تشكل مشاهدة الجمهور الألماني في الشوارع وفي استادات البطولة متعة في حد ذاتها، والزائر إلى ألمانيا لن يحتاج إلى خرائط أو اسئلة كثيرة للوصول إلى مكان إقامة المباراة فما عليه إلا التوجه إلى أقرب محطة للقطارات فوق الأرض أو تحتها والوقوف بجوار العشرات بل المئات من المشجعين الذين يرتدون قمصان منتخبهم أو فريقهم المفضل والركوب معهم أينما اتجهوا وستجد نفسك في الاستاد حتما!
ويتعامل الجمهور الألماني مع حضور المباريات وكأنه ذاهب إلى نزهة «ويك إيند» ولذلك فهم يرتدون قمصان الفريق ويضعون القبعات ويحملون الأعلام الملونة ويغنون طوال الطريق وصولاً إلى الاستاد حيث يواصلون الغناء والتصفيق أثناء المباراة ثم يعودون بالقطار إلى مدينتهم محملين بعلب الشراب التي سرعان ما تفرغ احتفالاً بالفوز أو لنسيان الهزيمة.
ورغم قلقي من الركوب مع المشجعين الألمان المخمورين وخصوصاً بعد الخسارة إلا أنهم كانوا مسالمين ويغنون حتى بعد الخسارة ولكن الأغاني تكون حزينة أو للسخرية من آمال كانوا يعلقون عليها،و بعد الانتهاء من الغناء يضحكون ويعودون للشراب! عكس الجمهور الانجليزي ـ مثلاً ـ الذي يميل إلى تحطيم أي شيء أمامه للتنفيس عن الهزيمة، علماً ان الألمان والانجليز يتشابهون في استمرارهم بالتشجيع حتى الثانية الأخيرة من المباراة سواء كان فريقهم فائزاً أم خاسراً.
وقد وقف الجمهور الألماني طويلاً لتحية منتخبه بعد المباراة أمام البرازيل في الدور نصف النهائي للبطولة رغم الخسارة 2 ـ 3 وهو أمر ولّد الارتياح لدى مدرب ولاعبي المنتخب الألماني الذين قال قائدهم بإلاك «ان تشجيع جمهورنا يعني أننا وصلنا إلى مرحلة اللعب الممتع الذي يرضي الجمهور .
ويتبقى لنا ان نواصل التطور وصولاً إلى مرحلة المنافسة على لقب كأس العالم العام المقبل».بلا مزايدات يفخر الجمهور الألماني كثيراً بقوميتهم الألمانية وبمنتخبهم وبأنديتهم لكن البعض فضل الاستمتاع بحمام شمس أثناء مباريات المنتخب التي كانت منقولة على قناتين مفتوحتين وواحدة مشفرة.
وكانت موجة الحر التي هبت على ألمانيا طوال أيام البطولة فرصة للألمان للاستمتاع بالسباحة في المسابح العامة أو الاستلقاء على ضفاف نهري الراين والماين بعد طول اشتياق بسبب برد شتاء ألمانيا وربيعها الذي يفوق شتاءنا برودة والغيوم الرمادية والسوداء التي تلبد سماءهم. وفضل آخرون من الألمان أنفسهم تشجيع منتخبات أخرى حتى وهي تلعب أمام منتخبهم!، وقد كان منظر الألمان الذين ارتدوا قمصان البرازيل أثناء مباراة ألمانيا والبرازيل في نصف نهائي البطولة مثيراً وغريباً لي أنا المتفرج الغريب.
ولكن لم يكن أحد من المشجعين الألمان الذين يرتدون قمصان ألمانيا يلوم أو يتشاجر مع مواطنيهم الذين يرتدون قمصان البرازيل أو يزايد عليه في الوطنية والانتماء للبلد بل كانوا يتبادلون المزاح والتنافس في الأغاني والتشجيع دون ان يفسد الاختلاف للود قضية وهو شعار نرفعه نحن ويطبقه هم عملياً.
وقد جلست طوال رحلة العودة من نورمبيرغ إلى فرانكفورت في مقطورة بالقطار بجوار عائلة ارتدى الأب وأكبر الأبناء قميصي البرازيل فيما ارتدت الأم والابن الأصغر قميصي ألمانياً وكنا نجلس جميعاً بجوار مجموعة من الشباب الذين يرتدون قمصان ألمانيا وقد أغرقوا أنفسهم بالشراب حتى الثمالة، ولم يحصل أي احتكاك أو شجار بين الفريقين من حسن حظي أنا قبل الآخرين لأنني كنت «وسط الكماشة»!
التشجيع التفاعلي
يتميز التشجيع الألماني بكونه تفاعلياً، إذ لا يكتفي الجمهور بالغناء والتصفيق وعمل «الأمواج المكسيكية» بل يتفاعل مع إدارة الاستاد لتقديم صورة متكاملة للوحة واحدة قوامها اللعب داخل الملعب والتشجيع على المدرجات، وحين يجلس المتفرج يجد قطعة ملونة من الورق السميك «الكارتون» يرفعها أمام وجهه متى ما طُلب منه ذلك لتتشكل لوحات فنية في المدرجات حتى لو كلفته عدم الرؤية لدقيقة أو أكثر.
كما ان مذيع الاستاد لا يذكر اسم اللاعب كاملاً عند تقديم اللاعبين قبل بداية المباراة أو عند تسجيل اللاعب لهدف، إذ يكتفي المذيع بذكر الاسم الأول للاعب ويتولى الجمهور بصوت واحد ذكر اسم عائلة اللاعب وهي طريقة تزيد من تفاعل الجمهور مع إدارة الاستاد وترفع من معنويات اللاعب حين يسمع أكثر من 40 ألف متفرج يرددون اسمه بصوت واحد مدوٍ.
هدية للجمهور
قدمت اللجنة المنظمة للبطولة هدية للجمهور عبر تجربة جديدة من المنتظر ان يتم تطبيقها في المونديال المقبل وهي خدمات تلفزيونية عبر الإذاعة الداخلية للاستاد حيث يتم بث الأغاني الراقصة طوال فترة ما قبل المباراة وأثناء الاستراحة وتلتقط كاميرات الاستاد لقطات عشوائية للجمهور .
وهم يرقصون أو يتحدثون فتتولد فرحة لدى الجمهور، كما يستمتع الجمهور بلقطات أرشيفية للفريقين المتنافسين ولقطات عن البطولة إضافة إلى لقطات حية عن وصول الفريقين إلى الاستاد ونزول اللاعبين من الباص وتوجههم إلى غرف تبديل الملابس، ويستمتع الجمهور أثناء المباراة بإعادة لقطات لأجمل الحركات والتمريرات والأهداف دون إعادة اللقطات المثيرة للجدل والأخطاء العنيفة من اللاعبين حتى تساهم هذه الاعادات في توتر العلاقة بين الجمهور والحكم خاصة لو كان قرار الحكم غير دقيق.
وقال مسؤول في اللجنة المنظمة للبطولة «من غير الصحيح ان يستمتع المتفرج الجالس أمام شاشة التلفزيون في البيت بمشاهد مقربة وإعادة اللقطات الجميلة والأهداف ويُحرم الجمهور في الاستاد من هذا الامتياز، ولذلك قررنا تقديم هذه الخدمة للجمهور الذي دفع المال وحضر إلى الاستاد».
تشجيع بدون «حوافز»
في ألمانيا لا ينال الجمهور جوائز تشجيعية ولا سحوبات على سيارات وهواتف متحركة أو حتى وجبات أكل مجانية لجذبهم إلى الاستادات ويتم الاكتفاء بما تقدمه الفرق لهم من فن كروي جميل ويساهمون هم في تشجيع وتحفيز اللاعبين لكي يقدموا أفضل ما لديهم، وإذا كانت كأس القارات قد أقيمت في جو حار مشمس يشجع على الذهاب إلى الاستادات بأقل كمية من الملابس والحقائب فان الجمهور الألماني.
يملأ استادات الأندية طوال فصل الشتاء قارص البرد وتغطيهم الثلج مثلما يغطي أرضية الاستاد باستثناء عدد من الاستادات التي بدأ عددها في الزيادة والتي تضم سقفاً يغطي جميع أماكن جلوس المتفرجين، وقد استفادت معظم الأندية من فرصة استضافة مونديال 2006 حيث تم تشييد وتطوير 12 استاداً خصيصاً للمونديال وهي مصممة لتحمي الجمهور.
وهو امتياز ما كان معظم الجمهور الألماني يتمتع به وخاصة نصف جمهور بايرن ميونيخ الذي يجلس في المنطقة المكشوفة من الاستاد الأولمبي والتي لا تحميه من شمس أو مطر أو ثلج وما أكثر هطول المطر والثلج في الموسم الكروي الألماني وقد تم تشييد الاستاد الجديد للنادي (بالمشاركة مع نادي ميونيخ 1860) والذي يُعد تحفة في عالم الاستادات ويوفر حماية ومتعة كبيرة للجمهور.
وبسبب سعة الاستادات الألمانية وأهمية المباريات التي تستضيفها والجمهور الكبير الذي تستقطبه فقد تم تشييدها في مكان مفتوح وعلى مسافة من محطات المترو والقطارات مما يعني ان على الجمهور ان يسير لمسافة غير قصيرة تحت رحمة العوامل الجوية وصولاً إلى الاستاد.
كتب: سامي عبدالإمام