شهدت سفوح الجبال والمنطقة المحيطة بجبل البحيص سلسلة من التنقيبات الأثرية المكثفة خلال السنوات القليلة الماضية، التي أسفرت عن كشف مقبرة واسعة تضم قبورا عديدة تعود إلى فترات زمنية مختلفة ابتداء من العصر الحجري الحديث مرورا بالعصرين البرونزي والحديدي إلى العصر الهلنستي.

فيما يتعلق بمدافن العصر الحجري الحديث والمستوطن المجاور BHS18 فقد أرخت بقاياه بواسطة الكربون الإشعاعي إلى بداية الألف الخامس ق.م، أما العصر البرونزي فقد تمثل بعدد من المدافن التي تؤرخ إلى النصف الأول من الألف الثالث ق.م. والى فترة وادي سوق المؤرخة إلى النصف الأول من الألف الثاني ق.م.

وتضم قبور هذه الفترة مجموعة متنوعة من المدافن الكبيرة المشيدة بالحجارة فوق الأرض وأخرى مشيدة تحت الأرض ويعتبر القبر BHS66 قبرا متميزا وفريدا من نوعه في جميع أنحاء شبه جزيرة عمان.

شيد المدفن على شكل ورقة البرسيم المكونة من أربعة فصوص دائرية الشكل يتوسطها مدخل إلى جهة الشرق يؤدي إلى غرف دفن داخلية، تم العثور فيها على العديد من الهياكل العظمية البشرية، وقد رافقتها كمية وافرة من هدايا الدفن المتنوعة، من أوعية فخارية مصبوغة وحجرية وأسلحة معدنية ومجوهرات شخصية. وتمثل القبور BHS12 و BHS8 أنواعا أخرى من قبور فترة وادي سوق المشيدة تحت الأرض، والتي ضمت أعدادا كبيرة من المواد واللقى الأثرية.

وجنبا إلى جنب مع المدافن المذكورة أعلاه فقد ضمت مقبرة البحيص مدافن أخرى تعود إلى العصر الحديدي المؤرخ إلى الألف الأول ق.م، واتخذت معظم قبور هذه الفترة شكل حفر أرضية بسيطة تم استخدامها لأغراض الدفن المنفرد والجماعي أيضا، كما استخدم سكان العصر الحديدي القبور المشيدة خلال الفترات الزمنية السابقة لأغراض دفنهم أيضا.

وتجدر الإشارة إلى ظاهرة استعمال الكهوف والمأوى الصخرية التي تتوفر بصورة طبيعية على سفوح الجبل لأغراض الدفن بعد تحصينها بإضافة جدران حجرية أخرى وتحويلها إلى حجر مناسبة لأغراض الدفن.

في الكهوف عثر على أعداد من الهياكل العظمية، وعدد كبير من اللقى الأثرية خاصة الأوعية الفخارية التي تحمل بصمات العصر الحديدي المتميزة، وكذلك صناعات معدنية كالأواني والأسلحة، خاصة مجموعة رؤوس السهام البرونزية والتي يحمل البعض منها حزوزا زخرفية.

إضافة إلى ذلك فقد ضمت سفوح جبل البحيص عددا قليلا من القبور التي تعود إلى الفترة الهلنستية، وعثر في داخلها على عدد من الأواني الزجاجية ذات الأشكال المتميزة.

5- البحيص 18:

في القسم الأوسط من إمارة الشارقة بين الخليج العربي وخليج عمان توجد موقع البحيص BHS18 الذي يعود إلى أواخر فترة العصر الحجري، ويتكون من مقبرة كبيرة ومناطق سكنية تحيط بالمقبرة.

يؤرخ الموقع استنادا إلى تحليل الكربون الإشعاعي إلى 4780- 4610 ق.م، وبذلك يكون من أقدم المواقع الداخلية في دولة الإمارات، وعنصرا في غاية الأهمية في مجال البحث الأثري الخاص بشبه الجزيرة العربية.

يتكون الموقع (BHS18) من مقبرة كبيرة ومواقع مجتمع مجاورة وتدل المكتشفات الجديدة في هذا الموقع على وجود مجاميع من الرعاة المتنقلين في شرق الجزيرة العربية، وذلك خلال فترة سبقت بكثير ظهور أول مستوطنات مستقرة في المنطقة.

كان هؤلاء الرعاة يجوبون السهول شبه الصحراوية المنتشرة على طول جبال الحجر مع قطعانهم المكونة من الأغنام والماعز والماشية، والتي كانت مصدر تزويدهم بالحليب واللحوم.

أما الجمل فلم يكن قد دجن بعد في تلك الفترة المؤرخة إلى بداية الألف الخامس ق.م، ومع ذلك فقد تم العثور في الموقع على كسر قليلة من عظام جمل، مما يدل على وجود الجمال البرية في المنطقة، وبأنه قد تم اصطيادها بين حين وآخر، إضافة إلى اصطياد الغزلان والمها العربية والحمر الوحشية، ولم يهتم السكان بتشييد دور سكن لهم، ولا حتى خيام أو مظلات قوية، وقد تم العثور في الموقع على العديد من مواقد النار المعمولة في حفر سطحية مرصوفة بحصى كبيرة الأحجام وما زالت ممتلئة بطبقات سميكة من رماد اسود اللون، وهي البقايا الوحيدة التي تشير إلى الفعاليات اليومية.

لقد وفد هؤلاء القوم إلى سفوح جبل البحيص لأول مرة قبل أكثر من 7000 سنة مضت، وقد شجع زياراتهم المتكررة للموقع وجود ينبوع قديم كان قد تعرض للجفاف في حوالي 4000 ق.م، وقد تم الكشف عنه وتتبع بقاياه بصورة ناجحة من قبل مختصين من معهد الفيزياء البيئية في جامعة هايدلبرك في ألمانيا، وفي فترة لاحقة قليلا ربما بعد 5000 سنة ق.م.

القرابين البشرية خلال العصر الحديدي

يُسلط كتاب جديد الضوء على القرابين البشرية التي كان يُضحى بها خلال العصر الحديدي في الدنمارك، ويظهر بأن هؤلاء لم يقتلوا بوحشية كما كان يعتقد سابقاً.

وقال مدير متحف سيلبورغ كريستيان فيشر في كتابه وهو بعنوان «رجال الترولاند ـ هدية إلى الآلهة» إن الدارسات التي استغرق إعدادها لأكثر من 30 عاماً أظهرت أن جثث القرابين حفظت بشكل جيد ولم يتأثر شكلها كثيراً على مر السنين.

وقال علماء آثار إن عوامل طبيعية ملائمة حافظت على «جثث البوغ» أو «شعب البوغ»، حيث ظلت أعضاؤها الداخلية وجلودها وعظامها شبه سليمة بعد كل هذه الفترة.

وساد ظن لبعض الوقت أن أصحاب هذه الجثث عوملوا بشكل وحشي بسبب الشروخ الموجودة في جماجمهم، لكن فيشر يقول ان سبب ذلك قد يعود إلى ضغط الأجسام الصلبة التي وضعت فوق قبورهم وأدت إلى تحطم جماجمهم.

وذكرت صحيفة «كوبنهاغن بوست» إن كتاب فيشر يدعم النظرية القائلة ان هؤلاء الأشخاص ربما شنقوا قبل أن يتم التخلص من جثثهم ودفنها.

فاطمة محمد الهديدي