جون فولي

اعتاد المستثمرون تقييم شركات خاسرة على أساس ما يمكن أن تحققه مستقبلاً، لا على أرباحها الحالية، إذ لم يعد أمامهم خيار آخر في ظل تسجيل عدد كبير من الشركات الكبرى خسائر مالية متواصلة.

فقد سجلت شركات مثل «سبايس إكس»، و«إنتل»، و«سنوفليك»، و«موديرنا» خسائر خلال العام الماضي، ولكن ماذا يحدث عندما تكون الإيرادات نفسها، وليس الأرباح فحسب، منعدمة أو شحيحة للغاية؟

الشركات التي لا تجني أي إيرادات تشغيلية تعد حالة نادرة في الأسواق المالية العامة، لكنها موجودة بالفعل، فمن بين 6883 شركة مدرجة في الأسواق الأمريكية يتوقع ألا تحقق سوى 243 شركة أي إيرادات خلال العام المقبل، وفقاً لبيانات مؤسسة «إس أند بي كابيتال آي كيو».

بالمقابل تظهر الأسواق الأوروبية تشدداً أكبر في هذا الصدد، حيث لا تضم سوى 59 شركة من دون إيرادات، تتركز أغلبيتها العظمى في قطاعي التكنولوجيا الحيوية والتعدين.

وعلى غرار قطاعي التكنولوجيا الحيوية والتعدين يقدم قطاع الذكاء الاصطناعي إيرادات ضئيلة للغاية حالياً، مقابل وعود بمكاسب هائلة في المستقبل، غير أن طبيعة الطفرة التي يشهدها الذكاء الاصطناعي، والأحجام الضخمة للتقييمات المالية المطلوبة، يجعلان التباين بين الطموح والدخل أكثر وضوحاً وحدة.

لنأخذ على سبيل المثال شركتي «إس بي إنرجي» و«إن سكيل»، وهما شركتان مختصتان في بناء مراكز البيانات، وتستعدان لطرح أسهمهما للاكتتاب العام في نيويور، وتحقق كلتا الشركتين إيرادات.

وإن كانت متواضعة؛ إذ بلغت 140 مليون دولار في النصف الأخير من العام لكل منهما. رغم ذلك فإن التقييمات المأمولة لهما، والتي تبلغ 50 مليار دولار و35 مليار دولار على التوالي، ستجعلهما استثناء صارخاً مقارنة ببقية السوق.

وللمقارنة فإن أكبر شركة مدرجة في الأسواق الأمريكية تحقق إيرادات سنوية دون 500 مليون دولار، مع استبعاد شركات التكنولوجيا الحيوية وشركات إدارة احتياطيات البتكوين، هي شركة الأقمار الاصطناعية «إيه إس تي سبيس موبايل»، وتبلغ قيمتها السوقية 27 مليار دولار.

وقد بذلت الشركتان ما بوسعهما لطمأنة المستثمرين الجدد بأن الإيرادات القادمة في الطريق؛ حيث أبرمتا عقوداً مع شركات كبرى في المجال مثل «أوبن إيه آي»، و«أنثروبيك»، و«بايت دانس»، تلزم المستأجرين المستقبليين بالدفع أو إيجاد طرف آخر يتولى السداد،.

ورغم ذلك تظل المخاطر قائمة؛ لأن تنفيذ العقود المؤجلة يعتمد كلياً على نجاح الشركتين في بناء مراكز البيانات في المواعيد المحتومة، وضمن الميزانيات المحددة.

وبطبيعة الحال الشركات ذات الإيرادات الضئيلة أو المعدومة تجد مكانها بسهولة في محافظ المستثمرين المغامرين، الذين يبرعون في تقييم المشاريع الطموحة وعالية المخاطر. على سبيل المثال قدرت قيمة شركة «سيف سوبر إنتلجنس»، المختصة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.

والتي لا تحقق أي إيرادات، ولا تسعى لذلك حالياً، بنحو 32 مليار دولار العام الماضي، وتعمل حالياً على جمع 5 مليارات دولار من تمويل جديد، وفقاً لبيانات «بيتش بوك»، لكن الأسواق العامة لا تتلاءم عادة مع هذا النوع من الشركات.

ولننظر إلى موجة الشركات الناشئة في قطاعات مستقبلية كالحوسبة الكمومية والتحولات الرأسية، التي اندمجت مع شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة قبل نحو خمس سنوات، حيث لم تكن النتائج مرضية بشكل عام.

وتظهر بيانات «ليستينج تراك» أن متوسط أداء أسهم هذه الشركات انخفض بنحو 90 % منذ اندماجها مع الشركات المستهدفة، ومن المتوقع أن تخضع مخيلة المستثمرين لاختبار حقيقي مع الطروحات العامة المرتقبة لشركتي «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي».

ورغم أن إيرادات كل منهما تصل إلى مليارات الدولارات فإن التقييمات المستهدفة لهما، والتي قد تصل إلى تريليوني دولار في حالة «أنثروبيك»، تعادل أضعافاً مضاعفة لحجم مبيعاتهما، وسط غموض حول النسبة التي ستتحول منها إلى أرباح صافية فعلياً.

وعندما تشهد الأسواق حالة من الانتعاش والزخم لا تشكل هذه الفجوة مشكلة كبيرة، ولكن المخاوف بشأن الطبيعة غير المؤكدة للاستثمارات في الذكاء الاصطناعي تتزايد تدريجياً حالياً.

وفي غضون ذلك تستغرق طروحات «أوبن إيه آي»، و«أنثروبيك»، و«إس بي إنرجي» وقتاً أطول من المتوقع لإنجازها. وحين تنحسر شهية المخاطرة يميل من يملكون أضعف الأوراق نسبياً إلى تلقي الصدمة الأقسى.