عقد أتيلية القاهرة ندوة لمناقشة المجموعة القصصية «الملك ينزل المدينة» للكاتب محمد العون، الصادرة عن دار النيل للنشر عام 2006 ، أدارها الكاتب أسامة عرابي الذي أشار إلى أن العمل هو الأول الذي ينشر للكاتب محمد العون، وهي تتألف من سبع قصص، وجعل عنوانها للمجموعة ليس لأنها القصة المركزية داخل المجموعة فحسب.

وإنما لأنها تحوي البعد النظري الخاص برؤية الكاتب الذي استطاع عبر لغة متينة النسج، أن يغوص بعيداً في ثنايا المنعطفات المعتمة في حياتنا الإنسانية، وأن يقترب من الزوايا الشائكة في علاقة كل منا بالآخر، وأن يميط اللثام عن المفارقات المخزية، التي تجلد السلوكيات ويزيل النقاب عن مواطن القهر والاستلاب التي تهيمن على المنظومة القيمية الاجتماعية العامة.

وأوضح عرابي أن الكاتب تمكن في قصته الأولى، التي صاغها في قالب مباشر تراثي عربي قديم الوصول إلى غايته في يسر دون تعمد واصطناع، هذه القصة التي تدور فكرتها المحورية حول المنعزل عن شعبه، الفارق في ملذاته، والمتسم بالجبروت والطغيان، وهذا كله جعله لم يفهم لغة أهل مدينته عندما قرر النزول لهم، وحين بدأت تلوح في الأفق بؤر المقاومة، إذ بهذا الملك الطاغية يتحالف ضدها .

ومن ثم يكون مآله محاولة القتل على يد أحد نبلاء المملكة، ولكنه لا يموت ويظل يعاني من مرض طويل، ثم تبدأ سلطاته في التقلص، بعد أن حلت مكانه زوجته الملكة التي تبدأ صفاتها في التغيير بعد جلوسها على العرش، فتفقد ما كانت تتمتع به من الوداعة وتتحول إلى الجبروت والطغيان.

وأكد الناقد د. سيد الوكيل أن هذه المجموعة القصصية تركن إلى الذات الإنسانية التي تؤلف ما بين الأشكال المتباعدة والمتنافرة، وهو ما يشغل التعددية الصوتية الكثيفة بتوتراتها، ثم محاولة تحريرها من ثقل وجهها الداخلي بكل ما تملك النفس الإنسانية من طاقة كامنة كاشفة، حيث يبدو الكاتب هنا هامشياً في دائرة تفتقر إلى معيار التوازن القيمي وإلى ابتلاء وجودي ترتفع فيه كل التناقضات، الذات والموضوع، الأنا والهو، الوعي واللاوعي.

وأشار الوكيل إلى أن هذه التناقضات التي احتوتها المجموعة جعلت منها محاولات للخروج ورغبة في الخلوص من كل صور المساءلة، وفعل هدم وطرح للموضوعات السائدة، مما منح الكتابة حياة تنبض بما نكابد ونكتوي بناره.

وانتقد د. الوكيل مؤلف المجموعة في استخدامه المستمر الضمير الغائب في السرد، وكذلك في حرصه على استخدام الراوي العليم، الذي يهيمن على مقدرات السرد حتى لا يتحول النص في النهاية إلى مجرد صوت دعائي للكاتب، كما انتقد العديد من الاسقاطات التاريخية، والتي كانت أساسية داخل معظم نصوص المجموعة وتحديداً في قصته الأولى الملك ينزل المدينة، وفيها إسقاط على الحاضر ونمط الاستبداد الذي لا يتغير.

وحذر الوكيل المؤلف من خطورة هذه الثقافة القرائية البلاغية على إبداعه الفكري، وإنه لابد من أن يتحرر منها واستدعاء خبراته الذاتية حتى يكون هناك حضور للذات الساردة داخل النص، إضافة إلى تجنب إعادة إنتاج ما سبق إنتاجه مما يوقعه في فخ التقليد والنمطية، والتي تبدو بوضوح في العديد من الشخصيات داخل النص بدءاً من الملك، الوزير، المستشار، الملكة المترفة المعزولة عن شعبها، والتي تتشابه مع «ماري أنطوانيت» التي أشارت بأن يأكل شعبها البسكويت ليسد جوعه.

الاستغراق في اللغة وأشاد د. يسري عبدالله أستاذ النقد العربي بالمجموعة بقدرة الكاتب على صياغة بنية سوسيولوجية نفسية عمقت الرؤية لواقع يئن تحت وطأة شروطه الكادحة، كما تجلت قدرة الكاتب في التقاط التفاصيل الصغيرة والزوايا المنزوية في أعماق النفس البشرية.

والإنصات إلى دبيب اختلاجاتها، ودفعها إلى مناخ يسعى إلى تأسيس أفق فني تتواصل به عبر تواصل المتلقي معه إلى تفكيك زواياه المتعددة، التي تعيش الواحدة منها في موازاة الأخرى، جامعة ما بين المعيش والمحسوس من خلال الفكرية المحورية، التي تهيمن عليه في العلاقة المراوغة ما بين السلطة والإنسان من خلال استخدام التعبيرات التراثية العديدة، والتشكيلات الجمالية والحيل والتقنية التي تقوم على فكرة الثنائيات المتناقضة على نحو الملك والرعية، وسيد وعبد، ومثقفون باقون بقوة عملهم، وملوك يذهبون إلى مزبلة التاريخ.

وأعاب د. عبدالله على الكاتب استغراقه في اللغة التي استعبدته وإنه كان عليه أن يهيمن ويقبض على مقدرات السرد واللغة، وكذلك تشتيته للمسار السردي من خلال استخدام تقنية الحلم والراوي، الذي استغرقه الحديث عن تحتمس الثالث ونهر النيل، والذي جاء في صورة مباشرة فجة، وإن هذا السرد كان يمكن أن يتم من خلال عدة جمل قصيرة، مما كان سينفي الحدث الرئيسي بمجموعة أحداث فرعية تدعمه!

القاهرة ـ نهال قاسم