بعد عزلة دامت أكثر من نصف قرن من الزمن، أمضاها الفنان التشكيلي السوري الرائد ناظم الجعفري، معتكفاً في محترفه، منكباً على الإنتاج الفني الغزير والمتواصل، ومعرضاً عن أي نوع من النشاط، ضمن الحياة الثقافية والنقابيّة والعامة، قام بزيارته وزير الثقافة السوري السابق الدكتور محمود السيد في منزله بدمشق وأقنعه بإقامة معرض لأعماله.
وهكذا جاء معرضه الاستعادي في متحف دمشق الوطني الذي ضم ستاً وستين لوحة منها 24 زيتية، و37 منفذة بألوان الحبر السائل، و5 بألوان الشمع، تعود هذه الأعمال إلى سنوات مختلفة من تجربته الفنية التي تجاوز عمرها ستين عاماً، الفنان الجعفري من مواليد دمشق عام 1918، سافر على حسابه الخاص إلى القاهرة عام 1943 ودرس فن التصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة فيها حتى العام 1947 على أيدي رواد هذا الفن في مصر منهم: أحمد صبري ويوسف كامل، عمل في تدريس الفن في ثانويات ومعاهد دمشق، وكان الفنان التشكيلي السوري الوحيد بين مجموعة الفنانين المصريين الذين أسسوا كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1960، وكانت يومها معهداً عالياً للفنون يتبع وزارة التربية.
قام بتدريس مادة التصوير فيها حتى ما بعد منتصف ستينات القرن الماضي، ثم انسحب بعدها من التدريس والعرض وممارسة النشاطات الفنية المختلفة، إلى أن جاء معرضه الاستعادي الأخير، قبل مدة في دمشق.
جل موضوعات أعمال الفنان ناظم الجعفري مكرسة لمسقط رأسه دمشق، وبخاصة دمشق القديمة، وقد أسرّ لي أن ما لديه من أعمال فنية اليوم، يتجاوز خمسة آلاف لوحة منفذة بتقانات لونية مختلفة، أبرزها ألوان الزيت، وجميعها نفذها في أرض الواقع، في حواري ومحترفات وأسواق وأركان دمشق القديمة، دون الاستعانة بالصور الضوئية، كما يفعل غالبية الفنانين التشكيليين اليوم.
لا يقر الفنان الجعفري بالانتماء إلى أي اتجاه أو مدرسة فنية، ولا يؤمن بالتجلي الفني، أو الطقس الذي يرافق عملية الإبداع.
أعماله تقدمه فناناً كلاسيكياً واقعياً انطباعياً، ولوحته عموماً، ثرية الألوان، متوافقة ومنسجمة شكلاً ومضموناً، لوناً ورسماً، وهو متمكن من النسب الواقعيّة السليمة والصحيحة، في الطبيعة والعمارة والإنسان، وتتفرد بشكل خاص، لوحاته الوجهية التي يضمنها حالة تعبيريّة عميقة، وقدرة لافتة على التقاط الملامح والشبه، وعلى التعامل مع الألوان.
حيث يبني معمار اللوحة بلمسة لونية رهيفة وشفيفة ومنسجمة، موضوعة في مكانها الصحيح، وبالدرجة السليمة، ما ينم عن موهبة أصيلة وحقيقية، يملكها هذا الفنان، إضافة إلى الخبرة الكبيرة والعميقة التي تحملها أنامله، بفعل الدراسة الأكاديمية، والانكباب المجتهد على ممارسة الفن الذي أصبح جزءاً من حياته اليومية، فهو يمارسه في كل وقت ومكان، إذا ما ألح حضوره عليه، وتوفرت ظروف ممارسته.
يصنف الفنان جعفري ضمن جيل الرواد الأوائل في التشكيل السوري المعاصر. وهب حياته للفن، وعاشه بطريقته الخاصة التي اتسمت بالعزلة، والحدة، والتمرد، والتواري عن الضوء الاجتماعي والإعلامي، وبحساسية مزاجية عالية، أشعرتني وأنا أحاوره بأنني أسير في حقل من الألغام.
في نفس الوقت، يعتبر الجعفري من أغزر الفنانين السوريين إنتاجاً وإخلاصاً لهذا الإنتاج، فقد عزف عن بيعه وإهدائه، ورفض طلبات تنفيذ لوحات خاصة للراغبين، كما رفض بيع أو إهداء، اللوحات الشخصية التي نفذها لوجوه معروفة من المجتمع السوري.
كل ما يأمله الجعفري وهو على أبواب التسعين من العمر، أن تأخذ أعماله طريقها إلى متحف يحمل اسمه، وهو قادر على حماية هذه الأعمال والحفاظ عليها طالما هو على قيد الحياة، لكن الخوف الذي يقلقه، أن تتوزع وتضيع إذا ما رحل قبل أن يتحقق هذا الحلم الذي أفنى عمره وهو يعمل من أجله.
د. محمود شاهين