فنان تخطت أعماله العالم العربي إلى العالمية وترك بصمة لا يمكن ان تنسى وسيسجله التاريخ. الفن بالنسبة له عطاء إنساني ورسالة خالدة يبقى للأجيال القادمة. ألوانه لها فلسفة خاصة لأنه يعمل بالضوء والروح ويستمتع بالنورانية واللون. وجيه نحلة الذي قتل الحرب في لوحته واطلق الفرح والامل والسلام نال الكثير من الجوائز العالمية وشارك في كثير من المعارض وكتب عنه الكثير سيما الشاعر ادونيس وهنري زغيب والاستاذ جوزف أبي رزق ودكتورة زينات بيطار.
فنان يرسم بالضوء ؛ بالضوء الذي لا يلمس، بالضوء الذي لا يركب؛ الذي يأتي من لا مكان ومن كل مكان؛ ليذهب لا إلى مكان والى كل مكان. قيل عن نتاجه وإبداعه في مرحلة التسعينات بأنها مرحلة التوهج اللوني والنورانية الداخلية وانسيابية الإيقاع الموسيقي في الحركة والتأليف لبناء اللوحة العضوي العام. لم يقتصر الكلام عنه على هذا النحو بل اعتبر انه النفط الجديد للعرب والتراث الضخم للحضارة الإسلامية والذي يجعل منه واحداً من رواد مدرسة الرسالة وانتهى مع نحلة عهد الفردانية واستنزف كل سحره. «البيان» التقت وجيه نحلة في هذا الحوار:
ـ هل الضوء عندك مادة لريشتك تتخطى المكان والزمان؟
ـ أنا أستاذ الضوء؛ الضوء لعبتي الكبرى وسري الكبير رسمت الضوء الذي لا يلمس بالضوء الذي لا يركب؛ بالضوء الذي لا يأتي من لا مكان ومن كل مكان كما قال هنري زغيب حيث تستحيل الريشة بين أناملي منارة تنقل اللون في سحر الإبداع؛ من أين تبدأ اللوحة وأين تنتهي؟ تلك هي أبجديتي التشكيلية التي لم يفك أسرارها احد بعد.
ـ ماذا عن مقامات الأزرق المجنح ونورانية الشرق التي تحدثت عنه دكتورة زينات بيطار؟
ـ انها الرؤية المنفردة للفن وحركة الوجود والخلق والإبداع. انها نورانية بالبهجة اللونية على إيقاع خيالي المجنح. هذه حالة من التوهج اللوني والنورانية الداخلية وانسيابية الإيقاع في الحركة والتأليف لبناء اللوحة العضوي العام. فتختلج نشوة الخيال بتلقائية تعبيرية تفوق حدود التصور واطر المقاييس والأساليب. أنها مرحلة الزهو والنضج الذاتي واختمار الذوق والتجربة والثقافة اللونية الرفيعة ففي هذه المرحلة تتماهى رموز الإلهام والخيال في وحدة عضوية آسرة.
ـ ما هي حدود لوحتك؟
ـ لوحتي منفتحة على العالمية وتتعدى حدود الزمان والمكان لتصبح قيمة فنية تتوحد فيها الطبيعة والخيال والمرأة والخيل وفنون الموسيقى والرقص والتصوير فإن طبيعة تأليف لوحتي تنقلك من العالم الأرضي إلى عوالم علوية ومناخات الصفاء الذهني الخارق.
ـ كيف برأيك يجب ان يبقى الفن وهل هو عاجز عن تبرير وجوده؟
ـ أنا مقتنع بان الفن يبقى عاجزاً عن تبرير وجوده ان لم يتمكن من تأدية رسالة أو ينقل إحساسا بانفعال أو شعور اقله الكشف عن موقف إنساني بوسعه ان يؤثر ايجابيا على نفسية المشاهد بكلمة مختصرة من ان يقيم علاقة باستطاعتها ان نولد غبطة وجودية. من هنا أجهد في البحث عن المضمون المعنوي للعمل الفني .
ـ ماذا عن كوكبة الإشارات الموجودة في لوحاتك؟
ـ لقد تحدث عن هذا الموضوع الشاعر ادونيس واعتبر ان من يقرأ لوحاتي يخيل له أنني استخدم جسد الكلام ليصلنا بالبدايات .أمزق هذا الجسد؛ أبعثر أجزاءه امزج فيما بينها تاركا بعضها يتنافس أو يتآخى مع بعض ثم ارشق الخطوط. منذ ان تصبح الكلمة خطاً تدخل في المكان تتحول إلى حركة تنحني؛ تتماوج؛ تتحدب؛ تتشابك؛ تتقابل؛ تتوازى؛ تتدور؛ تتقلص تنبسط تتزيا بالاشارات.
الواقع وحده إشارة في هذا العناق؛ بل الشخص نفسه إشارة كذلك وكل شيء في هذا الامتداد الذي نسميه الداخل حينا والخارج حينا آخر إنما هو إشارة؛ لا طبيعية؛ والعقل راقد ح الذكرى والمخيلة هما وحدهما الحضور، هما وحدهما في يقظة دائمة.
ـ ما هي ميلوديا وجيه نحلة؟
ـ إنها ميلوديا من عرس الجمال كتلك التي تحدث عنها هنري زغيب. ميلوديا أوقعها بنوطات من الغزل الشفاف؛ والبوح الشفيف؛ في لوحة يباهي لبنان بها معارض العالم؛ بابن له تجاوز الريشة واللون والقمامة البيضاء والألوان ليرسم بالضوء؛ بوحدة الضوء في أبجدية تشكيلية جديدة.
ـ ماذا عن مرحلة انتقالك من التعبيرية الانطباعية إلى الحروفية إلى الدراويش؟
ـ من يوم تركت الانطباعية وتوجهت نحو الحروفية فلم تعد الحروفية معي تخطيطا مسطحاً بل هي اختطاف عميق يتوسل النبع عبا من الجذور؛ ليثب صوب الكلمة صوب المدى الأرحب؛ أخذت ترقص الحروف على عزف الروح في ألوان الفرح فلم تعد اللوحة حروفا راكدة بل أصبحت عرسا من الأحرف الراقصة المتمالية المتحركة حتى ليتعب الإطار ولا تتعب اللوحة.
ومن الحروفية إلى الدراويش آهات جمال تتحرك على القماشة البيضاء فتستحيل القماشة أغنية من ميلوديا الوان تتهافت عليها الخطوط فلا تستلحق لان اللون اسرع من الخط والخط اسرع من الحرف؛ والحرف لم يعد جزءا من كلمة بل صار احيانا هو الكلمة كلها.
ـ ما المسافة التي تفصل بين الغرافيكية المتقشفة وبين الأعمال الأحادية اللون؟
ـ انها المسافة التي تفصل بين الرمز والتظهير؛ بين الفكرة والمعبر عنها بصورة تجريدية والفكرة المجسدة بصورة محسوسة. ففي الحالة الأولى كما الثانية هو المدلول الذي يشكل العنصر الفاعل في اللوحة؛ الطاقة التواصلية التي تبدو حية في الأعمال الغرافيكية وأكثر جرأة في الأعمال الأحادية اللون.
بيروت ـ رانيا غانم