مُنصفاً للشاعر إذ رأى أن النص تميّز بظاهرة موسيقية جميلة تمثلت بتكرار المطالع، ونمّ عن تجربة وجدانية عميقة عاشها الشاعر في الأردن المجاور لفلسطين، وهو نص مفعم بالشعرية الحقيقية.
واعتبر الدكتور عبد الملك مرتاض أن نص عبود المزيجي قصير يستعمل لغةً لا ترقى إلى مستوى اللغة الشعرية، هي لغة جاهزة وبسيطة، ترقى من خلال قراءة الشاعر للشعراء الكبار. بينما اشتمّ الفنان غسان مسعود في النص رائحة نزار قباني، ورأى الدكتور صلاح فضل أنّ تبني صوت المرأة كان رائجاً في الماضي، أما اليوم فالمرأة تستطيع التعبير عن ذاتها، وهذا ما أغفله الشاعر، وإن كان مطلع القصيدة مدهشاً ومفاجئاً وبناؤها درامياً.
كما رأى الشاعر نايف الرشدان في نص عمر حاذق افتقاداً إلى التقاط الصورة الفنية والمعنى، واحتياجاً إلى رؤية تميز الشاعر عن الآخرين، وتجنبه الخطابية والمباشرة. واعتبر الدكتور علي بن تميم أن الشاعر لا يصور المرأة في قصيدته على حقيقتها، وهو يعيش رومانسية خيالية تسكن البرج العاجي ولا تنزل إلى مستوى اليومية الموحية بالشعر، والمعبرة عن ذات المرأة لا ذات الشاعر.
ورأى أعضاء لجنة التحكيم في نص محمد ولد الطالب صورة جميلة في التعبير عن المواقف الشعرية الوجدانية، فاعتبر الدكتور صلاح فضل أن كلمات الشاعر مفعمة بالبلاغة، قادرة على صناعة اللغة صنعاً يرقى بالشعور إلى مستوى رفيع، ويبتكر الصور الطريفة في وصف مأساة الحب وعذاب المحبين.
ويستعيد روميو وجولييت الشعر في صياغة معاصرة تبرز موهبة شعرية أكيدة. وأشار الدكتور عبد الملك مرتاض إلى أن الشاعر كان استثنائياً في التجربة الشعرية في موريتانيا إذ ابتعد عن التقليدية وكان حديثاً في اختيار اللغة الشعرية الأنيقة والرشيقة الحافلة بجملة من الصور البديعة، كما في جملته «وكانت مداءات عينيكِ سفراً من الموت..».