أكد المفكر المغربي د. عبد الإله بلقزيز أن ظاهرة الانقسام الثقافي ـ والحروب السائرة في ركابها ـ إنما هي تعبير مكثَّف عن حال الانسداد التي بلغها النظام الاجتماعيّ والسياسي والثقافي العربي، وأضاف بلقزيز الذي ألقى مساء أول من أمس محاضرة في المجمع الثقافي عن «تحديات الانقسام الثقافي في الوطن العربي»:
أن حالة هذا الانسداد لا يكفي معها إبرام تسويات طائفية وعشائرية تُخْمِد لهيب الحريق إلى حين ـ مثلما حصل في تسوية الطائف لوقف الحرب في لبنان: ولو أنها كانت تسوية ضرورية ـ أو إنتاج نظامٍ للمُحَاصَصَةِ الطائفية والعرقية ـ على مثال ما يجري إنتاجه في العراق ـ وإنما الخروجُ منه ـ أي الانسداد ـ يكون من مخارج لها عناوين متعددة معلومة: العقد الاجتماعي، الإصلاح الديمقراطي، المواطَنة، الاندماج الاجتماعي والانتقال من المجتمع الأهليّ العصبويّ إلى المجتمع المدنيّ الحديث، ودون ذلك مراوحةٌ داخل المتاهة!
وحذر المفكر المغربي المعروف بطروحاته الجريئة من أن الأوضاعُ الثقافية العربية الراهنة توشك على بلوغِ حالٍ من التفسُّخ والانحلال نتيجة ما تشهده وتُعانيه من صراعاتٍ وتناقضات حادَّة خرجت عن حدودِ الطبيعيّ والمألوف، وباتت تهدّد ليس فقط حالة الاستقرار الثقافيّ والعقلي ـ حتى في صورته الرَّثَّة «كتعايش» بين أفكار وقيم ثقافية متباينة لجماعاتٍ ضعيفةِ التجانس الثقافيّ ـ وإنما أيضا حالة الاستقرار المجتمعيِّ نفسِه التي لا يمكن عزلُها عن سياق العلاقات الثقافية بما هي ـ علاقات ـ شديدةُ الأَثَرِ والتأثير في أوضاع الاجتماع الأهليّ والمدني وفي الاستقرار المجتمعيّ.
وأضاف: لقد كانت حياتُنا الثقافية المعاصرة مزدحمةً بالأسئلة المقلقة والحرجة باستمرار، وكان مما يستعصي علينا في كثير من الأحيان توفيرُ أجوبة مناسبة ومريحة عنها تَفُكُّ حالة التعبئة الفكرية بين القوى المتجاذبة على مسرح الصراعات الثقافية.
لكنها المرة الأولى ـ منذ عهدٍ طويل ـ التي تجد فيها العلاقاتُ الثقافية نفسَها في حالٍ من التأزُّم الشديد المنذِرِ بفرطِ ما انْعَقَدَ جَمْعُهُ وطوْقُه، فالجدال الثقافيُّ الحاصل اليوم لم يعد جدالاً فحسب، بل أصبح انقساماً، ومن شأن هذا الانقسام إذا امتدَّ وترسَّخَ أن يذهب بعيداً في توليدِ حروبٍ عقلية داخلية تطيح بكل ما ترتَّب عن ماضينا الثقافيِّ القريب من مكتسباتٍ مثل التفاهم على قواعد المنافسة الثقافية، والحوار، والتسامح الفكري، وتبادُل النَّقد البناء، والتوافُق على مشتَرَكاتٍ ثقافية.
وأوضح بلقزيز بعض ظواهر الانقسام الثقافي الذي تعيشه الأمة من خلال سيطرة تلك الظواهر لتمتد إلى العلاقات الاجتماعية، واستبدادها في أوساط النخب والجمهور على حد سواء، وأشار إلى أن هذا الانقسام يجنح بالتدريج نحو الخروج عن قواعد المنافسة الثقافية والاختلاف الفكري الطبيعي، ونحو المزيد من التوسُّل بأساليب العنف الرمزي:
اللفظي والإيديولوجي، الذي هو ـ أيضا ـ شكلٌ آخر للعنف الماديّ ورديفٌ له ومقدِّمة، وأردف قائلاً: يكفي المرء أن يقرأ اليوم ما يُكْتَب في الكتب والصحائف عند هذا الفريق الفكريّ أو ذاك، في هذه المسألة أو تلك من أمَّهات مسائل الاجتماع والسياسة والثقافة والدين؛ ويكفيه أن يتابع ما يُنْشَر ويُذَاع وما يُبَثُّ على الشاشات من مواقف و«أفكار«، وما تحمله الأشرطة والأقراص المدمجة إلى الأسماع من كلامٍ خطيرٍ في أمور الدنيا والدين، كي يقف بأقطعٍ دليل وبرهان على العلاقات الناطقة بانطلاق زمن الفتنة في تاريخنا المعاصر!
وحدد بلقزيز شكل الانقسام الثقافي العربي بوجهين سيؤديان حتماً إلى صراعات طاحنة تنهك نظام المناعة الثقافية والاجتماعية المكتَسَبَة: صراع المرجعيات الثقافية والصراع المذهبي، كما انتقد المحاضر حالات صراع المرجعيات الثقافية العربية منذ القرن التاسع عشر، إلا أنه أشار إلى نجاح الثقافة العربية في بعض مراحلها من الخروج من حالة التقاطب والتنابذ وتؤسس لجدليات جديدة نجد فيها توتّراً اقل من جدلية الأصالة والمعارضة الحادَّة.
وأضاف بلقزيز: لقد عادت الثقافة العربية، في الربع الثاني من القرن العشرين، إلى جدلها العقيم بين تيارين عَادَا إلى تَخَنْدُقهما الثقافي بعد انهيار فكرة المصالحة الثقافية التي قادتْها الإصلاحية الإسلامية، ولقد كان الانقلاب الفكري لمحمد رشيد رضا من فكر الإصلاحية ومن فكرة الدولة الوطنية إلى فقه (السياسة الشرعية) وإلى فكرة الخلافة، مثلما كانت الحملتان الثقافيتان على كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين وكتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرَّازق، إيذاناً بتلك العودة إلى جَدَل ما قبل الإصلاحية الإسلامية.
ثم تطرق بلقزيز إلى تأثير الصراعات المذهبية ـ بمعناها اللفظي والمعنوي ـ على حالة الكيان العربي بكل مفاصله الاجتماعية والثقافية، وتناول بعض محطات الصراع المذهبي في تاريخ الأمة وما تركته من أثر استُغل من قبل القوى الكبرى وضمن استراتيجية التفكيك الكولونيالية ـ الصهيونية، ونعتقد أن رأي بلقزيز هذا يندرج في قائمة (نظرية المؤامرة) التي درج على ذكرها العديد من الكتّاب والمثقفين العرب من التيارين المتصارعين فكرياً
أبوظبي ـ محمد الأنصاري